عبر "خطين".. كيف حوّلت إسرائيل الهدنة إلى أداة لالتهام ثلثي قطاع غزة؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

عندما أعلن وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، كان سكان قطاع غزة يأملون عودة هادئة إلى منازلهم، لكن الهدوء لم يترجم إلى حرية حركة، بل إلى خطوط عسكرية عزلتهم في مساحة جغرافية أكثر ضيقا.

أحد هذه الخطوط يطلق عليه "الخط الأصفر" وهو مسار رسمته إسرائيل لتحدد مكان انتشار قواتها بعد الهدنة، لكن ظهر لاحقا خط آخر بلون برتقالي يوسع المجال الممنوع على السكان والمنظمات الإنسانية.

ما قصة الخطوط؟

تعود جذور "الخط الأصفر" إلى اليوم الأول للهدنة، فهو خط انتشار “مؤقت” جرى الاتفاق عليه عند وقف إطلاق النار ويفصل بين المناطق التي أعادت إسرائيل السيطرة العسكرية المباشرة عليها شرق القطاع وتلك التي سمحت للفلسطينيين بالبقاء فيها.

الخرائط الأولى التي ظهرت مع توقيع الاتفاق أشارت إلى أن الخط الأصفر يعني سيطرة إسرائيل على حوالي 53 بالمئة من مساحة قطاع غزة، وذلك ضمن حزام احتلال يصل في بعض المناطق إلى عمق 7 كيلو مترات.

ويشمل هذا الحزام معظم الأراضي الزراعية ونقاطًا مرتفعة ومعابر حدودية، ما يحصر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط أضيق على الساحل ووسط القطاع.

لكن الاحتلال استمر بقضم الأراضي حتى وصلت النسبة إلى 58 بالمئة، بحسب تحليل منظمتي Forensic Architecture البحثية البريطانية وGisha الحقوقية الإسرائيلية.

على الأرض، يظهر الخط الأصفر أحيانًا ككتل خرسانية صفراء عادية تضعها الجرافات على طرق ترابية أو في شوارع مدن مدمرة، لكنه يظل في أجزاء أخرى خطًا وهميًا. 

وحُركت هذه الكتل أكثر من مرة، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 كشف تحقيق لوكالة رويترز البريطانية عن صور أقمار صناعية نقلت الكتل الخرسانية مسافة 200 متر غربًا في حي التفاح، ما أدى إلى تدمير حوالى 40 مبنى وبناء ستة تحصينات جديدة.

وبدأ جيش الاحتلال في تغيير المعالم الميدانية على طول مسار الخط الأصفر، فقد زرع كتلا إسمنتية في الطرق، وأقام سواتر ترابية طويلة وأبراج مراقبة ونقاط تفتيش. 

تكررت عملية القضم في مناطق أخرى، فقد وصف تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية كيف وجد سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة الخط في صباح أحد الأيام، ينتقل عشرات الأمتار داخل أراضيهم دون إنذار.

ويخشى الشاب محمود قويدر من حي التفاح من أن يشكل هذا الخط حدودا جديدة وليس مجرد انتشار مؤقت كما يدعي جيش الاحتلال.

وأوضح قويدر لـ"الاستقلال" أن الاحتلال وسع الخط الأصفر غربا لمسافة تصل إلى 500 متر في العديد من المناطق ما زاد مساحة سيطرته.

وتابع: “مع ازدياد السيطرة غربا، اضطررت منذ فبراير (شباط 2026) مع جميع أفراد عائلتي لمغادرة المنطقة خوفا من أن يصل الجيش إلى مناطقنا”، مبينا أن "قضم الأراضي وتوسيع الخط الأصفر يحدث دون إنذار".

وبدورها، تقول وكالة أسوشيتد برس الأميركية: “الخط لا يوضع دائمًا على الأرض، ففي بعض الأماكن يكون  وهميًا يبتعد حتى نصف كيلومتر عن الخرائط الرسمية”.

لم يتوقف الأمر هنا، ففي مارس/آذار 2026، حصلت منظمات الإغاثة على خرائط محدَّثة حملت خطًا آخر بلون برتقالي يشير إلى منطقة مقيدة أخرى لا يُسمح بالدخول إليها إلا بتنسيق مسبق مع ما تسمى إدارة التنسيق والارتباط الإسرائيلية (COGAT).

هذا الخط لا يظهر ماديًا على الأرض وليس للسكان أي وسيلة لمعرفة مكانه بدقة، لكنه في الخرائط يحيط بالخط الأصفر من الجهة الغربية على مسافة تتراوح بين 200 و500 متر.

وحسب الخرائط التي اطلعت عليها المنظمات، يضيف الخط البرتقالي حوالي 11  بالمئة من مساحة القطاع إلى المنطقة الخاضعة لقيود إسرائيلية، أي التي تعرف بالخط الأصفر.

بإضافة هذه المساحة إلى المنطقة الواقعة شرق الخط الأصفر، يقدر جاد إسحاق مدير معهد الأبحاث التطبيقية في القدس (ARIJ) أن السيطرة أو التقييد الإسرائيلي يشمل نحو ثلثي القطاع (64  بالمئة)، وفق ما نقلت رويترز.

وأوضح إسحاق أن الخط الجديد يحشر ما يقارب مليوني فلسطيني في مساحة ساحلية ضيقة، مبينا أن الهدف هو وضع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في أصغر منطقة ممكنة.

ويعني الخط البرتقالي أن أي شخص أو مركبة توجد بينه وبين نظيره “الأصفر”، لا بد أن تُنسق مع الجيش، وإلا قد تتعرض لإطلاق نار. 

ماذا يعني للفلسطينيين؟

يعني الخطان المذكوران أن قطاع غزة ينقسم اليوم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأكبر يقع الآن وراء الخط الأصفر، حيث توجد القوات الإسرائيلية وتمنع سكانه من العودة. 

هذه المنطقة تضم معظم الأحياء الشرقية من بيت حانون إلى رفح، وتعد عمليًا منطقة عمليات عسكرية، فقد دمرت قوات الاحتلال المنازل والبنية التحتية، فيما لا يسمح بعمليات إغاثة إلا في حالات محدودة. 

أما المنطقة الثانية فهي الحزام الاحتلالي بين الخطين، وهنا يخشى سكان دير البلح وجباليا من تجاوز حدود غير مرئية والتعرض لخطر إطلاق النار.

 وفق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية “أوتشا” صدر نهاية فبراير/شباط 2026، يعيش نحو 1,800 أسرة قرب الخط البرتقالي بلا ماء أو غذاء أو مأوى مناسب، وتتعرض لتهجير متكرر عندما يتحرك الخط فجأة. 

وأفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في أحدث تقاريرها بأن توسيع الخط البرتقالي أدخل 10 مرافق إضافية، بينها مدارس ومراكز إيواء، ضمن المنطقة المقيدة، وارتفع العدد الكلي لمرافقها الواقعة خلف الخط أو ضمن المناطق التي تتطلب موافقة إسرائيلية إلى 127.

أما المنطقة الثالثة، فهي الشريط الساحلي غرب الخط البرتقالي، والتي تشهد اكتظاظًا غير مسبوق ويتركز فيها غالبية سكان قطاع غزة الذين يتجاوز عددهم مليونين. 

وحشر معظم سكان غزة في هذا الشريط، الذي يشكل حوالي 36 إلى 40 بالمئة فقط من مساحة القطاع، حسب تقديرات مصادر فلسطينية. وفي هذا الشريط تتكدس الخيام، وتنتشر الأمراض، ويشتد النقص في المياه الصالحة للشرب والطعام والوقود. 

ولا تخلو الحركة في هذا الشريط من مخاطر قصف جوي أو مدفعي متقطع، ولا يوجد ضمان لعدم تقدم الخطوط مجددًا.

ويوضح الصحفي الغزي ياسر محمد أن هذه التقسيمات الثلاثة تخلق نظامًا متدرجًا للحقوق والامتيازات، “فمن هم خلف الخط الأصفر لا يملكون حق العودة حتى إشعار آخر”.

وأردف لـ"الاستقلال": “من يسكن بين الخطين يخضع لمزاج قوة عسكرية قد تطلق النار تجاهه، ومن يعيش غرب الخط البرتقالي فهو في ازدحام وضيق”.

ولفت إلى أن الاحتلال يعيد عبر هذا النظام هندسة المجتمع والاقتصاد والأرض في غزة، ويجعل الوصول إلى الماء والغذاء والمأوى مرهونًا بعوامل وتقديرات عسكرية.

وتوضح الخسائر البشرية حجم الخطر؛ إذ سجلت أوتشا ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان استشهاد 167 فلسطينيًا في المناطق القريبة من الخط الأصفر و216 آخرين بعيدًا عنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الهدنة. 

ونقلت صحيفة الغارديان عن بيانات مفوضية حقوق الإنسان أن 269 من بين 700 شهيد بعد الهدنة ارتقوا قرب الخط، بينهم أكثر من 100 طفل. 

ومنذ منتصف مارس/آذار، استشهد ثلاثة فلسطينيين يعملون مع منظمات إغاثية أجنبية، بينهم اثنان مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وآخر مع منظمة الصحة العالمية،  في المنطقة الواقعة بين الخطين.

وحذرت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان من أن قتل مدنيين لمجرد الاقتراب من خط عسكري يعد جريمة حرب، مؤكدةً أن الفلسطينيين يقتلون لأنهم لا يعرفون أين يقع الخط المتغير. 

وتدعي إدارة التنسيق والارتباط الإسرائيلية (COGAT) أن الغاية هي تقليل الاحتكاك وتسهيل المساعدات، لكن حقوقيين يؤكدون أن تكريس الخطين ينتج واقعًا أقرب إلى التقسيم الفعلي للقطاع. 

ويرى معهد السياسات الفلسطيني “الشبكة” أن نقل الخط بمئات الأمتار وتحويل المناطق إلى أحزمة تنسيق هو نوع من الضم غير المعلن. 

ولم تقتصر مخاوف تحويل الخطوط الجديدة إلى واقع دائم على التحليلات الفلسطينية أو الأممية، فقد وصف رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير الخط الأصفر صراحة بأنه "خط حدود جديد"، وبين خلال توغله في غزة أن جيشه يسيطر على "أجزاء واسعة من القطاع" وسيبقى على "خطوط الدفاع" الحالية.

 وأضاف أن "الخط الأصفر" يعمل كـ"خط دفاع متقدم" للمستوطنات الإسرائيلية و"خط نشاط عملياتي"، في توصيف يجعل خط الهدنة أقرب إلى حدود عسكرية فعلية لا إلى موضع انتشار مؤقت.

وتنسجم هذه اللغة مع تصريحات أخرى أكثر سياسية؛ إذ قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 31 مارس/آذار إن أكثر من نصف أراضي غزة باتت تحت سيطرة "إسرائيل". 

فيما أكد وزير الجيش يسرائيل كاتس في فبراير/شباط أن قواته ستبقى في مناطق "الخط الأصفر" ولن تتحرك منها "مليمترًا واحدًا" قبل نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية حماس،  وهو ما ترفضه الأخيرة.