قمة جدة.. لماذا عجزت دول الخليج عن توحيد موقفها رغم الخطر المشترك؟

هل كانت القمة مجرد محاولة لاحتواء الصدمة، أم اعترافًا ضمنيًا بحدود منظومة الحماية القائمة؟
رغم أن العواصم الخليجية شهدت، للمرة الأولى في تاريخها، ضربات عسكرية مباشرة قلبت معادلات الأمن التقليدية، انتهت قمة جدة الخليجية، التي عُقدت في 28 أبريل/نيسان 2026 لبحث هذه التطورات، ببيان مكرر ورسائل ملتبسة.
كان المشهد مألوفًا؛ إذ غابت سلطنة عمان، المعروفة بتوافقها مع إيران، عن الحضور كليًا، كما غابت القيادة الإماراتية ممثلة في محمد بن زايد، فيما تكرر الخطاب التقليدي الذي يعيد إنتاج مفاهيم "الأمن الجماعي" دون تقديم قفزة نوعية توازي حجم التهديدات الراهنة.
البيان الختامي أشار ضمنًا إلى توجه خليجي نحو تعزيز الأمن الذاتي داخل إطار جماعي، لكنه لم يحسم قضايا جوهرية، أبرزها مستقبل القواعد الأجنبية أو نية الأنظمة الملكية تقليص الاعتماد على الحماية الأميركية. كما عكس تباينًا في مواقف الدول بشأن إيران وطبيعة العلاقة معها في المرحلة المقبلة.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤل أعمق: هل كانت القمة مجرد محاولة لاحتواء الصدمة، أم اعترافًا ضمنيًا بحدود منظومة الحماية القائمة؟
كما يبرز تساؤل آخر حول سبب غياب النقاش الصريح بشأن الوجود العسكري الأميركي، الذي تعده إيران أحد أسباب التوتر، مقابل الاكتفاء بإشارات خافتة إلى بناء قدرات أمنية مستقلة تدريجيًا، دون خطوات عملية واضحة، وفي ظل غياب بعض القادة والدول عن حسم هذا الملف الحيوي.

رسائل البيان الختامي
كان واضحًا أن البيان الختامي استهدف توجيه ثلاث رسائل رئيسة إلى الأطراف المنخرطة في الحرب التي امتدت تداعياتها إلى الخليج رغمًا عنه، وهي الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
فقد حمل البيان ثلاث رسائل إستراتيجية موجهة إلى هذه الأطراف، في محاولة خليجية لرسم حدود فاصلة مع صراع لم تختره، لكنها وجدت نفسها في قلب تداعياته. ويعكس ذلك سعيًا لإعادة التموضع بين أطراف نزاع إقليمي متصاعد، دون الانخراط الكامل في أي محور.
وجاء البيان محمّلًا بدلالات سياسية دقيقة، صيغت بعناية عبر لغة محسوبة وتوازنات حذرة، بهدف تحديد ملامح الموقف الخليجي من التصعيد، بين رفض الانجرار إلى الحرب، والتأكيد في الوقت ذاته على حماية المصالح الاستراتيجية والأمنية.
ولم تأتِ هذه الرسائل بصيغة صدامية مباشرة، بل ضمن ما يمكن وصفه بسياسة "الإشارات الهادئة"، وهي المقاربة التي تميل إليها دول الخليج حتى في أكثر اللحظات حساسية، بما يعكس حرصها على إدارة التوازنات الدقيقة دون تفجير المواقف أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ونظرًا لأن إيران هي الطرف الذي نفّذ ضربات داخل دول الخليج، مبررة ذلك باستهداف قواعد ومصالح أميركية، لا منشآت مدنية مباشرة، فقد تمحورت أغلب فقرات البيان حول طهران، في محاولة لإيصال رسالة دقيقة مفادها أن دول الخليج ليست في حالة عداء معها، لكنها لن تتردد في الرد إذا مسّت هذه الهجمات استقرارها الداخلي.
الرسالة بدت حازمة في بعض صياغاتها، لكنها حملت في جوهرها طابعًا مزدوجًا ومغلفًا بنبرة هادئة، يمكن تلخيصها في معادلة واضحة: "لسنا ضدك، لكننا لسنا في صفك إذا تجاوزتِ خطوط الاستقرار".
وفي الوقت ذاته، عكست هذه اللغة قدرًا من تآكل الثقة في سلوك إيران، مع إشارة ضمنية إلى أن استعادتها مرهونة بخطوات عملية، أبرزها وقف الهجمات وإثبات حسن النيات.
كما أظهرت الرسالة حرصًا خليجيًا على إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع طهران، وهي المواجهة التي يُنظر إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تسعيان إلى دفع المنطقة نحوها، خاصة مع استهداف مواقع داخل الخليج بطائرات مجهولة، نفت إيران مسؤوليتها عنها.
وفي ظل إغلاق مسارات حيوية لتصدير النفط، وعلى رأسها مضيق هرمز، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر للاقتصادات الخليجية، حملت القمة رسالة أكثر وضوحًا: أمن الممرات الحيوية، بما في ذلك البحر الأحمر وباب المندب، يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
وأكد بيان جدة أن أي تهديد مباشر أو غير مباشر لهذه المصالح، سواء من إيران أو غيرها، سيُقابل برفع مستوى التنسيق الأمني والدفاعي بين دول الخليج، في إشارة إلى استعداد جماعي للتعامل مع المخاطر المتصاعدة.

القواعد العسكرية
حملت الرسالة الموجهة إلى الولايات المتحدة طابعًا مزدوجًا، وصيغت على شكل تساؤل ضمني حاد: هل القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في الخليج وُجدت فعلًا لحماية الدول المضيفة، أم أن دورها بات مرتبطًا بحسابات أخرى لا تتطابق دائمًا مع أولويات أمن الخليج؟
في هذا السياق، برز عتاب خليجي واضح تجاه واشنطن، سواء بسبب عجز هذه القواعد عن توفير الحماية الكاملة خلال الضربات الأخيرة، أو نتيجة شعور متزايد بأن الأولوية الأميركية تميل إلى حماية إسرائيل على حساب أمن شركائها الخليجيين.
وظهر هذا الانطباع بشكل أكبر مع سياسات دونالد ترامب، التي عدت منحازة، خاصة مع الانخراط في التصعيد ضد إيران دون مراعاة كافية لتداعيات ذلك على استقرار المنطقة ومصالحها الاقتصادية.
ورغم هذا التوتر الضمني، حرصت القمة على عدم الذهاب إلى قطيعة، حيث أكدت—عبر البيان وتصريحات القادة—أن الولايات المتحدة لا تزال شريكًا أمنيًا رئيسيًا.
لكن في المقابل، بدا واضحًا أن دول الخليج لم تعد تتعامل معها باعتبارها الضامن الوحيد للأمن، بل بدأت تفكر بجدية في تعزيز قدراتها الذاتية وتطوير منظومة دفاع جماعي أكثر استقلالًا.
كما عكست إشارات القمة توجهًا نحو توسيع هامش الحركة الاستراتيجية، عبر تنويع العلاقات الدولية، سواء مع قوى كبرى أخرى أو من خلال بناء ترتيبات إقليمية خاصة، بما يضمن حماية المصالح الخليجية بصورة أكثر توازنًا. وتضمنت هذه المقاربة رسالة غير مباشرة مفادها أن أي تراجع أو تذبذب في الالتزام الأميركي سيدفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل واقعية.
ورغم أن دول مجلس التعاون اعتمدت لسنوات على إستراتيجية الشراكات الدفاعية المتعددة، فإن الولايات المتحدة لا تزال تمثل المرجع الأساسي للأمن في الخليج، وفق تقديرات غربية.
ويستند هذا التقييم إلى تجارب سابقة، أبرزها دور واشنطن في حرب الخليج 1991، التي تُعد مثالًا على غياب بديل قادر على أداء هذا الدور بالفاعلية نفسها.
ومع ذلك، لم يعد هذا الواقع محل تسليم كامل، إذ يتصاعد النقاش داخل الأوساط الخليجية حول ضرورة إعادة واشنطن النظر في استراتيجيتها الدفاعية تجاه المنطقة، بما يضمن التزامًا أوضح وأكثر توازنًا بأمن حلفائها، في ظل بيئة إقليمية تزداد تعقيدًا وتقلبًا.
لم تُركّز القمة على توجيه رسائل مباشرة إلى إسرائيل، لكنها لم تُغفل الإشارة إلى مساعٍ لفرض نفوذ في المنطقة، في تلميح واضح إلى سياسات بنيامين نتنياهو وخطابه المتكرر حول "شرق أوسط جديد" يُعاد تشكيله بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
وفي سياق الرد غير المباشر على هذه التوجهات، ألمحت قمة جدة إلى أدوار "أطراف خبيثة" تسعى إلى إشعال مواجهة بين الخليج وإيران، في محاولة لجرّ المنطقة إلى صراع أوسع.
وأكد البيان رفض التحركات الرامية إلى فرض الهيمنة بالقوة، مشددًا على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على الحروب المفتوحة أو فرض الوقائع بالقوة، وأن أي تصعيد واسع ستكون له انعكاسات خطيرة على المصالح الاقتصادية والأمنية لدول الخليج.
وتكشف قراءة هذه الرسائل الثلاث—الموجهة إلى إيران والولايات المتحدة وإسرائيل—عن نقطة تقاطع واضحة، تتمثل في سعي دول الخليج إلى تثبيت موقعها كفاعل مستقل نسبيًا، لا مجرد ساحة صراع بين قوى كبرى.
وقد تجلّى ذلك في حرص القمة على تجنّب الانحياز لأي محور، والعمل على ترسيخ معادلة توازن دقيقة.
هذه المعادلة تقوم على احتواء التوتر مع إيران دون الانخراط في مواجهتها، والحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة دون الارتهان الكامل لها.
فالهدف النهائي يتمثل في حماية الاستقرار الإقليمي، وصون المصالح الخليجية، ورفض التبعية، مع السعي إلى لعب دور أكثر فاعلية في صياغة توازنات المنطقة بدل الاكتفاء بالتفاعل معها.

مخرجات القمة
بفعل غياب سلطنة عمان، التي لعبت دور الوسيط قبل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ووجّهت انتقادات لواشنطن على لسان وزير خارجيتها، إلى جانب غياب رئيس الإمارات محمد بن زايد، الذي يُنظر إلى موقفه بوصفه رافضًا لخطاب مزدوج تجاه طهران يجمع بين التهديد والتهدئة، بدا متوقعًا أن يخرج البيان بصياغة تقليدية لا تحمل حسمًا.
كما أن حضور وزير الخارجية عبد الله بن زايد بدلًا من رئيس الدولة، إلى جانب غياب التمثيل العُماني، شكّل مؤشرًا على استمرار تباينات داخلية حول كيفية التعامل مع إيران وإسرائيل، رغم أن المنطقة تمرّ بلحظة تُعد من أخطر الأزمات الأمنية في تاريخها الحديث، في ظل إعادة تشكيل موازين القوى بالقوة.
وزاد المشهد تعقيدًا إعلان الإمارات، عشية القمة، انسحابها من تحالف أوبك بلس، وهو قرار لا يمكن فصله عن مناخ التباين المتصاعد داخل الخليج، ويضيف بُعدًا اقتصاديًا متشابكًا مع البعد الأمني، في صورة تعكس هشاشة التماسك داخل مجلس التعاون الخليجي.
"بيان جدة" اكتفى بالإشارة إلى "مناقشة" القادة لتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وسبل التعامل مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية ومنشآت نفطية، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة.
لكنه، بدلًا من تبني موقف صريح من التصعيد، ركّز على أهمية المسار الدبلوماسي، في إشارة إلى جهود الوساطة، ومنها المسار الباكستاني بين إيران والولايات المتحدة.
أما أبرز ما تضمّنه البيان فكان التأكيد على "حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها فرديًا وجماعيًا"، وأن "أمن دول المجلس كلٌ لا يتجزأ"، وهي عبارات تكررت في بيانات سابقة دون ترجمة عملية واضحة.
كما ركّز البيان على تسريع تنفيذ منظومة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، وتعزيز التنسيق الأمني، وإدانة إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة وفرض رسوم على عبور السفن.
وأعاد كذلك التأكيد على مشاريع تكاملية قديمة، مثل الربط الكهربائي، والسكك الحديدية الخليجية، ومشاريع نقل النفط والغاز، وتعزيز المخزون الإستراتيجي.
ورغم أن البيان حمل إشارات توحي بوجود مراجعة في التفكير الأمني الخليجي، واقتراب تحول تدريجي من الاعتماد الكامل على الخارج نحو بناء توازنات أمنية جديدة، فإنه لم يصل إلى حد القطيعة مع المظلة الأميركية، ولم يتجاوز مستوى التوجهات العامة.
وبقيت مخرجات القمة، في جوهرها، أقرب إلى إعادة إنتاج الأمنيات، دون خطوات تنفيذية تعكس حجم التحديات التي تواجهها المنطقة.

فشل وخلافات
دفعت مخرجات القمة عددًا من المحللين إلى وصفها بالفشل، معتبرين أن بيانها كان جاهزًا سلفًا، وهو ما يفسّر الاكتفاء بتكرار شعارات "الأمن الجماعي"، رغم أن دول الخليج تواجه تهديدًا غير مسبوق بعد تعرض عواصمها لضربات عسكرية مباشرة لأول مرة.
كما برزت ازدواجية واضحة في الخطاب بين الدعوة للاعتماد على الذات أمنيًا، وبين تجنّب حسم الموقف من استمرار الاعتماد على القواعد الأميركية.
وتشير تقديرات غربية إلى أن مواقف الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، كما عكستها البيانات والتصريحات، كشفت عن تباينات عميقة تعكس اختلاف أولوياتها الوطنية.
فقد رصد مركز تقدم للسياسات، في 29 أبريل/نيسان 2026، تعددًا في وجهات النظر تجاه إيران، رغم أن جميع الدول تعرضت لاستهداف عسكري.
ففي حين تتبنى الإمارات العربية المتحدة والبحرين موقفًا أكثر تشددًا، وترى في إيران تهديدًا وجوديًا يستدعي ردعًا قويًا، تميل السعودية والكويت إلى مقاربة مزدوجة تجمع بين الردع والدبلوماسية.
أما سلطنة عمان وقطر فتواصلان تفضيل الوساطة والحوار، استنادًا إلى تجاربهما السابقة.
وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان اتصالًا بنظيره الإيراني عباس عراقجي قبل القمة، في إشارة إلى أن الرياض لا تغلق باب التواصل.
كما زار عراقجي مسقط والتقى السلطان هيثم بن طارق ضمن جهود الوساطة للحفاظ على قنوات الاتصال بين إيران والولايات المتحدة.
ورغم هذا التباين، حافظت دول المجلس—على الأقل علنًا—على موقف موحد بعدم الرد العسكري وعدم الانخراط في الحرب. لكن في المقابل، ساد استياء واضح من غياب إستراتيجية دفاعية أميركية استباقية لحماية الخليج، رغم الإشادة الرسمية بفعالية الأنظمة الدفاعية الأميركية.
وتجلّى الموقف الإماراتي الأكثر تشددًا في تصريحات أنور قرقاش، الذي انتقد أداء المجلس وعده دون مستوى أزمات سابقة، واصفًا إيران صراحة بأنها "عدو"، ومؤكدًا استعداد بلاده لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن أمنها دون انتظار توافق جماعي.
وفي موازاة ذلك، كشف تقرير لموقع أكسيوس (26 أبريل 2026) عن إرسال إسرائيل نظام دفاع جوي متطور إلى الإمارات، برفقة طاقم تشغيل، في إطار تنسيق رفيع المستوى خلال الحرب.
كما زاد إعلان أبوظبي انسحابها من تحالف أوبك بلس من حدة التباينات، وسط تلميحات بتوسيع خياراتها الإقليمية، بما في ذلك تعميق التعاون مع إسرائيل.
وأشار تقرير مركز ستيمسون (28 أبريل 2026) إلى وجود "أزمة ثقة داخلية" بين دول المجلس بشأن نموذج الأمن الجماعي، مع استمرار الشكوك الناتجة عن الخلافات السابقة وتباين تقييم التهديد الإيراني.
كما لفت إلى تصدعات في التنسيق الاقتصادي، خصوصًا بعد انسحاب الإمارات من أوبك+، وتساؤلات حول تداعيات علاقاتها مع إسرائيل، إلى جانب القلق من كفاية المظلة الأمنية الأميركية.
والمفارقة، وفق التقرير، أن الحرب التي كان يُفترض أن تعزز التعاون الخليجي، أدت إلى نتائج عكسية، مع تراجع مؤشرات التكامل، ما يؤكد أن بناء منظومة أمن جماعي فعّالة لا يزال "بعيد المنال".
ويعود ذلك، في جانب منه، إلى طبيعة الأنظمة السياسية في الخليج، حيث تتركز السلطة في إطار وطني ضيق، بينما يتطلب الدفاع الجماعي تنازلات سيادية أوسع لم تنضج ظروفها بعد.
وهكذا، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين: إما المضي نحو تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي المشترك بصورة أعمق، أو الانزلاق إلى إستراتيجيات وطنية متباعدة تبدأ من النفط ولا تنتهي عنده، وهو مسار قد يُضعف مجلس التعاون الخليجي في لحظة يحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى موقف موحد وصوت متماسك.
















