هندسة مسبقة للنتائج.. كيف زورت "فتح" انتخابات البلدية في الضفة وغزة؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣٤ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

بعد إعلان لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، في 26 أبريل/نيسان 2026، النتائج النهائية للانتخابات المحلية التي جرت في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية ومدينة دير البلح وسط قطاع غزة، متضمنة عدد الأصوات والمقاعد التي فازت بها كل قائمة، انتشرت تقارير تتهم العملية بالتزوير لصالح حركة "فتح"، ممثلة السلطة الفلسطينية.

ولفت سياسيون وناخبون إلى أن التعديلات التي أجرتها السلطة الفلسطينية على شروط الترشح أدت إلى إفراغ العملية الديمقراطية من مضمونها، وضمنت فوز مرشحين محسوبين على منظمة التحرير، وذهب بعضهم إلى وصف المشهد بأن "فتح كانت تنافس نفسها".

الانتخابات التي دعت إليها السلطة الفلسطينية بعد فترة طويلة من التردد، واختارت لها توقيتًا يتزامن مع احتلال إسرائيل لنحو نصف قطاع غزة، وتراجع سيطرة حركة حماس بفعل القصف الإسرائيلي، هدفت — وفق منتقدين — إلى إظهار تراجع شعبية حماس في القطاع.

وبرغم هتافات بعض أنصار السلطة بفوز "فتح" في عدد من الدوائر، فإن النتائج الفعلية عكست واقعًا مختلفًا؛ إذ لم تحقق الحركة فوزًا حاسمًا، وذلك رغم الانتقادات الواسعة والشبهات التي أُثيرت حول نزاهة البيئة الانتخابية.

نتائج الانتخابات

انعكس إجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية ومدينة دير البلح، بعد 21 عامًا من التوقف، إلى جانب أجواء الحرب وحالة اليأس من إصلاح السلطة الفلسطينية، على نسب المشاركة، لا سيما في قطاع غزة.

فقد بلغت نسبة المشاركة نحو 23 بالمئة فقط في دير البلح، المدينة الوحيدة التي جرت فيها الانتخابات في القطاع بسبب تدمير بقية المدن، مقابل نسب تراوحت بين 40 و53 بالمئة في الضفة الغربية.

وبفعل حالة اليأس وفقدان الثقة، إلى جانب أجواء المعاناة في غزة، والتضييق في الضفة، إضافة إلى ارتهان قيادة السلطة في رام الله للاحتلال، وما يُثار حولها من ضعف وفساد، لم تحظَ الانتخابات باهتمام شعبي أو إعلامي واسع.

وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، والمتضمنة عدد الأصوات والمقاعد التي فازت بها كل قائمة، فوز 197 هيئة محلية بالتزكية، بحسب وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وجرت الانتخابات وفق قانون جديد طُبّق للمرة الأولى، يجمع بين نظام القائمة المفتوحة والنظام الفردي، واعتمدت على سجل مدني غير مُحدّث في قطاع غزة، في ظل وجود آلاف الشهداء ونزوح عائلات كاملة من المدينة.

من جهتها، قالت لجنة الانتخابات إن نجاح تجربة الاقتراع في دير البلح يمثل "رسالة سياسية تؤكد وحدة الوطن جغرافيًا"، ويعكس إمكانية إجراء الانتخابات العامة، بما فيها الرئاسية والتشريعية، في مختلف الأراضي الفلسطينية رغم التحديات القائمة، مشيرة إلى إمكانية تنظيمها في مناطق أخرى حال توفرت الظروف المناسبة.

كيف فازت حركة فتح؟

فور إعلان نتائج الانتخابات، أكد فلسطينيون أن السلطة الفلسطينية أثّرت في مخرجات العملية الانتخابية لضمان فوز مرشحين تابعين لها، مشيرين إلى أنه في بعض الدوائر بدت الحركة وكأنها تنافس نفسها في ظل غياب منافسين حقيقيين.

وأوضحوا أن أغلب القوائم التي شاركت في الانتخابات كانت إما تابعة لحركة "فتح" بشكل رسمي، أو مؤلفة من عائلات وشخصيات محسوبة عليها أو متحالفة معها، في حين غابت قوائم رسمية تمثل حركة "حماس".

ففي مدينتي جنين والبيرة، وُجدت قائمتان لمرشحين مستقلين محسوبين على "فتح" تتنافسان مع قائمة رسمية للحركة، كما أن المرشح في بلدة بيتونيا غرب رام الله كان من "فتح"، وكذلك القائمة المنافسة له كانت من الحركة ذاتها.

وإلى جانب هيمنة الطابع العائلي والتزكية، شهدت الانتخابات أجواء من الخوف والقمع السياسي، مع تداول حديث عن ضغوط وتهديدات، ما دفع المرشحين إلى تجنب طرح أي خطاب سياسي، حتى فيما يتعلق بالقضايا اليومية المرتبطة بالاحتلال، بحسب ما أفاد به نشطاء فلسطينيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت وكالتا "رويترز" و"الأنباء الفرنسية"، في 26 أبريل/نيسان 2026، فوز أنصار الرئيس محمود عباس في الانتخابات البلدية الفلسطينية، في ظل مشاركة محدودة، مشيرتين إلى أن قوائم مدعومة من عباس تصدّرت في غالبية الدوائر، في اقتراع شمل غزة للمرة الأولى منذ 21 عاما، رغم خضوعها لإدارة حركة "حماس".

وأشار الصحفي علاء الريماوي إلى أن الانتخابات المحلية في الضفة الغربية غلبت عليها حالة من الجمود السياسي إلى جانب تحولات اجتماعية متراكمة داخل المجتمع الفلسطيني، أدت إلى بروز تكتلات مصلحية ومحلية جديدة، في ظل غياب المنافسة السياسية الفعلية.

وأضاف أن قوائم حركة "فتح" لم تواجه منافسة مباشرة من أي تكتل سياسي منظم، ما جعل الانتخابات أقرب إلى منافسات محلية وعائلية ومصلحية، بعيدة عن البرامج والرؤى السياسية الشاملة.

كما لفت إلى أن نسب المشاركة التي أعلنتها لجنة الانتخابات تحتاج إلى مراجعة، نظرا لوجود مجالس محلية وبلديات لم تُجر فيها انتخابات أساساً، سواء بسبب التزكية أو غياب المنافسة، وهو ما يثير تساؤلات حول دلالة الأرقام المعلنة.

ورصد فلسطينيون نماذج لضعف الإقبال والمقاطعة، حيث لم يتوجه للتصويت سوى شخصين فقط من أصل 2510 ناخبين في بلدية كفر قليل بنابلس، التي تضم 9 مقاعد بلدية.

من جهته، قال المحلل السياسي مازن الجعبري: إن الانتخابات رافقتها إشكاليات متعددة، مشيرا إلى أنها لم تكن ضمن أولويات الشعب الفلسطيني في هذا التوقيت، كما غابت عن مدن كبرى مثل رام الله ونابلس، إضافة إلى قطاع غزة باستثناء دير البلح، فضلاً عن إجرائها وفق قانون انتخابي صدر بمرسوم رئاسي لم يحظَ بإجماع فلسطيني.

وأكدت وكالة "قدس برس"، في 27 أبريل/نيسان 2026، أنه رغم الترويج للانتخابات بصفتها "عرسا ديمقراطيا"، فإنها عكست أزمة أعمق من مجرد نتائج وصناديق اقتراع، ووصفتها بأنها "ملهاة تعكس مأساة الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين".

وأشارت إلى غياب المنافسة الحقيقية في العديد من المواقع، وتراجع المشاركة الشعبية، وحضور التزكية والعزوف السياسي، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى العملية الانتخابية وقدرتها على تمثيل إرادة المواطنين وهمومهم اليومية.

كما أثارت حركة "حماس" مسألة إقصاء أو تعطيل بعض القوائم الانتخابية، موضحة أن لجان الانتخابات أو المحاكم المختصة قبلت طعونا ضد قوائم محسوبة عليها، أو رفضت تسجيل قوائم لأسباب إجرائية، في حين تم التساهل مع قوائم قريبة من "فتح"، ما أدى – بحسب تعبيرها – إلى "هندسة مسبقة للنتائج".

وأرجع محللون فلسطينيون تفوق "فتح" في انتخابات 2026، وفوزها في عدد من المواقع بالتزكية، إلى بيئة انتخابية محدودة التنافس، إلى جانب قدرة الحركة على الحشد والتنظيم، إلا أنهم أكدوا أن هذه النتائج لا تحسم بشكل نهائي وزنها الشعبي، في ظل غياب منافسة كاملة ومشاركة شاملة من الضفة الغربية وقطاع غزة معا.

وأظهرت النتائج أن قائمة "دير البلح تجمعنا"، المستقلة والقريبة من "حماس"، فازت بمقعدين فقط من أصل 15 مقعدا في غزة، وهو العدد نفسه الذي حصلت عليه قائمة "السلام والبناء"، التي يغلب على مرشحيها الانتماء إلى الحركة.

في المقابل، حصلت قائمة "نهضة دير البلح"، المدعومة من حركة "فتح" بزعامة محمود عباس والسلطة الفلسطينية، على 6 مقاعد، فيما فازت قائمة "مستقبل دير البلح" المستقلة بخمسة مقاعد.

وقال المحلل الفلسطيني ياسين عز الدين: إن الانتخابات البلدية التي جرت في دير البلح وحدها بقطاع غزة شهدت مشاركة أربع قوائم مستقلة، كانت إحداها محسوبة على "فتح" (النهضة) وحصلت على 6 مقاعد من أصل 15.

وأضاف: "راهنت فتح على أن الشعب في غزة سيلفظ المقاومة بعد كل الدمار الذي حدث ويرتمي في أحضان السلطة، لكن هذا الرهان لم يتحقق"، مشيرا إلى أن القوائم الثلاث الأخرى، التي حصدت مجتمعة 9 مقاعد، تحالفت لتشكيل المجلس البلدي بعد الانتخابات.

وكانت المحللة السياسية الفلسطينية ريهام عودة قد قالت لوكالة "رويترز"، في 22 أبريل/نيسان 2026، إن الانتخابات البلدية تمثل "خطوة رمزية تهدف إلى إرسال رسالة إلى العالم، وإلى مجلس السلام، وإلى إسرائيل، مفادها أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من النظام السياسي الفلسطيني".

وأضافت لاحقا أن انتخاب شخصيات مؤيدة أو قريبة من "فتح" قد يضمن لسكان دير البلح الحصول على دعم دولي للبلدية دون قيود، كما قد يمهّد لعودة تدريجية للحركة إلى إدارة قطاع غزة، ولو على المستوى البلدي، مع احتمال تطور ذلك مستقبلا في حال إجراء انتخابات تشريعية.

حماس لم تترشح

لم تُقدّم حركة حماس التي أطاحت بالسلطة الفلسطينية في غزة عام 2007، مرشحين رسميين في القطاع، كما قاطعت الانتخابات في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما جعل فوز مرشحي حركة "فتح" متوقعاً على نطاق واسع، وفق ما أفادت به وكالة "رويترز".

وأكدت الحركة أنها لم تُعلن صراحة عن قوائم مرشحيها أو تدعم أي مرشح، مُرجعة ذلك إلى خلافاتها مع الرئيس محمود عباس بشأن مرسوم السلطة الفلسطينية، الذي يُلزم المرشحين بالالتزام بشروط معينة، من بينها الاعتراف بإسرائيل، مشيرة إلى أن فصائل أخرى قاطعت الانتخابات للسبب ذاته.

وكان قانون الانتخابات قد تضمّن شرطاً سياسياً يُلزم المشاركين بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما حدّ من فرص المنافسة السياسية.

وسبق أن انتقدت حركة حماس قانون الانتخابات الجديد الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وعدته "تعدياً خطيراً على حق المواطنين في اختيار ممثليهم بحرية"، لكونه يفرض على مرشحي المجالس البلدية الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والشرعية الدولية، بما يعني – وفق وصفها – الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي كمدخل للترشح.

وكان مرسوم الرئيس عباس، الصادر في 27 يناير/كانون الثاني 2026، قد أقر تعديلاً على قانون الانتخابات رقم (23) لسنة 2025 الخاص بانتخاب مجالس الهيئات المحلية.

ونصّ التعديل على المادة (16) بحيث يُشترط "إقرار مرشحي القائمة بالتزامهم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".

كما شمل التعديل المادة (19)، لتتضمن النص ذاته، مع إلزام المرشح بالإقرار بالالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية.

ويرى منتقدون أن هذه التعديلات تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، وتُقيّد فرص المنافسة، بما يخدم فوز مرشحي السلطة في رام الله أو يفرض على أي مرشح تبني برنامجها حتى وإن كان معارضاً لها.

ورغم ذلك، صنّف سكان ومحللون بعض المرشحين ضمن إحدى القوائم في دير البلح بوصفهم قريبين من حركة حماس، ما جعل التصويت لهم يُنظر إليه كمؤشر محتمل على مستوى تأييد الحركة، وفق ما أوردته وكالة "الأنباء الفرنسية".

وهو ما عده أيضاً المحلل السياسي في الضفة الغربية، هاني المصري، مؤشراً يمكن من خلاله قياس شعبية حماس، وكذلك أداء المرشحين المحسوبين عليها.

وشكّلت عملية التصويت هذه أول انتخابات تُنظم في قطاع غزة منذ عام 2006، كما تُعد الأولى على مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة في القطاع عام 2023، فيما كانت آخر انتخابات محلية قد أُجريت عام 2005.

وتُدير حركة حماس قطاع غزة منذ عام 2007، وقد قامت بتعيين مجالس بلدية ومحلية مرتين؛ الأولى عام 2007، والثانية عام 2023، قبل أشهر من اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته.

واستعادت حماس سيطرتها على دير البلح ومناطق أخرى على امتداد ساحل غزة، التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، في حين لا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من 53 بالمئة من مساحة القطاع.

وأظهرت بعض استطلاعات الرأي أن حركة حماس لا تزال تحظى بشعبية في كل من غزة والضفة الغربية، رغم الدمار الواسع الذي خلفته الحرب. فقد أشار استطلاع أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والاستقصائية" في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أن 41 بالمئة من الفلسطينيين يؤيدون حماس، مقابل 29 بالمئة يؤيدون حركة "فتح".

ويأتي هذا التصويت في وقت يدفع فيه ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بخطة لمستقبل قطاع غزة، تقوم على إعادة إعمار القطاع من الصفر تحت إدارة لجنة غير سياسية من التكنوقراط الفلسطينيين، لم تسمح إسرائيل بدخولهم إلى غزة حتى الآن.