إعلان خارطة طريق جديدة, والدبيبة يرفض تغيير حكومته.. أي مستقبل ينتظر ليبيا؟

"البعثة الأممية لم تنجح في أي خطوة سابقة"
بين مرحّب ومنتقد، خلقت خارطة طريق للبعثة الأممية إلى ليبيا جدلا بإلقاء الضوء مجددا على إشكالية الانقسام السياسي والمؤسساتي في الدولة، وتأكيد صعوبة الوصول إلى تفاهمات نهائية بين أطراف الصراع.
وتجدد النقاش عقب تقديم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، إحاطة شاملة أمام مجلس الأمن الدولي، في 21 أغسطس/آب 2025، بشأن الوضع الليبي.
وضع متقلب
وعرضت المبعوثة خارطة طريق تستند إلى ثلاثة محاور رئيسة، أولا، تحديث الإطار القانوني والانتخابي عبر تعديل الأطر القانونية والدستورية خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، يرافقه إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وضمان استقلالها المالي.
والمحور الثاني للخارطة، الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة موحدة قادرة على تهيئة بيئة مناسبة للانتخابات، وثالثا، حوار وطني موسع يضم مختلف مكونات المجتمع، من نساء وشباب ومكونات ثقافية، لبحث التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية ووضع رؤية مشتركة لتحقيق الاستقرار.
وأوضحت تيتيه أن عملية تنفيذ خارطة الطريق ستكون تدريجية ومتسلسلة، مع تأكيد أن مدة التنفيذ الإجمالية قد تمتد بين 12 و18 شهرا، مع الإشارة إلى صعوبة تحديد جدول زمني دقيق لتشكيل الحكومة الموحدة بسبب طبيعة المفاوضات المعقدة.
كما حذّرت من إمكانية عرقلة العملية من قبل أطراف تسعى للاستفادة من الوضع الحالي لتعطيل الحقوق الديمقراطية، مؤكدة أن البعثة الأممية ستتخذ التدابير اللازمة لحماية هذه العملية وتطالب مجلس الأمن الدولي بدعمها في هذا الشأن.
وأشارت إلى استمرار الوضع الاقتصادي المتدهور، مشيدة بالإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية لتحسين الرقابة المالية ومكافحة السوق السوداء.
كما أكدت تيتيه ضرورة معالجة الفساد وضرورة اعتماد ميزانية موحدة وواقعية.
أما الوضع الأمني، فأكدت أنه ما زال متقلبا مع تصاعد التوتر في طرابلس ووجود نزاعات بين أجهزة أمنية، داعية جميع الأطراف إلى الحوار وتجنب التصعيد.
وتعاني ليبيا من وجود انقسام سياسي بين حكومتين متنافستين؛ حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أخرى عينها مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي.
فيما يتطلع الليبيون إلى أن تسهم هذه التحركات في إنهاء الفترات الانتقالية المستمرة منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، وإيجاد حل للصراعات السياسية والمسلحة التي أرهقت البلاد على مدى أكثر من عقد.
وفي مايو/أيار 2025 شهدت طرابلس اشتباكات عنيفة عقب اغتيال قائد جهاز دعم الاستقرار عبد الغني الككلي، أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى.
وفي تطور آخر، سقط صاروخ قرب مقر البعثة الأممية في مدينة جنزور أثناء إحاطة تيتيه، مما ألحق أضرارا بأحد المنازل وأبرز هشاشة الوضع الأمني وخطورة استهداف البعثة الدولية.
قراءة سياسية
وفي قراءته لما جاء في خارطة طريق البعثة، أكّد عضو مجلس الدولة الليبي، ناجي مختار، أنه لا يمكن البناء على نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته البعثة، والذي أظهر أن 42 بالمئة من المشاركين يفضلون انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن.
ولفت مختار لـ"الاستقلال" إلى أن الاستفتاء "لم تُعرف آلياته ولا تفاصيله"، موضحا أن "البعثة لم تنجح في أي خطوة سابقة، بما في ذلك العملية التي قادتها المبعوثة السابقة ستيفاني ويليامز".
وأشار إلى أن "المشهد الليبي بات أكثر تعقيدا بسبب الانقسام الحقيقي بين الشرق والغرب".
وبخصوص عوائق تفعيل المقترح الأممي، شدد مختار على أن "أي خطة لتوحيد البلاد يجب أن تمر أولا عبر معالجة الوضع السياسي في كل منطقة على حدة".
وتابع: "ذلك أن الانقسام في الغرب الليبي ملموس سياسيا وأمنيا، فضلا أن البعثة طرحت مواضيع لا تستطيع تنفيذها، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن جدوى مطالبة الليبيين بالاختيار بينها".
ومن العوائق أيضا، وفق المتحدث ذاته، أن "المجتمع الدولي غير جاد في حل الأزمة الليبية، الأمر الذي يفسر كون البعثة الأممية تتصرف بمعزل عن الواقع".
ونبّه مختار إلى أن "من دلائل هذا الأمر أن البعثة الأممية لم تقم بأي شيء إزاء عرقلة تنظيم الانتخابات البلدية (انطلقت في 16 أغسطس 2025) في بعض المناطق".
وذكر أن “الاستطلاع الأخير وما خلصت إليه البعثة، يعكس استمرار الأخيرة في إدارة المشهد عبر مشاريع غير مضمونة النتائج وغير فعّالة”.
مقابل هذا الرأي، يعتقد المحلل السياسي أحمد دوغا، أن "خريطة تيتيه تختلف عن المبادرات السابقة؛ لأنها أكثر واقعية وقابلة للتطبيق بعدما حددت أطرا زمنية واضحة".
وأكّد دوغا في تصريحات صحفية، أن نجاح الخريطة يتوقف على جدية البعثة الأممية ودعم المجتمع الدولي بعيدا عن الاستقطاب، وأن أي طرف يعرقل التنفيذ سيجد نفسه خارج المشهد.
وأوضح أن أبرز العقبات تكمن في صياغة قوانين انتخابية عادلة لا تُفصَّل على مقاس شخصيات بعينها، مؤكدا أن الاستطلاعات التي استندت إليها البعثة لم تشمل بالضرورة كل الليبيين الذين فقد كثير منهم الثقة في العملية الأممية بسبب تعثر المبادرات السابقة.
وبحسب دوغا، فإن دور الأجهزة الأمنية سيكون محوريا في إنجاح الخريطة، من خلال حفظ الأمن ومنع الاشتباكات، إلى جانب اعتماد ميزانية موحدة تقلل الفساد وتعزز الشفافية.
العائق الانتخابي
رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، ركز على ما ورد في الخارطة بخصوص الانتخابات، مشددا على أن معالجة هذه النقطة تعد أولوية للانطلاق ضمن الخارطة.
ورأى الدبيبة، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الليبية في 22 أغسطس، أن أي خارطة طريق تدفع نحو الانتخابات وتوحيد جميع المؤسسات دون استثناء تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
واستدرك: "غير أن الرهان الحقيقي يبقى على وعي الليبيين وإرادتهم الحرة، وهو ما نعمل على ترجمته عمليا عبر استعلام وطني شامل يضمن أن يكون صوت كل الليبيين حاضرا في هذا الاستحقاق، ويحدد الخطوات والأولويات التي تقود إلى انتخابات حقيقية تعبّر عن إرادتهم وتحقق تطلعاتهم".
وذكر أن "التوافق على إنهاء الأجسام الموازية، وفق مرجعية الاتفاق السياسي وملاحقه، فهو أمر مرحّب به، ويدعم مسار التوحيد، لكنه يجب ألا يكون ذريعة لتأخير الانتخابات أو تعطيل إرادة الشعب".
في الاتجاه نفسه، شدد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، على ضرورة وضع إطار زمني واضح يُلزم المجلسين بالتوافق على أساس قانوني يُعالج ما تبقى من نقاط خلافية.
وأكد المنفي عبر منصة "إكس"، أنه "آن الأوان لإعطاء الشعب كلمة الفصل في تقرير مصيره، بداية بالاستفتاء على المواد الخلافية بالقوانين الانتخابية، وعلى المسار البديل في حال استمرار عدم التوافق بين المجلسين".
وعلى المستوى الرسمي أيضا، شدد مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، الطاهر السني، أن بلاده "تمرّ بلحظة حرجة تتطلب خطوات عملية وجادة لإنهاء الانقسام وإعادة الشرعية عبر مسار انتخابي شامل".
وحذّر المندوب الليبي في كلمته خلال جلسة مجلس الأمن، من أن "فقدان الثقة في العملية السياسية بات وشيكا بسبب تراكم الإخفاقات السابقة".
وأشار إلى أن ما خرجت به البعثة لا يمثل بالضرورة إجماعا وطنيا، بل "عينات" يجب عدم الاكتفاء بها في صياغة المبادرات المستقبلية.
وأوضح السني أن الخطة الجديدة التي عرضتها البعثة “لم تتضح معالمها بعد، وتحتاج إلى مزيد من التشاور والدراسة مع جميع الأطراف الليبية”، مؤكدا أن أي عملية سياسية قادمة “يجب أن ترتكز على عدد من الأولويات”.
ونوّه السني إلى نجاح الانتخابات البلدية في أكثر من 84 بلدية في الغرب، “ما يُظهر قدرة الليبيين على إجراء انتخابات نزيهة إذا توفرت الإرادة السياسية”.
وأعرب عن أسفه لتوقيف الانتخابات في مناطق الشرق والجنوب من قِبل السلطات هناك دون توضيح الأسباب، مطالبا مجلس الأمن باتخاذ موقف واضح تجاه هذه العرقلة.
وأكد السني أن "أزمة ليبيا ليست قانونية بل سياسية بامتياز، تفاقمت بفعل التدخلات الخارجية".
ودعا إلى تسوية سياسية شاملة “تنهي الانقسام وتعيد السيادة لليبيين، عبر انتخابات حرة مبنية على دستور دائم”.
الشرق الليبي
بالانتقال إلى الشرق الليبي أصدر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بيانا رحب خلاله بدعوة المبعوثة الأممية إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة تتولى الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
ورأى عقيلة صالح دعوة المبعوثة الأممية، خطوة أساسية نحو توحيد السلطة التنفيذية وتعزيز وحدة الصف الليبي.
كما أكد على دعمه الكامل لهذه الدعوة بما يضمن توحيد مؤسسات الدولة وصون السيادة الوطنية وتحقيق تطلعات الشعب في الأمن والتنمية والازدهار.
بدورها، رحّبت الحكومة الليبية في الشرق برئاسة أسامة حمّاد بخارطة الطريق الأممية، وترى أن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة وموحدة يمثل ركيزة أساسية للمرحلة المقبلة.
وأوضحت الحكومة في بيان، أن أحد العناصر الجوهرية في خارطة الطريق يتمثل في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة على كامل التراب الليبي، بما يضمن توحيد المؤسسات العامة للدولة وقيادة المرحلة القادمة نحو إنجاز الانتخابات العامة والبلدية.
البيان شدد على التزام الحكومة الثابت بمطالب أبناء الشعب، مؤكدا الوقوف مع صوت وإرادة الليبيين في بناء دولة مستقرة تقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة.
كما أكدت الحكومة استعدادها للتعاون مع مختلف الأطراف الوطنية والدولية، بما يخدم مصلحة ليبيا العليا ويحفظ سيادتها واستقرارها، مشيرة إلى أن نجاح هذه المرحلة يتطلب تضافر الجهود المشتركة داخليا وخارجيا.
تخوفات مشروعة
ويرى الكاتب الصحفي، الحبيب الأسود، أن هناك عراقيل عدة قد تحول دون التوصل إلى تنفيذ مراحل الخارطة، ومنها الاختلاف في وجهات النظر، ورغبة السلطات والمؤسسات الحالية في الحفاظ على امتيازاتها مع اتساع رقعة ثقافة الغنيمة التي سيطرت على المشهد بعد العام 2011.
وأعرب الأسود في تحليل نشره موقع "العرب" اللندني في 23 أغسطس، عن خشية أوساط ليبية من أن يتم الدفع بالعاصمة طرابلس وبعض مدن الساحل الغربي إلى "مربع الفوضى من جديد لعرقلة جهود تنفيذ خارطة الطريق".
وشدّد على أن “الاتجاه إلى الفوضى له دلالة واحدة، وهي أن هناك إصرارا واضحا من أطراف داخلية وخارجية على إبقاء الوضع على ما هو عليه”.
واستطرد: "كما تعني أن القوى التي كانت وراء الإطاحة بمشروع انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2021 هي ذاتها التي تستبطن اليوم فكرة قطع الطريق أمام أيّ حل سياسي يهدد مصالحها وامتيازاتها".
في المقابل، يرى الأكاديمي الليبي فرج دردور، أن العقبة الحقيقية أمام أي خطة ليست في الغرب؛ حيث يقف الدبيبة، فالأخير يمكن إقناعه أو حتى إجباره على التنحي، لكن المشكلة تكمن في الشرق حيث يسيطر خليفة حفتر على الأرض.
وأكد دردور في تصريحات للصحافة المحلية، أن “أي حكومة مستقبلية ستجد نفسها مضطرة للعمل تحت سلطة حفتر أو بموالاته، وإلا فلن يُسمح لها بالوجود في الشرق، الأمر الذي يجعل الحديث عن أن حفتر سيسمح بإجراء انتخابات حرة أمرا غير منطقي”.
وأشار إلى أن ليبيا تعاني منذ سنوات من ازدواجية الشرعية بين مؤسسات الشرق والغرب، وكل المحاولات الأممية لإيجاد أرضية مشتركة "باءت بالفشل".
ورأى أن الخطة الحالية، رغم طموحها، لن تنجح ما لم يتم فرض واقع جديد على الأرض يحد من نفوذ الأطراف المسلحة ويفرض شروطا واضحة على القوى السياسية.
وشدد دردور على أن "المناخ الحالي غير ملائم، وكل ما نسمعه من تصريحات ترحيب بالخطة ما هو إلا محاولة لكسب الوقت، بينما على الأرض لا توجد خطوات عملية".