فضائح موثقة.. ما طبيعة العلاقة بين مراكز الأبحاث وشركات السلاح الأميركية؟

"ما لم يصف الصحفيون هذا الأمر على حقيقته فسيظل مقاولو الأسلحة يحققون أفضل عائد استثماري"
في سلسلة وثائقية جديدة لقناة الجزيرة الإنجليزية بعنوان "تجارة الحرب" (Business of War)، وجد مارك ماسّا من "المجلس الأطلسي" نفسه عاجزا عن الكلام، عندما سألته الصحفية، هند حسن، عن تمويل شركات تصنيع السلاح لمركزه البحثي.
ويعمل ماسّا نائب مدير برنامج (Forward Defense) في مركز سكوكروفت للدراسات الإستراتيجية والأمنية، التابع للمجلس الأطلسي.

صمت محرِج
وحصل المجلس في السنوات الخمس الماضية على ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار من متعاقدي البنتاغون، ما دفع ميسا إلى التوقف بصمت محرِج لعشر ثوانٍ كاملة قبل أن يجيب بتلعثم دون أن يقدم ردا واضحا.
ففي المقابلة، وجهت "حسن" سؤالها كالتالي: "هناك مراكز أبحاث ومنظمات أخرى أجرت تحليلا للتوصيات التي يصدرها "المجلس الأطلسي"، ووجدت أنها تصب في مصلحة شركات السلاح نفسها التي توفر له قدرا كبيرا من التمويل. كيف تردون على ذلك؟"
ليرد ماسّا قائلا: "كل ما يمكنني قوله هو أن "المجلس الأطلسي" يمتلك سياسة راسخة تضمن الاستقلال الفكري لباحثينا وللأعمال التي ننتجها".
فألحّت "حسن" في السؤال: "كيف يمكنكم النأي بأنفسكم عن مصالح شركات السلاح بينما تأتيكم أموال منها؟ أحاول فقط أن أفهم المنطق وراء ذلك".
ثم حلّ صمت دام عشر ثوانٍ، ثانية عن كل مليون دولار تلقّاها "المجلس الأطلسي" من شركات السلاح خلال السنوات الخمس الماضية.
ثم قال ماسّا متلعثما: "أعتقد أنكِ محقة في أن هذه مسألة علّق عليها كثيرون، العلاقة… العلاقة بين، كما تعلمين، المصالح، نرى هذا، نرى هذا، كما تعلمين، نراه كثيرا".
وأضاف: "لكن يمكنني القول، كما تعلمون، إذا كنتم مهتمين بمعرفة المزيد عن سياسة الاستقلال الفكري للمجلس الأطلسي، يُمكنني توصيلكم بأشخاص في "شركتنا" للتحدث معكم حول هذا الموضوع".
بدورها، سلطت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الضوء على هذا الموقف، مشيرة إلى أن "ماسّا واجه صعوبة في الرد؛ لأن الأمر يمثل بوضوح تضاربا للمصالح".
وفي تقرير لها، ذكرت المجلة الأميركية أن "خلال السنوات الخمس الماضية، تلقّت أكبر 50 مؤسسة بحثية أميركية في مجال السياسة الخارجية ما لا يقل عن 35 مليون دولار من كبار متعاقدي البنتاغون".
وقد حصل "المجلس الأطلسي" على أكثر من 1.2 مليون دولار من شركة (SAAB)، و850 ألف دولار من (General Atomics)، و750 ألف دولار من (RTX)، المعروفة سابقا باسم (Raytheon).
ومن المرجح -بحسب التقرير- أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير؛ إذ لا يوجد أي شرط قانوني يُلزم مؤسسات البحث بالإفصاح عن مصادر تمويلها.
وقال: "مهما كان مستوى سياسة الاستقلال الفكري في مؤسسة بحثية، فإن خبراء هذه المؤسسات يأخذون في الحسبان توجهات مموليهم".
وبحسب التقرير، فغالبا ما تشمل هذه الجهات المانحة أسماء شركات مألوفة مثل (Lockheed Martin) و(Northrop Grumman Corporation)، وهي شركاتٌ أقل اهتماما بالبحث الأكاديمي البحت من اهتمامها بالتلاعب بالأسعار في البنتاغون، وبيع القنابل التي تُلقى على قطاع غزة مثلا.

لكل مموِّل غرض
وكما قال المدير التنفيذي لإحدى المؤسسات الفكرية البارزة في واشنطن أخيرا، إن "لكل مموِّل غرضا".
وربما ما يبرز بشكل أكبر في المقابلة هو أن ماسّا وصف "المجلس الأطلسي" خطأ بأنه "شركة" رغم أنه مسجل كمنظمة غير ربحية بموجب المادة 501(c)(3).
وقال التقرير إن "الشركات تخضع للمساهمين، وهؤلاء يسعون لتحقيق عائد مالي على استثماراتهم، ولدى مراكز الأبحاث أيضا مستثمرون، لكن العائد الذي تبحث عنه شركات الأسلحة مثل (Lockheed Martin) و(Northrop Grumman Corporation) ليس ماليا بالضرورة، على الأقل ليس فوريا".
"بل يأملون أن تُصدر مراكز الأبحاث تقارير تتماشى مع مصالحهم، والتي يُستشهد بها بعد ذلك من قبل أعضاء الكونغرس ومسؤولي البنتاغون لتبرير شراء المزيد من مقاتلات "إف-16" وصواريخ باليستية عابرة للقارات، وهذا هو عائد استثماراتهم". وفق التقرير.
وليس عليك البحث طويلا للعثور على دليل على ذلك. ففي المقابلة نفسها، دافع ماسّا عن حق الولايات المتحدة في استخدام الأسلحة النووية للرد على الهجمات الإلكترونية والأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
وقال: "في نهاية المطاف، إذا كان الخصم يُلحق ضررا إستراتيجيا بالولايات المتحدة، فلا فرق بين أن يكون ذلك باستخدام واسع النطاق للأسلحة النووية، أو عبر هجمات إستراتيجية أخرى لها تبعات كبيرة، فلا يوجد شيء سحري في الأسلحة النووية بذاتها".
وقدمت شركة (Northrop Grumman Corporation)، المتعهد الرئيس في برنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (Sentinel)، ما لا يقل عن 350 ألف دولار للمجلس الأطلسي منذ عام 2019.
وبدوره، دعا ماسّا، كغيره من الباحثين في المجلس الأطلسي، إلى زيادة الاستثمار في الأسلحة النووية، مثل برنامج (Sentinel).
وشارك في نشر تقرير في المجلس الأطلسي بعنوان "لا تتهاونوا في الردع النووي الأميركي"، حاجج فيه بأنه "لا مجال لخفض عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في الوقت الراهن"، وأن الاستثمار في برنامج (Sentinel)، "ضروري ولكنه غير كافٍ للحفاظ على الردع الإستراتيجي".
هذا مع العلم أن برنامج (Sentinel) أثار جدلا واسعا بسبب تكلفته الباهظة؛ حيث تشير التقديرات الأخيرة إلى أنه قد يصل إلى 160 مليار دولار، أي أكثر من ضعف تكلفته الأولية البالغة 77 مليار دولار، وهو أمر لم يأتِ "ماسّا" على ذكره في التقرير.
ورغم هذا النقد أشار التقرير إلى أنه "على الأقل، يُظهر المجلس الأطلسي شفافية ملحوظة بشأن مصادر تمويله، في ظل أن أكثر من ثلث مراكز الفكر الكبرى في مجال السياسة الخارجية لا تكشف عن أي معلومات حول المانحين".
بل إن بعض المراكز تسير في الاتجاه المعاكس -وفق التقرير- فعلى سبيل المثال، أزال "مركز التقدم الأميركي" أخيرا قائمة مانحيه، مشيرا إلى مخاوف من استهداف إدارة الرئيس، دونالد ترامب، للقادة والمؤسسات التي تعارض سياساته.
وأشاد التقرير بـ "حسن"، التي طرحت سؤالا يخشى معظم الناس في واشنطن طرحه.
وختم بالتأكيد على أنه "ما لم يصف الصحفيون وصانعو السياسات هذا الأمر على حقيقته، ويسمونه صراحة "تضارب مصالح"، فسيظل مقاولو الأسلحة يحققون أفضل عائد استثماري في السوق".