اعتقالات وتنكيل باللاجئين.. كيف تعامل العراق مع أحداث الساحل السوري؟

السلطات الأمنية والمليشيات اعتقلت ونكلت باللاجئين السوريين في العراق
ألقت أحداث الساحل السوري الأخيرة بظلالها على العراق، بعد تصعيد حلفاء إيران خطابهم الطائفي تجاه ما يجرى بسوريا في ظل الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ونفذت الأجهزة الأمنية العراقية في البلد الذي يحظى بنفوذ إيراني كبير، حملات اعتقال وتنكيل استهدفت كل من أيد الحكومة السورية الجديدة سواء من السوريين أو العراقيين.
وجاء ذلك بعد مقتل نحو 200 عنصر أمني في 6 مارس/آذار 2025، في كمين مسلح نفذه فلول نظام الأسد، ما أدى إلى اندلاع معارك طاحنة، رافقتها انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة العلوية، أقر الشرع بوقوعها ووجه بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المتورطين.
تحشيد طائفي
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ موالون للإطار التنسيقي الشيعي القريب من إيران، في شن حملة طائفية ضد كل من يتضامن مع قوات الأمن السورية والإدارة الجديدة، ووضعوا أرقام هواتف للأجهزة الأمنية للتبليغ عليهم بدعوى دعم الإرهاب.
وبدأ هؤلاء في نشر حسابات عراقيين وسوريين يشيدون بالرئيس الشرع وتصدّيه لمحاولة فلول نظام بشار الأسد زعزعة الأمن في الساحل السوري، على أنهم يدعمون الإرهاب ويصطفون مع من يقتل المدنيين من العلويين.
ودعا الناشط المنتمي للمليشيات الموالية لإيران، أحمد الذواق عبر "إكس" في 9 مارس إلى إخراج السوريين من العراق، كون "غالبيتهم انكشفوا على حقيقتهم بأنهم أنصار الجولاني (أحمد الشرع)، لذلك أصبح وجودهم معنا غير مرغوب به ولذلك: تفضلوا غادروا من دون مطرود".
وعلى الوتيرة ذاتها، كتب الإعلامي القريب من الإطار الشيعي، عصام حسين على منصة "إكس" في 11 مارس، أن “#ترحيل_السوريين_مطلب_أمني”، بحجة أنهم "يؤيدون قتل العلويين الأبرياء في اللاذقية".
وأضاف حسين أنه "في العراق أيضا ظهرت بعض الآراء للعاملين السوريين وهي تؤيد الإبادة الجماعية، واعتقلت قوات الأمن مجموعة من هؤلاء المروّجين للإرهاب والقتل، وطالب العراقيين أيضا بترحيلهم إذا لم يحترموا أمن البلد وقوانينه".
وزعم أن "الخوف يتزايد في بلدان العالم من مؤيدي الجولاني بعد صور المجازر المحزنة التي انتشرت على مواقع التواصل وأدت إلى تعاطف العالم مع العلويين والمطالبة بحمايتهم ممن يطلقون على أنفسهم أهل السنة والجماعة".
وادعى أن "شعوب مصر والعراق وأوروبا والعالم تعيش حالة من القلق بسبب أحداث سوريا ووجود اللاجئين المؤيدين للجولاني وقبولهم بإبادة العلويين؛ إذ تعتقد هذه الشعوب أن في بلدانهم قنابل موقوتة لعلها تنفجر بأي لحظة لتسبب اضطرابا أمنيا أو تخلّف ضحايا من الأبرياء".
ولم تقف القصة عند هذا الحد، بل أعلن في العراق عن تشكيل مجموعة تطلق على نفسها "يا علي الشعبية"، أخذت على عاتقها مطاردة السوريين في العراق والاعتداء عليهم وترهيبهم، متهمة الحكومة العراقية بأنها “تجاملهم رغم أنهم يساندون قتل العلويين”. وفق قولها.
ونشرت هذا الجماعة مقطع فيديو في 11 مارس، يظهر اقتحامها لأحد المخابز في مدينة النجف والتي يعمل فيها عمّال سوريون، وبعد تفتيش أجهزة الهواتف، انهالوا بالضرب عليهم وعبثوا بمحتويات المكان.
تخبط رسمي
وفي بداية "أزمة الساحل" أصدرت الخارجية العراقية بيانا، وصفت ما يجري بأنه نزاع بين أطراف مختلفة، ودعت إلى أهمية ضبط النفس من الجميع، وتغليب لغة الحوار واعتماد الحلول السلمية بدلا من التصعيد العسكري، الأمر الذي واجه انتقادا داخليا.
وقال ظافر العامي، السياسي العراقي والعضو السابق في لجنة العلاقات الخارجية البرلمانية، إن "بيان وزارة الخارجية العراقية عن الأحداث في سوريا جاء للأسف مخيبا للآمال".
وأوضح على إكس أن "البيان ساوى بين الجهات السورية الحكومية وغير الحكومية وبين السلاح الرسمي وغير الرسمي؛ إذ أسماهم البيان بأطراف الصراع من دون تمييز بين ما هو شرعي وغير شرعي".
ورأى السياسي العراقي أنه "كان يفترض ببيان حكومي ألا يقع في هذا الالتباس؛ لأنه مؤشر على عدم الودية تجاه دولة عربية جارة وشقيقة في ظرف أحوج ما تكون فيه لدعم استقرارها وسيادة مؤسساتها".
وشنَّت القوات الأمنية العراقية حملات دهم واعتقال نالت العديد من اللاجئين السوريين في العراق، بعد موجة التبليغات التي صدرت من الموالين لإيران.
لكن بعد تشكيل جماعة "يا علي الشعبية"، أعربت الخارجية السورية عن غضبها وطالبت الحكومة العراقية في 12 مارس بحفظ أمن السوريين.
ولاحقا، صدر بيان من مكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، وصف ما حصل بأنها "أعمال مشينة" بحق "عدد من الأشقاء السوريين العاملين في العراق".
وذكر صباح النعمان المتحدث العسكري باسم السوداني، خلال بيان في 12 مارس، أن الأخير وجّه على الفور، بتشكيل فريق أمني مختص لملاحقة من يرتكب هذه الأفعال غير القانونية التي لا تمتّ لأخلاق العراقيين بصلة.
وأضاف أن "هذه الأفعال هي اعتداءات مُدانة بحكم القانون، وتخالف جميع القيم الإنسانية والأخلاقية، وتمثل انتهاكا لكرامة الإنسان وحقوقه".
وأكد على “عمق العلاقة بين الشعبين الشقيقين العراقي والسوري”، مبينا أن القانون سيُطبَّق كاملا على كل من يثبت تورطه في ارتكاب هذه الاعتداءات.
وبعدها بساعات، أصدرت وزارة الداخلية العراقية بيانا، قالت فيه: إن أجهزتها الأمنية والاستخبارية سجلت عددا من الحالات غير القانونية ذات بُعْد طائفي تؤيد وتحرّض على العنف من البعض وليس كل المقيمين.
وأضافت أن "هذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلا ويجب على الموجودين على أرض العراق احترام القانون والقيم والعادات والتقاليد التي تربى عليها أبناء شعبنا العزيز".
وحذرت الداخلية العراقية “كل من يتجاوز حدود القوانين العراقية ويقوم بأفعال تضعه تحت طائلة المساءلة والقانون أو ينشر معلومات مسيئة لقيم مجتمعنا العراقي” بأن مصيره الترحيل.

قمع ممنهج
وبخصوص الموقف الرسمي العراقي ممّا يجرى من أحداث في سوريا، قال الباحث في الشأن السياسي، حامد العبيدي، إن “السلطات العراقية تتعاطى مع الأحداث في داخل وخارج العراق من منطلقات طائفية بحتة”.
وأوضح الباحث لـ"الاستقلال" أن “السلطات العراقية وأحزاب إيران تمثل حالة شاذة ولا شبيه لها بالمنطقة إلا في إيران ولبنان واليمن”.
أما باقي الدول فإنها "لم تتدخل في الشأن السوري، ووقفت إلى جانب السلطات، ولم تثر النعرات الطائفية أو تستغل كل ما يجرى وتجيره سياسيا وطائفيا".
وبيّن العبيدي أن “الدوائر الحكومية في العراق بدأت في محاسبة أي موظف لديها ينشر تدوينة أو يعلق تعليقا لا يتوافق مع ما يطرحه حلفاء إيران”.
ولفت إلى أن الرواية التي يريدون ترويجها هي أن "ما يجرى في الساحل السوري هو إبادة للعلويين، وليس صدامات مع فلول نظام بشار الأسد، مع بعض الانتهاكات".

وأشار الباحث إلى أن "عددا من الوزارات، خصوصا وزارة العليم العالي بقيادة الوزير نعيم العبودي الذي يرأس الهيئة السياسية لمليشيا عصائب أهل الحق، بدأت بمحاسبة كل موظف كتب تعليقا أو تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي عن سوريا يخالف طرح الموالين لإيران".
ورأى أن "السلطات العراقية لم تتخلص من التأثير الإيراني على أفعالها وأقوالها، سواء ما صدر من بيان لوزارة الخارجية أو الاعتقالات التي شنتها بحق لاجئين سوريين يشيدون برئيس بلدهم أحمد الشرع، والتي يفترض أنه أمر طبيعي".
وفي السياق ذاته، قال السياسي العراقي، مشعان الجبوري، خلال مقابلة تلفزيونية في 12 مارس، إن "العراقيين عندما لجأوا إلى سوريا أو غيرها من البلدان بسبب الاقتتال الطائفي (2006 إلى 2008) كانوا ينتقدون السلطات العراقية، لكن لم يعتقلهم أحد".
وشدد الجبوري على أن حرية التعبير يفترض أن تكون مكفولة للسوريين والعراقيين في العراق، ولا يحق لأحد قمعها. مؤكدا أن السلطات السورية الحالية برئاسة أحمد الشرع، واقع جديد لا بدَّ من التعاطي معه.
وحذر مغردون عراقيون في الوقت ذاته من خطورة التعامل السيئ مع اللاجئين السوريين؛ لأن الجانب السوري قد يتعامل معهم بالطريقة نفسها في حال ذهب العراقيون لزيارة المراقد الشيعية هناك، وبالتالي تتعمق الأزمة بين البلدين.