واشنطن تطرد سفير بريتوريا وتتهمه بالكراهية.. وناشطون يؤكدون: ثمن مناصرة غزة

"هكذا حريتهم مجرد صنم إذا جاعوا أكلوه"
في تصعيد دبلوماسي بارز جاء في سياق توتر متصاعد بين واشنطن وبريتوريا، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن الولايات المتحدة طردت سفير جنوب إفريقيا لدى واشنطن إبراهيم رسول، متهما إياه بأنه "يكره البلاد ورئيسها" دونالد ترامب.
وقال روبيو في منشور على منصة "إكس" في 14 مارس/آذار 2025، إن سفير جنوب إفريقيا إبراهيم رسول شخص "لم يعد موضع ترحيب" في الولايات المتحدة، مضيفا أنه "سياسي مثير للفتنة العرقية"، مضيفا أنه ليس لديه ما يناقشه معه (رسول)، ولذلك فهو "غير مرغوب فيه".
ويُعدّ إعلان أي دبلوماسي أنه "شخص غير مرغوب فيه" توبيخا دبلوماسيا شديدا، وعادة ما يجبره على مغادرة البلد المضيف.
وأرفق روبيو منشوره برابط لمقال من موقع "بريتبارت" الإخباري اليميني، يتناول تصريحات رسول في كلمة أمام معهد مابونجوبوي للأبحاث في جوهانسبرغ، حول انتخاب ترامب ورئاسته، قال فيها: إن الرئيس الأميركي يقود حركة تفوق العرق الأبيض في أميركا وحول العالم.
وأضاف أن العنصرية البيضاء تُحفّز "عدم احترام" ترامب "للنظام العالمي المُهيمن الحالي"، بما في ذلك مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين.
كما قال رسول، إن حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" كانت ردّ فعل عنصري أبيض على التنوع الديموغرافي المُتزايد في الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن المزارعين الجنوب إفريقيين الذين عبّروا عن مظالمهم الأفريكانية داخل الولايات المتحدة كانوا جزءا من هذا الجهد العالمي.
بدوره، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية في جنوب إفريقيا إن بلاده أحيطت علما بمنشور الوزير الأميركي وستتواصل مع واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية.
وعدت رئاسة جنوب إفريقيا طرد الولايات المتحدة سفيرها في واشنطن إجراء "مؤسفا"، قائلة إنها "أخذت علما بالطرد المؤسف للسفير إبراهيم رسول".
ودعت "كل الأطراف المعنيين والمتأثرين إلى الحفاظ على اللياقة الدبلوماسية الراسخة في تعاملهم مع المسألة"، مؤكدة أن "جنوب إفريقيا تبقى ملتزمة ببناء علاقة مع الولايات المتحدة تعود بالفائدة المشتركة".
وكان الرئيس الأميركي قد وقع في فبراير/شباط 2025 أمرا تنفيذيا بوقف المساعدات المالية لدولة جنوب إفريقيا، وهاجم سياسة بريتوريا الخارجية، خاصة فيما يتعلق بملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وجاء الأمر التنفيذي كإجراء انتقامي بسبب ما يعتقد أنه تمييز عنصري ضد السكان البيض في الجمهورية ومصادرة الأراضي من المزارعين. كما أعلن ترامب عن خطط لتعزيز إعادة توطين اللاجئين الإفريقيين الذين يفرون من جنوب إفريقيا بسبب "التمييز القائم".
وفي أعقاب ذلك، أعلن وزير الخارجية الأميركي أنه لن يشارك في اجتماعات مجموعة الـ20 في جنوب إفريقيا، متهما حكومة الدولة المضيفة باتباع جدول أعمال "معاد للولايات المتحدة".
وقال روبيو: إن جنوب إفريقيا "تفعل أشياء سيئة جدا"، متهما بريتوريا بالاستيلاء على الممتلكات الخاصة، كذلك استخدامها قمة الـ20 للترويج للتضامن والمساواة والاستدامة، على حد وصفه.
ورسول من المناضلين ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وعين سفيرا لبلاده في واشنطن للمرة الأولى في الفترة من 2010 إلى 2015، وأعيد تعيينه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقدم أوراق اعتماده في 13 يناير/كانون الثاني 2025 إلى الرئيس الأميركي حينذاك جو بايدن.
واستنكر ناشطون عبر تغريداتهم وتدونياتهم على حساباتهم الشخصية على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #جنوب_أفريقيا، #ترامب، #إسرائيل، على أميركا التي تدعي الدفاع عن الحقوق والحريات وتتغنى بحرية الرأي والتعبير، أن تطرد سفير جنوب إفريقيا لتعبيره عن رأيه.
وسخروا من المبرر الذي ساقه وزير الخارجية الأميركي لإعلان قرار بلاده بقوله إن رسول سياسي مثير للفتنة العنصرية ويكن عداء للولايات المتحدة وللرئيس ترامب، مطالبين جنوب إفريقيا باتخاذ موقف مماثل لموقف الإدارة الأميركية وتفعيل مبدأ "المعاملة بالمثل" وطرد السفير الأميركي من بلادهم.
ووجه ناشطون التحية لجنوب إفريقيا واستحضروا مواقفها المناصرة لغزة والمناهضة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأميركي وانتقدوا خذلان الأنظمة العربية الحاكمة لها ولغزة، مؤكدين أن الإدارة الأميركية الجديدة ستؤدي بأميركا إلى فوضى عارمة.
استنكار وتنديد
واستنكارا لموقف الإدارة الأميركية من جنوب إفريقيا وإعلان وزير الخارجية طرد سفيرها من واشنطن، قال أستاذ العلوم السياسية عبدالله الشايجي، إن ترامب يضيف لقائمة الدول الحليفة التي يستعديها جنوب إفريقيا (عضو بريكس ومجموعة 20).
وذكر أن وزير الخارجية الأميركي الذي كان خصما لترامب في انتخابات الرئاسة 2016، أصبح "مطيعا".
وانتقد الكاتب إسماعيل المدني، القرار الأميركي قائلا: "من اليوم لا قرار سياديا لدول العالم لا يتفق مع قرارات الإمبراطور ترامب، حيث استدعى وزير خارجية أميركا سفير دولة جنوب إفريقيا وقال له: "لم يعد مرحبا بك في بلدنا العظيم".
وأوضح أن "ذلك يعني طرد سفير جنوب إفريقيا من أميركا بسبب مواقف دولته الصامدة مع فلسطين".
ورأى خبير إدارة الأزمات مراد علي، أن القرار الأميركي "ليس مجرد قرار دبلوماسي متهور، بل دليل قاطع على أن الإدارة الأميركية الحالية فقدت توازنها تماما، وباتت تُقاد من قبل مجموعة من المهووسين، الذين لا يصلحون لإدارة شركة"، متسائلا: “كيف يُتركون لقيادة الدولة الأغنى والأقوى في التاريخ؟”
وأشار إلى أن ترامب خلال فترته الأولى، أحاط نفسه برجال دولة يتمتعون بالخبرة السياسية والقدرة على إدارة الأزمات، وهو ما ساعده -رغم شخصيته المثيرة للجدل- على تحقيق بعض النجاحات.
ولفت علي، إلى أن فريق ترامب في فترته الحالية، لم يعد سوى مجموعة من المغامرين الطائشين، الذين يتخذون قرارات أقرب إلى الجنون، مهددين ليس فقط مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية، بل بقاءها كقوة عالمية مهيمنة.
وأكد أن الإدارة التي تتعامل مع الدبلوماسية الدولية بأسلوب تصفية الحسابات الشخصية، لا يمكن أن تُنتج سياسة رشيدة، بل تسير بالبلاد نحو الانحدار والانهيار التدريجي، ما لم تدرك النخبة الأميركية أن تسليم زمام الحكم إلى مجموعة من الهواة والمغامرين هو أقصر طريق لتدمير ما بُني خلال قرون.
وصنف بهاء القوسي، القرار الأميركي بأنه "تصعيد جديد وغير مسبوق"، مذكرا بأن رسول مسلم ينحدر من أصول هندية لكنه مولود في جنوب إفريقيا عام 1962.
وعد ربيع ناصر، طرد واشنطن لسفير جنوب إفريقيا "إمعانا في سفالة وعنصرية النظام الأميركي"، لافتا إلى أن القرار جاء بعد أن صرح السفير بأن "ترامب يقود حركة تفوق البيض العالمية".
غياب الحريات
وانتقادا لتغني أميركا بالحقوق والحريات بينما تقمع من يستعملها، قال المغرد ثامر: “الولايات المتحدة تصف نفسها رمز الدمقراطية وصاحبة حرية الرأي تطرد سفير جنوب إفريقيا لديها وتزعم بسبب أنه يكره ترامب!!” متسائلا: “ ماذا يحصل من الإدارة الأميركية الجديدة؟”
وكتب أحد المغردين: "اليوم طرد روبيو سفير جنوب إفريقيا في أميركا بصفته شخصا غير مرغوب فيه، وذلك لمجرد أنه عبّر عن رأيه.. حرية التعبير في أميركا في عهد ترامب مُهددة.. لا عجب أن ترامب يُحب الديكتاتوريين.. إذا لم يُوقف ترامب قريبا، فسيكون (تحية ترامب) النشيد الوطني الأميركي".
وتساءل جهاد غاضب: "ما الذي فعلته جنوب إفريقيا حتى تخرج أميركا لتصرح هكذا، أليس أميركا بلد الحريات وبلاد الحقوق وبلاد الإنسانية! هكذا حريتهم مجرد صنم إذا جاعوا أكلوه".
سخرية واستهزاء
وسخرية من الأسباب التي ساقها وزير الخارجية الأميركي لطرد سفير جنوب إفريقيا، تساءل الخبير في الدراسات الأمنية والإستراتيجية الإفريقية إدريس آيات: “هل الكراهية باتت سببا لقطع علاقات دبلوماسية؟”
واستهزأ من القرار الأميركي قائلا: "مع ترامب لن تشعر أبدا بالملل! من الممتع مشاهدته وهو يدمّر الإمبراطورية الأميركية".
ووصف عضو مجلس النواب اليمني علي الزنم، إعلان واشنطن طرد سفير جنوب إفريقيا لأنه يكره ترامب بأنه "أغرب خبر".
وسخر قائلا: "المسألة متعلقة بالحب والكره.. أحنا الذي فهمنا خطأ ونعتقد بأن علاقات الدول بناء على خلافات سياسية اقتصادية، لكن النظرية الترامبية مبنية على المشاعر".
وأكد الزنم، أن "موقف أميركا بسبب جنوب إفريقيا ضد إسرائيل وهي من رفعت دعوى في الجنائية".
واستهزأت شيرين هلال بأميركا قائلة: "محدش يعصب واشنطن يا جماعة ويجيب سيرة إسرازفت بالطيب ولا الرضي، لأنها طردت سفير جنوب إفريقيا ووصفته بأنه يكره ترامب.. وعلى فكرة هذه ليست نكتة".
غزة السبب
وتأكيدا على أن السبب الحقيقي الذي دفع الإدارة الأميركية لطرد سفير جنوب إفريقيا من بلادها هو موقفها المناهض للاحتلال الإسرائيلي، والداعم للقضية الفلسطينية وغزة، قالت كريمة مرجاني، إن السبب الرئيس هو أن جنوب إفريقيا من الدول التي رفعت قضية ضد الكيان.
وذكرت بأن جنوب إفريقيا وصفت القتل الممنهج الذي يقوم به الكيان ضد الفلسطينيين بـ"الإبادة"، متسائلة: "هل الكراهية باتت سببا لقطع علاقات دبلوماسية!!!".
وأكد خالد العشماوي، أن إعلان وزير الخارجية الأميركي طرد السفير "استمرار في معاقبة جنوب إفريقيا".
وأشار إلى أن ترامب وقّع في فبراير أمرا تنفيذيا بوقف المساعدات المالية لجنوب إفريقيا، وهاجم سياستها الخارجية، خاصة فيما يتعلق بملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وقال جلال سالم: "لدفاعهم عن غزة ورفع قضية الإبادة الجماعية وانتقادهم لسياسات ترامب الولايات المجرمة تطرد سفير جنوب إفريقيا".
وقالت ميمي داي، إن "الولايات المتحدة في حالة جنون.. تطرد سفير جنوب إفريقيا بسبب الوقوف مع فلسطين"، موجهة التحية لجنوب إفريقيا حكومة وشعبا وسفيرا".
ورأى الرسام محمد الدلو، أن سفير جنوب إفريقيا "دفع ثمن مقاضاة الاحتلال في لاهاي".
وقال الاقتصادي حسين القمزي، إن إدارة ترامب غاضبة من الموقف المؤيد للقضية الفلسطينية من قبل جنوب إفريقيا، مذكرا بأنها رفعت قضية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية التي حكمت بعدّ نتنياهو ووزير دفاعه مجرمي حرب.
وأكد الصحفي محفوظ سالك، أن خطوة الطرد التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركي روبيو، تأتي في ظل توتر متصاعد بين واشنطن وبريتوريا منذ عودة ترامب للبيت الأبيض.
غياب المساندة
واستهجانا لضعف المواقف العربية والإسلامية المتضامنة مع جنوب إفريقيا وإعلانا للتأييد والتضامن، تساءلت ريم أبو جامع: “هل ستقف الدول المناصرة لموقف جنوب إفريقيا وتقوم حتى لو تسجيل موقف اعتراض أو طرد سفير الولايات تنديدا بما فعلت إدارة المجنون ترامب؟”
وأجابت قائلة: "طبعا محدش يحلم بأي موقف عربي؛ لأنه الموقف صعب يفكروا فيه تفكير مش ينفذوا يطردوا سفير؛ لم يفعلوها ويطردون سفير الصهاينة فما سيكون سفير دولة المجنون؟"، مضيفة: "في الاتحاد قوة لكن جميع العرب متفرقون لهذا جميعهم ضعفاء".
وأكد المغرد تامر، أن جنوب إفريقيا دفعت ثمنا باهظا لمساندتها غزة، في وقت خذلها فيه إخوتها في الدم والدين.
وأعلن شرف السراجي، تضامنه الكامل مع جنوب إفريقيا "في مواجهة الإمبريالية الأميركية، بينما تقود معركة قانونية لمحاسبة الكيان الصهيوني على جرائمه ضد الشعب الفلسطيني، في نضال مستمر لمقاومة الظلم والدفاع عن الحقوق".
وقال إن جنوب إفريقيا "تثبت للعالم بأن النضال من أجل العدالة واجب إنساني لا يخضع للتهديد".
وتساءل عبدالله الرفاعي: "لماذا تطرد واشنطن سفير جنوب إفريقيا فقط وتبقي سفراء الدول العربية والإسلامية!؟ هل لأن جنوب إفريقيا صادقة بمناصرتها فلسطين والباقي تقوم بتخدير الشعوب!؟ هل هذا يعد دليلا على المتاجرة بالقضية الفلسطينية من قبل الدول العربية والإسلامية!؟".
معاملة بالمثل
وفي تحليل لرد جنوب إفريقيا على طرد سفيرها ومطالبة بالمعاملة بالمثل، قال الباحث في الشؤون الإفريقية والشرق أوسطية أبوبكر عبدالله: "يبدو أن جنوب إفريقيا تتعامل بحذر وتسعى لاحتواء التوتر دبلوماسيا بدلا من التصعيد.. من المهم متابعة رد واشنطن وما إذا كانت بريتوريا ستتخذ خطوات مقابلة".
فيما قال نجيب الأضادي، إن المنطق الدبلوماسي يقتضي أن ترد بريتوريا بالمثل، إذا كانت تملك الجرأة السياسية اللازمة، متسائلا: “هل ستُقدم على هذه الخطوة أم ستتجنب المواجهة؟”
ورأى المغرد عبدالكريم، أن على جنوب إفريقيا طرد سفير أميركا، قائلا: "يريد الصهاينة في أميركا الانتقام من دولة جنوب إفريقيا لأنها أظهرت الوجه القذر للكيان الصهيوني الإرهابي وأميركا في المحافل الدولية وأهمها محكمة العدل حيث سطر قرار القبض على النتنياهو وغالانت".