بعد تحرير القصر الجمهوري.. ماذا بقي للإمارات والدعم السريع في السودان؟

"استعادة القصر إسفين آخر في نعش المؤامرة الخارجية على سيادة السودان"
بعد حصار ومعارك عنيفة حرّر الجيش السوداني والقوات المساندة، القصرَ الجمهوري، الرمز البارز في البلاد ومحيطه وسط الخرطوم، معلنا القضاء فيها على أقوى كتيبة لمليشيا "الدعم السريع".
تحرير القصر الرئاسي "مركز الحكم"، بعد عامين من احتلاله عقب بدء الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، انتصار ميداني ورمزي كبير، يؤكد أن كِفة الصراع أصبحت تميل لصالح الجيش والقوى الشعبية المتحالفة معه.
وأظهر أن قوات القائد المتمرد محمد حمدان دقلو (حميدتي) تعاني بالفعل خسائر، وأن تعهده بالبقاء في القصر، ومن قبل في "جبل موية" ما هي سوى "حلاوة روح".
تحرير القصر تزامن مع محاولة مليشيا حميدتي حسم معركة "الفاشر"، الإقليم الخامس في دارفور الذي لم يسيطروا عليه بعد من يد الجيش، وإعلان مجلس سيادي وحكومة انفصالية عن حكومة الخرطوم.
ويطرح تساؤلات حول ماذا بقي من خريطة سيطرة الدعم السريع على السودان؟ وماذا تبقى من مشروع الإمارات الداعم لهم في البلاد؟
رمزية مهمة
قبل إعلان الجيش في 21 مارس/آذار 2025 تحرير القصر الجمهوري وسط الخرطوم والسوق العربي والوزارات، استدعى بعثة التلفزيون الرسمي للقصر، ما عدته مصادر سودانية مؤشرا على تحريره وأهميته.
ويعد القصر الرئاسي ذا رمزية مهمة كمركز للحكم، بخلاف رمزيته التاريخية في استقلال البلاد؛ إذ منه تم إعلان استقلال السودان في يناير/كانون الثاني 1956.
كما أن منطقة وسط الخرطوم، تضم بجانب القصر الجمهوري، معظم المقرات السيادية والوزارية والمدنية والأسواق والمستشفيات الكبرى والبنوك والمصارف، ما يعني استعادة الدولة السودانية.
لذا حاصر الجيش القصر الجمهوري بالكامل عدة أشهر وحاول استعادته تدريجيا حتى يُكمل السيطرة على جميع أنحاء العاصمة تقريبا، وهو ما تحقق له.
وأعلن الجيش بعد السيطرة على القصر الجمهوري، السيطرة على جميع المؤسسات الرسمية والوزارات السيادية في العاصمة الخرطوم.
وفي هجوم سريع في الأيام الأولى للحرب، استولت الدعم السريع على العديد من أهم معالم الخرطوم، بما في ذلك سوق الذهب، وجسور رئيسة، ومقرا التلفزيون والإذاعة الحكوميان.
واستعاد الجيش جميع هذه المواقع تقريبا في الأشهر الأخيرة، ويمثل القصر آخر معقل رئيس لمليشيا الدعم السريع.
وتقول الصحفية المتخصصة في الشأن السوداني، صباح موسي، إن تحرير القصر الجمهوري بالخرطوم "خطوة كبيرة، تعبر عن رمزية السيادة السودانية وعودتها".
أوضحت لـ"الاستقلال" أن أهمية الانتصار في القصر الرئاسي أنه شبيه بالانتصار في "جبل مويه"، الذي حققه الجيش وكان نقطة تحول كبيرة في مسار المعركة، أسهم في تحرير الجزيرة وشكل بداية الانهيار الحقيقي للمليشيات.
ورأت أن تحرير القصر الجمهوري سيكون أيضا أول خطوة فعلية على طريق النصر الكامل للقوات المسلحة السودانية على مليشيا حميدتي.
واستعاد الجيش منطقة جبل موية الإستراتيجية في ولاية سنار جنوب شرق السودان، في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، والتحم مع القوات في ولاية النيل الأبيض، مُنهيا بذلك حصار الولايتين ما فتح الطريق أمام سلسلة انتصارات متتالية على مليشيا حميدتي.
ووصف مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، آلان بوسويل، سيطرة الجيش على القصر الرئاسي في الخرطوم بأنه "الجائزة الكبرى".
وأوضح بوسويل لصحيفة "واشنطن بوست" في 22 مارس، أن "قوات الدعم السريع انتقلت بذلك من السيطرة على الجزء الأكبر من العاصمة إلى فقدان معظمها"، مشيرا إلى أن "خسارة القصر هزيمة بالنسبة لهم".
تضييق الخناق
ولعبت المسيرات التركية، التي تم تسليمها للجيش السوداني، دورا حيويا ومهما، بجانب الطائرات السودانية الصينية الجديدة، في قصف مليشيا حميدتي وتسريع هزيمتها، وفق مصادر.
المصادر أكدت لـ"الاستقلال" أن الجيش سعى هذه المرة لحسم الأمر والتحكم في كل الطرق المؤدية للقصر بعد غلقها بالمشاة وتغطيتها بالمسيرات، وأنه دمّر رتلا من 30 عربة لمليشيا الدعم السريع كانت تحاول الانسحاب.
وكانت الخطة تستهدف القضاء على الدعم السريع في منطقة القصر، وعدم توفير مخرج آمن لهم كي لا يعودوا للتركز في مناطق أخرى، لذا تم حصار غرب الخرطوم (المنطقة الصناعية) وشرقه (أبراج النيلين)، وجنوبه (مقرن النيلين)، وشماله (مدينة بحري).
وأسهم في تضييق الخناق على مليشيا الدعم السريع الموجودة بالقصر الرئاسي ووسط الخرطوم، وهزيمتها تكثيف الهجمات الجوية بالطيران المسير والمدفعية، ما دفعها للهرب ولكن تم قصفها أيضا بالمسيرات، وباتت السيطرة للجيش والقوات الشعبية المساندة له.
وحاولت مليشيا حميدتي، استعمال نفس السلاح وهو المسيرات لإحباط هذا الانتصار ونجحت بالفعل في تنفيذ هجوم بمسيرة انتحارية استهدفت القصر الرئاسي بالخرطوم، فقتلت عدة عسكريين و3 صحفيين، لإظهار أنها باقية في محيط القصر.
وفي منتصف مارس، تعهد حميدتي، في تسجيل بثه على منصة "إكس"، بعدم خروج قواته من القصر، لكن هجوم الجيش على قواته، انتهى بهروبهم والانسحاب من القصر الذي لم يعد آمنا بعد تضييق الخناق عليهم من كل اتجاه.
ويرجح محللون عسكريون أن تؤدي السيطرة على القصر، ومن ثم تطهير بقية العاصمة، إلى تسريع سيطرة الجيش على وسط السودان بشكل كامل، وإن كان هذا سيؤدي إلى تعميق الانقسام بين شرق البلاد (الجيش) وغربها (الدعم السريع).
وأكد رئيس أركان الجيش السابق الفريق أول هاشم عبد المطلب لموقع “الجزيرة نت” في 21 مارس، أن استعادة الجيش السيطرة على القصر الجمهوري أفقدت الدعم السريع هدفا كان يمثل لها الكثير داخليا وخارجيا، بصفته رمزيا للسيادة والحكم.
وكانت الدعم السريع استولت بسرعة على القصر ومعظم العاصمة الخرطوم، عند اندلاع الحرب في أبريل 2023، لكن القوات المسلحة الحكومية عادت في الأشهر الأخيرة وتقدمت ببطء نحو القصر على طول نهر النيل.
ويقع القصر الجمهوري على الضفة الجنوبية للنيل الأزرق، عند أطراف منطقة في وسط العاصمة تضم العديد من المباني الحكومية والمراكز التجارية، وكان يسمي خلال الحكم العثماني "سراي الحكمدارية".
خطر التقسيم
رغم انتصار الجيش وتحقيقه عدة قفزات على حساب الدعم السريع، الذي ينسحب تدريجيا ليظل مسيطرا على غرب السودان، تخشى تقديرات إعلامية أن ينتهي الأمر بتقسيم السودان فعليا، خاصة مع اتهام حميدتي بتشكيل حكومة ومجلس رئاسي.
تحليل لوكالة "أسوشيتدبرس" في 21 مارس 2025، رجح أن "يُدخل الانتصار العسكري في الخرطوم الحرب إلى فصل جديد، مُنشئا تقسيما فعليا للسودان إلى مناطق تُديرها القوات العسكرية وأخرى تُديرها الدعم السريع".
وأوضح أن ما يعزز هذا رفض رئيس المجلس السيادي وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، الانخراط في محادثات سلام مع الدعم السريع، وتصميم الأخيرة على مواصلة القتال وتشكيل حكومة مستقلة بخلاف حكومة الخرطوم.
ويزيد المخاوف احتمال انقسام تحالف القوات الشعبية العاملة مع الجيش ضد الدعم السريع، وتفاقم التوترات في هذا التحالف العسكري التابع للجيش.
حيث يحظى الجيش بدعم مجموعة من الفصائل المُسلحة، بينها ألوية إسلامية وفصائل مُتنافسة تاريخيا، لا يجمعها سوى هدف مُحاربة الدعم السريع.
وبخسارة الدعم السريع لمنطقة وسط السودان (القصر الرئاسي والوزارات وغيرها) ينحصر نفوذها في مناطق قليلة بالوسط، ويزيد في غرب السودان بشكل أساسي.
إذ لا تزال الدعم السريع تُسيطر على مُعظم غرب السودان، خاصة مُعظم إقليم دارفور.
وعززت هذه المليشيات، سيطرتها في الغرب، وتسيطر بشكل أساسي على إقليم دارفور، الذي نشأت فيه بذرتها الأولى (قوات الجنجويد).
وحاول حميدتي تعويض خسائره وسط العاصمة (القصر الرئاسي) بالتحرك على محورين، الأول التركيز على دارفور ومحاولة احتلالها بالكامل حيث يسيطر على 4 أقاليم من 5 ويسعى لضم الخامس (الفاشر) وقد نجح في تحرير منطقة المالحة
وتحتفظ الدعم السريع، بالسيطرة على مناطق قليلة داخل الخرطوم وأم درمان المجاورة، لكن يتركز وجودها في غرب السودان؛ حيث تقاتل للسيطرة على آخر معاقل الجيش في الفاشر بدارفور، وتنسحب قواتها المهزومة إلى هناك.
والثاني: التحرك على محور الانقسام السياسي عبر إعلان مجلس سيادي منفصل عن الجيش وحكومة جديدة، في نفس يوم طرده من القصر الرئاسي.
حيث عيّن محمد حسن التعايشي رئيسا لمجلس السيادة، ونصرالدين عبدالباري رئيسا لمجلس الوزراء، والفريق سليمان صندل وزيرا للداخلية، وعبدالواحد محمد نور الخارجية، وأسامة سعيد حاكما لإقليم الشرق، وعبدالعزيز الحلو لإقليم كردفان.
وتحدث الصحفي السوداني الداعم لحميدتي، عبد المنعم الربيع عن ترشيح حميدتي لشقيقه عبدالرحيم دقلو وزيرا للدفاع ورئيسا لهيئة الأركان "في الحكومة المدنية المتوقع إعلانها خلال الأيام القادمة"، مع ترقيته من "عقيد" إلى "فريق".
ورغم تشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها، من غير المتوقع أن يحظى ذلك التحرك من جانب حميدتي باعتراف دولي واسع النطاق.
ووقّعت الدعم السريع وحلفاؤها ميثاقا في فبراير/شباط 2025 في العاصمة الكينية نيروبي، لإنشاء حكومة موازية في السودان.
كما تحدث البرهان عن تشكيل حكومة انتقالية، مما يزيد من احتمالية تنافس حكومتين مختلفتين تسيطر كل منهما على جزء من السودان، مما يُرسّخ تقسيم البلاد فعليا.
هزيمة للإمارات
تشكل خسائر مليشيا حميدتي المتتالية، وأبرزها لمنطقة وسط الخرطوم، حيث القصر الرئاسي والوزارات، هزيمة لداعمة الأول وهو نظام أبو ظبي، ولمشروع الإمارات في السودان، الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وعقب دخول الجيش السوداني القصر الرئاسي وطرد قوات حميدتي عثر السودانيون على أسلحة متطورة عديدة وشكروا الإمارات على هذه "الهدايا".
وحاولت مليشيا الدعم السريع إظهار أنها لا تزال قوية بنشر مقطع فيديو زعمت فيه تدمير طائرة من طراز سوخوي 24 في منطقة وادي سيدنا العسكرية بأمدرمان، عبر طائرة مسيرة إستراتيجية زودتها بها الإمارات، وفق صحفيين سودانيين.
واتهم قادة الجيش السوداني مرارا الإمارات بالوقوف وراء تمرد حميدتي، وقدم السودان شكاوى للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ضدها.
وعقب تحرير القصر الرئاسي، تحدث قائد الجيش البرهان عن "دول وأطراف تزود المتمردين بالسلاح النوعي"، قائلا إنه "سيتم الكشف عنها مستقبلا".
ورأت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، استعادة القصر الرئاسي بمثابة "إسفين آخر في نعش المؤامرة الخارجية على سيادة السودان واستقراره ووحدته وعزة وكرامة شعبه"، في إشارة إلى الإمارات.
ويقول حساب باسم "وزير إماراتي": إن القيادي الفلسطيني مستشار رئيس الإمارات، محمد دحلان، وهو مهندس ملف السودان وصلة الوصل مع الدعم السريع، قد تلقى توبيخا قاسيا بعد سقوط مليشيا حميدتي في الخرطوم.
وأشار إلى حالة من الغليان عمت داخل القصر الحاكم في أبوظبي، بعد أن أحكم الجيش السوداني قبضته على القصر الجمهوري، وعقد لقاء طارئا جمع رئيس الإمارات محمد بن زايد مع دحلان حيث تعرض لتوبيخ حاد من ابن زايد شخصيا.
وتحدث عن التعاقد مع شركة اللوبي الكندية “Dickens & Madison”، التي سبق أن استخدمتها الإمارات عام 2019 لتلميع صورة حميدتي، لتشويه رواية الجيش السوداني في الإعلام الغربي وتصوير ما يحدث على أنه "نزاع داخلي معقد بلا طرف خارجي".
وتحسين صورة الإمارات دبلوماسيا عبر حملات علاقات عامة ولنفي أي دور إماراتي في دعم مليشيا الدعم السريع.
المالحة ودارفور
في نفس توقيت دخول الجيش القصر الجمهوري وتحريره من الدعم السريع، أعلنت هذه المليشيا دخولها منطقة "المالحة" الإستراتيجية بولاية شمال دارفور والسيطرة عليها.
وترجع أهمية منطقة المالحة إلى أنها أقرب منطقة للفاشر خامس إقليم من أقاليم دارفور الخمسة، والوحيد الذي تسيطر عليه قوات الجيش، في حين يسيطر حميدتي على الأقاليم الأربعة الأخرى.
كما أن "المالحة" تقع تحت سيطرة الجيش والقوة المشتركة، وسبق لها أن دعمت المدينة بقوات من القوة المشتركة، ولعبت دورا في تخفيف الضغط عليها من خلال المناوشات التي تنفذها القوات المشتركة بين الحين والآخر.
لذا يرى محللون سودانيون أن سقوط المالحة يعني تضييق الخناق على مدينة الفاشر بشكل أكبر، وربما سقوط الفاشر ليسيطر حميدتي بالتالي على كل دارفور وقد ينفصل بها أو يعلن بها حكومته المستقلة عن الخرطوم.
ومنذ أكتوبر 2024 تدور معارك بين القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش بدارفور والدعم السريع في منطقة المالحة بولاية شمال دارفور، وسط سجال تقدم وتراجع متبادل.
وحاول الجيش عن طريق هذه المنطقة شغل الدعم السريع، وفك حصارها عن "الفاشر" التي تحاصرها مليشيا منذ أبريل 2023.
المصادر
- Sudan army says it has control of presidential palace in Khartoum
- Sudan’s military says it has retaken Khartoum’s Republican Palace, seat of country’s government
- Sudan’s military says it has retaken presidential palace from rebels
- ماذا تعني سيطرة الجيش السوداني على القصر الجمهوري؟
- ردود فعل واسعة لاستعادة الجيش القصر الرئاسي