من الرئاسة إلى السفراء.. إلى متى يبقى إقليم كردستان العراق رهينة صراع الحزبين؟

تقارير محلية تتحدث عن تعطل اعتماد أوراق 10 سفراء أجانب
لم يعد الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني في العراق محصورًا بالتنافس على المناصب داخل إقليم كردستان أو رئاسة الجمهورية، بعدما امتدت تداعياته إلى مؤسسات الدولة في بغداد، وظهرت أبرز صور ذلك في تعطل مراسم اعتماد سفراء عشر دول.
وبينما يتمسك رئيس الجمهورية نزار آميدي (عن الاتحاد الوطني) بحضور وزير الخارجية فؤاد حسين (عن الديمقراطي) شخصيًا خلال تقديم أوراق الاعتماد، تقول الوزارة إن بالإمكان إيفاد وكيلها أو مسؤول مختص، لتبقى المراسم معلقة وسط تبادل المسؤولية.
ويطرح هذا الخلاف سؤالًا محوريًا عن حدود البروتوكول، وما إذا كان التنافس بين الحزبين الكرديين الرئيسين في إقليم كردستان تحول إلى أزمة دبلوماسية في العراق بشكل عام.

امتداد الخلاف
تتجاوز قائمة السفراء المنتظرين ممثلي دولة أو دولتين؛ إذ تضم عشرة بلدان هي تايلند وكندا وسويسرا وماليزيا وألبانيا والصين وفرنسا ومصر وقبرص وإستونيا، ويعني ذلك أن التعطيل لا يقتصر على علاقة ثنائية بعينها، بل ينال مسار استقبال ممثلي مجموعة واسعة من الدول.
وتشير المعلومات إلى أن بعض السفراء وصلوا قبل نحو أربعة أشهر، فيما استكمل آخرون مراحل أساسية من الإجراءات. فقد وصل السفير الصيني شيانغ بوه في 4 يوليو/ تموز 2026، وتسلم وزير الخارجية نسخة أوراق اعتماده في 20 من الشهر نفسه، بينما تسلم نسخة أوراق اعتماد السفير الفرنسي ألكسندر غارسيا في 10 سبتمبر/ أيلول.
وكان مرسوم تعيين السفير الفرنسي قد صدر في 18 أغسطس/ آب، بما يوضح أن وصول السفير وتسليم نسخة أوراق الاعتماد إلى وزارة الخارجية لا يعنيان اكتمال مراسم تقديم الأصول إلى رئيس الجمهورية. فالإجراءات تتوزع بين الوزارة ورئاسة الجمهورية، ولكل منهما دور في تنسيق الخطوات النهائية.
وتقول عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية إيفان فائق، في تصريحات صحفية في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني: إن "الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني انتقل إلى ملف العلاقات الخارجية والبروتوكول"، محذرة من أن ربط الإجراءات بالمواقف الحزبية قد يدخل العراق في أزمة مع الدول المعنية.
وأضافت فائق أن اللجنة وجهت كتابًا إلى وزير الخارجية للاستفسار عن عدم حضوره مراسم تقديم أوراق اعتماد السفراء، لكنه لم يجب، كما خاطبت رئيس الوزراء وتنتظر تدخله.
ورأت البرلمانية العراقية أن استمرار تعطيل اعتماد ممثلي الدول "يضر بعلاقات العراق ويضع مؤسساته في موقف محرج"، ولا يجوز أن يبقى بلا معالجة.
وبحسب فائق، يطرح وزير الخارجية إرسال وكيل الوزارة بدلًا منه، بينما ترفض رئاسة الجمهورية ذلك وتطالب بحضور الوزير ما دام موجودًا ويمارس مهامه، مشددة على أن بعض السفراء ينتظرون في فندق الرشيد، وأنهم يطالبون بحل يسمح باستكمال إجراءات اعتمادهم ومباشرة مهامهم رسميًا.
وأكدت أن وزير الخارجية "يمثل العراق كله، وليس الحزب الديمقراطي وحده"، مقدرة أن الخلافات بين الحزبين بشأن حكومة الإقليم وملفات أخرى لا تبرر نقلها إلى المؤسسات الاتحادية. وهكذا أصبحت مراسم دبلوماسية يفترض أن تنظم علاقة العراق بالدول جزءًا من خلاف سياسي داخلي.

جدل البروتوكول
في المقابل، يستند الخلاف إلى تباين في تفسير الإجراءات المنظمة للمراسم؛ إذ تفيد تقارير بأن العملية تبدأ بتقديم نسخ أوراق الاعتماد إلى وزارة الخارجية، ثم تتولى دائرتا المراسم في الوزارة ورئاسة الجمهورية تنسيق موعد تقديم الأصول إلى الرئيس، بما يجعل المرحلتين منفصلتين من الناحية الإجرائية.
وينظم نظام المراسم رقم 4 لسنة 2016 هذه الخطوات؛ إذ تحدد المادة 25 آلية استقبال السفير وتسليم نسخ أوراقه إلى وزير الخارجية، ثم التنسيق مع رئاسة الجمهورية. أما المادة 26 فتنص على مشاركة الوزير في مراسم تقديم الأوراق والمصافحة والمقابلة التي تعقبها، وهو ما تستند إليه الرئاسة في طلب حضوره.
في المقابل، رأى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني وفا محمد، خلال تصريحه، أن "الأوراق المعتمدة والموقعة والإجراءات التي تستكملها وزارة الخارجية هي الأساس"، وأن بإمكان وكيل الوزير أو مسؤول مختص تمثيل الوزارة خلال المراسم.
وأقر محمد بأن الخلاف بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، وما رافق التنافس بين فؤاد حسين ونزار آميدي على رئاسة الجمهورية، أثّر سلبًا في العلاقات الرسمية، لكنه يرفض عدّ حضور الوزير شخصيًا شرطًا لا يمكن تجاوزه. ورأى أن إصرار الرئاسة على ذلك "يأخذ طابعًا شخصيًا" ويهدف، بحسب تقديره، إلى إحراج حسين.
وتعود خلفية التوتر إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 11 أبريل/ نيسان، حين نافس آميدي، مرشح الاتحاد الوطني، مرشح الحزب الديمقراطي فؤاد حسين، وحصل الأول في الجولة الأولى على 208 أصوات مقابل 16 لحسين، قبل أن يفوز في الجولة الثانية بـ227 صوتًا.

مخاطر دبلوماسية
وعقب انتخاب آميدي، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني، أنه لن يتعامل معه بوصفه رئيسًا لجمهورية العراق. كما لم يعلن منذ ذلك الحين عن لقاء ثنائي يجمعه بوزير الخارجية، ولا عن تسلمه أوراق اعتماد سفير أجنبي، وفق المادة المقدمة، ما يعزز الانطباع باستمرار القطيعة.
وربط الباحث في الشأن السياسي العراقي علي المساري تعطل الملف الدبلوماسي بالخلافات القديمة بين الحزبين، مشيرًا إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني أعلن سابقًا أنه لن يعترف بآميدي رئيسًا، ومقدرا أن الخلافات بين الطرفين "عقيمة وقديمة".
وشرح المساري لـ"الاستقلال" أن الحزب الديمقراطي يحكم محافظتين في إقليم كردستان ويتولى رئاسة الحكومة، بينما يملك الاتحاد الوطني محافظة السليمانية، وقد استُحدثت حلبجة محافظة ثانية لتعويضه في المناصب، وأن الأخير يريد حصصًا أوسع في حكومتي الإقليم وبغداد ويشعر بأنه مغبون.
وذهب المساري إلى أن مرحلة زعيم الاتحاد الوطني السابق جلال طالباني اتسمت بقدر أكبر من الهدوء والحكمة في التعاطي مع الخلافات الكردية-الكردية، وأنه كان يفعّل دور رئيس الجمهورية، فلم يكن شعور النقص طاغيًا كما يراه اليوم في ظل إدارة نجله بافل للحزب.
أما المحلل السياسي عصام الفيلي؛ فقد رأى أن ما يجري يكشف "خللًا في أداء مؤسسات الدولة" من شأنه أن يخلق صورة سلبية عن العراق؛ لأن الخلافات السياسية أو الشخصية لا ينبغي أن تتقدم على المسؤوليات الرسمية تجاه ممثلي الدول.
وشدد الفيلي، في تصريح لصحيفة "العالم الجديد" العراقية في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني، على ضرورة التمييز بين الموافقة على ترشيح السفير، التي تسبق وصوله إلى الدولة المضيفة، وبين استكمال إجراءات اعتماده بعد وصوله.
ودعا الخبير السياسي إلى الاستيضاح عما إذا كان التأخير ناجمًا فعلًا عن الخلاف السياسي، أم أن هناك أسبابًا أخرى أو تحفظات لم يجر توضيحها للرأي العام.
واقترح الفيلي أن تستضيف لجنة العلاقات الخارجية وزير الخارجية وتسأله مباشرة عن أسباب التعطيل، بالتوازي مع بحث الملف على أعلى المستويات والتواصل مع القيادات السياسية التي ينتمي إليها الطرفان إذا ثبت أن الخلاف الحزبي هو السبب.
ورأى أن استمرار الانتظار لا يمكن التعامل معه بوصفه أمرًا اعتياديًا، محذرًا من أن السفراء يرسلون تقارير إلى عواصمهم عن أوضاع الدول التي يعملون فيها، وأن بقاء اعتمادهم معلقًا يثير تساؤلات بشأن الجهة التي تعرقل استقبالهم، أهي رئاسة الجمهورية أم وزارة الخارجية.
وخلص الفيلي إلى أن هذه الرسائل لا تخدم صورة العراق، بينما يسعى إلى تطوير علاقاته وكسب ثقة الدول الأخرى.
وتكمن التداعيات المحتملة في أن استمرار التعطيل قد ينعكس على انطباعات الدول العشر بشأن قدرة المؤسسات العراقية على تنسيق عملها، ويضع السفراء أمام تأخير في مباشرة مهامهم الرسمية، وفق مراقبين.
ويبقى احتواء الأزمة، بحسب مراقبين، مرهونًا بتدخل رئيس الوزراء، وتحرك البرلمان للمساءلة، وفصل الخلاف الحزبي عن واجبات الدولة؛ لأن استمرار الاتهامات قد يحوّل اعتماد السفراء إلى اختبار لقدرة بغداد على حماية علاقاتها الخارجية، بإنهاء انتظار الدبلوماسيين وصون صورة العراق.

















