ما الذي يجعل منظمة الدول التركية مهمة في حسابات واشنطن؟

"بوسع واشنطن تحقيق مكاسب دبلوماسية سريعة وسهلة مع المنظمة"
في وقت يشتد فيه التنافس بين القوى الكبرى على أوراسيا، اجتمع قادة "منظمة الدول التركية" بالعاصمة أنقرة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لعقد قمتهم الـ13 تحت شعار "القرن التركي: وحدة في اللغة والفكر والعمل".
ونشرت مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأميركية مقالا قالت فيه: إنه "رغم تنامي دور المنظمة وتزايد أهميتها، لا توليها واشنطن اهتماما يُذكر".
وترى أن هذا الموقف ينبغي أن يتغير، لأن تعزيز وحدة العالم التركي في آسيا الوسطى من شأنه أن يدعم قدرة الولايات المتحدة على منافسة روسيا والصين وإيران.
وجاء المقال بقلم الزميل الأول في معهد "هدسون"، لوك كوفي الذي عمل مستشارا خاصا لوزير الدفاع البريطاني الأسبق، ليام فوكس.

منصة رئيسة
وقال كوفي: إن “القمة ركزت على توسيع التعاون في التجارة وربط النقل والتحول الرقمي والثقافة والسياسة”.
كما اختار القادة أمينا عاما جديدا يقود المنظمة في مرحلتها المقبلة، هو الأوزبكي ميرواحد عظيموف.
وتعد المنظمة هيئة حكومية دولية تمثل المنصة الرئيسة للتعاون بين الدول الناطقة بالتركية في أوراسيا.
وفي عام 2006، طرح الرئيس الكازاخي آنذاك، نور سلطان نزارباييف، الفكرة للمرة الأولى.
وبعد ثلاث سنوات، تأسس "المجلس التركي" بموجب اتفاقية نخجوان، ثم تحول عام 2021 إلى “منظمة الدول التركية” التي تتخذ من إسطنبول مقرا لأمانتها العامة.
وتضم المنظمة حاليا خمسة أعضاء هم تركيا وكازاخستان وقرغيزستان وأذربيجان وأوزبكستان.
ويشارك فيها ثلاثة مراقبين هم تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية.
ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء والمراقبة نحو 180 مليون نسمة، ويتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي المشترك 2.4 تريليون دولار.
وبذلك تحتل الدول التركية، ككتلة واحدة، المرتبة الـ11 بين أكبر اقتصادات العالم.
وتزخر هذه الدول بالموارد الطبيعية والمعادن الحيوية، وتستحوذ على أكثر من 45 بالمئة من الإنتاج العالمي لليورانيوم، معظمه في كازاخستان.
ثقل اقتصادي
ولفت المقال إلى أن المنظمة، ككتلة، ثالث أكبر مزود للطاقة في العالم.
ويمر عبر أراضي هذه الدول "الممر الأوسط"، وهو طريق نقل عابر لبحر قزوين يربط الصين بأوروبا متجاوزا روسيا، وقد اكتسب أهمية متزايدة منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي واستعادة دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز استقلالها، أعادت هذه الدول اكتشاف عناصر من هويتها ولغتها وثقافتها التركية، وكانت السلطات السوفيتية قد قمعت هذه العناصر أو أخضعتها للنفوذ الروسي.
وأشار كوفي إلى أن هذا الإحساس المتجدد بالهوية، إلى جانب تنامي الطموحات الجيوسياسية لتركيا، دفع التعاون بين الدول التركية إلى مسار تصاعدي في القرن الـ21.
ونتيجة لذلك، عمقت دول العالم التركي تعاونها خلال السنوات الأخيرة، خاصة في تبسيط إجراءات النقل والجمارك وإطلاق مبادرات ثقافية مشتركة، كاعتماد أبجدية تركية موحدة، وصولا إلى دراسة تعاون أمني أوثق.
واتفقت لجنة تابعة للمنظمة عام 2024 على أبجدية مشتركة بالحروف اللاتينية تضم 34 حرفا.
وأكد كوفي أهمية ذلك للولايات المتحدة، فالمنظمة باتت، عن قصد أو دون قصد، قطبا فعليا في أوراسيا التي تتعدد فيها الأقطاب ويشتد فيها التنافس.
وأضاف أن قطبا تركيا أقوى وأكثر استقلالا قد يساعد على موازنة نفوذ روسيا والصين وإيران في أوراسيا، رغم أن قادة المنظمة والعالم التركي عموما لن يعترفوا بذلك علنا أبدا.
وظلت آسيا الوسطى تاريخيا ساحة نفوذ روسي، بينما توسع الصين حضورها فيها عبر مبادرة "الحزام والطريق".
ولهذا، رأى الكاتب أن انخراط واشنطن مع المنظمة سيكمل علاقاتها الثنائية القائمة مع دول المنطقة، كما سيخدم هدفها الجيوسياسي الأوسع، وهو منع أي قوة منفردة من الهيمنة على اليابسة الأوراسية.
وبيّن أن الولايات المتحدة في موقع جيد للانخراط مع العالم التركي، فتركيا حليفة لها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإدارة دونالد ترامب توسع علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، وعدد منها أعضاء في المنظمة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استضاف ترامب قادة دول آسيا الوسطى الخمس في البيت الأبيض، في إطار صيغة "C5+1".

مكاسب سريعة
ونبّه المقال إلى أن الإحجام عن التعامل مع منظمة قادرة على المساعدة في ضمان التوازن الإقليمي سيكون فرصة ضائعة.
ورجّح أن تشهد أوراسيا "قرنا تركيا" في العقود المقبلة.
ورأى أن نظريتين في العلوم الاجتماعية، كثيرا ما تُستخدمان لتفسير التكامل الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، تقدمان مدخلا مفيدا لفهم ذلك.
فنظرية "الوظيفية الجديدة" ترى أن التعاون في مجال ما قد يمتد إلى مجالات أخرى، فيتعمق حتى يفضي في النهاية إلى التكامل.
أما "النظرية البنائية"، فتساعد على تفسير تأثير الهوية المشتركة في السلوك السياسي.
وتابع الكاتب أن الديناميكيتين حاضرتان بوضوح داخل المنظمة، فالتعاون في التجارة وربط النقل ينمو بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تعزيز هوية ثقافية ولغوية مشتركة.
ورأى المقال أن بوسع واشنطن تحقيق مكاسب دبلوماسية سريعة وسهلة مع المنظمة، مؤكدا أنه ينبغي على إدارة ترامب أن تدعو الأمين العام الجديد إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو.
ووصف كوفي هذه الخطوة بأنها لفتة رمزية بسيطة لكنها مهمة، تعترف بالنفوذ المتنامي للمنظمة.
واقترح كذلك أن تشكل الولايات المتحدة مجموعة عمل مع المنظمة على مستوى المسؤولين، لتحديد المصالح المشتركة وفرص التعاون المستقبلي.
ودعا إلى إيلاء اهتمام خاص للتجارة والطاقة وربط النقل، وهي قضايا تهم إدارة ترامب أصلا.
وطالب كوفي كبار المسؤولين الأميركيين بتخصيص ساعتين لزيارة مقر المنظمة عند مرورهم بإسطنبول، فهذا الانخراط لا يتطلب جهدا كبيرا، لكنه قد يقطع شوطا طويلا في بناء روابط مؤسسية أوثق وثقة متبادلة وعلاقات شخصية.
وشدد على أن المنظمة تكتسب زخما، سواء انخرطت فيها الولايات المتحدة أم لم تنخرط.
وختم كوفي بالقول: إن “واشنطن لا تحتاج إلى إستراتيجية جديدة معقدة لبدء التعامل مع المنظمة، فكل ما يلزمها هو إدراك هذا التوجه، والمبادرة، وإظهار قدر من الإبداع الدبلوماسي”.

















