اتفاق مكة و"آر 4" و"بدر".. أذرع تركيا لتعزيز نفوذها الإقليمي

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

يشهد الشرق الأوسط ومحيطه الإقليمي توجّها متزايدا نحو بناء أطر جديدة للتعاون الأمني والدفاعي، وذلك في ظل محدودية قدرة المؤسسات الإقليمية التقليدية على التعامل مع الأزمات المشتركة. 

ويبرز في هذا السياق "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين تركيا والسعودية وباكستان، والذي يُتوقع أن يشكل أحد أبرز التحالفات الأمنية خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى ترسيخ بنيته المؤسسية وتوسيع مجالات التعاون بين أعضائه.

قرارات حاسمة

ونشرت صحيفة "الصباح" التركية مقالا للكاتب نبي ميش، أشار فيه إلى أن دولا مثل مصر وقطر لا تزال خارج هذا الاتفاق، رغم حضورها في بعض مسارات التعاون الإقليمي. 

وأوضح أن تركيا والسعودية ومصر وباكستان تتعاون ضمن مبادرة الرباعية الإقليمية "آر 4"، التي تركز على الحوار والتنسيق الدبلوماسي وتطوير مواقف مشتركة إزاء القضايا الإقليمية، بينما لا تشارك قطر رسميا في هذه المبادرة.

لكن في المقابل، تجمع اتفاقية بدر بين تركيا وإندونيسيا وقطر وباكستان، مع التركيز على الإنتاج المشترك في الصناعات الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا العسكرية، والتدريب.

ويرى الكاتب التركي أن ظهور هذه الأطر المتعددة لا يعكس مجرد رغبة في توسيع العلاقات بين الدول، بل يكشف عن تحول في مقاربة الأمن الإقليمي، يقوم على إنشاء آليات تعاون تتناسب مع طبيعة المصالح والتهديدات ومستويات الالتزام التي تستطيع كل دولة تحملها. 

ورأى أن التجارب السابقة أظهرت أن جمع عدد كبير من الدول تحت مظلة واحدة لا يضمن بالضرورة قدرتها على التحرك المشترك، خصوصا عندما تتباين أولويات أعضائها وحساباتهم السياسية.

وقد واجهت منظمات واسعة العضوية، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، صعوبات متكررة في اتخاذ قرارات حاسمة بشأن الأزمات الأمنية والسياسية. 

فرغم أهمية هذه المؤسسات في توفير منصات للحوار والتنسيق، فإن اختلاف مواقف الدول الأعضاء حدّ من قدرتها على تحويل التوافقات السياسية إلى خطوات عملية. 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى أطر أصغر وأكثر مرونة، تستطيع الدول من خلالها تنسيق سياساتها واتخاذ قرارات تتناسب مع مصالحها المشتركة.

تنوع التعاون

وأردف الكاتب أن التعامل مع جميع التحالفات باعتبارها كيانات متشابهة في الأهداف والوظائف هو أمر غير ممكن؛ فهناك فرق جوهري بين الالتزام بالدفاع المشترك، والتعاون في تطوير القدرات العسكرية، والتنسيق الدبلوماسي بشأن القضايا الإقليمية. 

ولكل صيغة متطلباتها السياسية والإستراتيجية، وهو ما يفسر توجّه الدول إلى المشاركة في مبادرات متعددة بدلا من الاكتفاء بتحالف واحد. 

ويفرض الدفاع المشترك مستوى مرتفعا من الالتزام السياسي والأمني، لأنه يرتبط باستعداد الدول لتحمل مسؤوليات متبادلة عند تعرض أحد أطراف التحالف لتهديدات أو اعتداءات. 

ولا يقتصر هذا النوع من الاتفاقيات على تبادل الخبرات أو تطوير المعدات العسكرية، بل يتصل أيضا بتقدير المخاطر والاستعداد للتعامل مع تداعيات الأزمات.

لذلك، يقول الكاتب ميش، قد تجد بعض الدول صعوبة في الانضمام إلى تحالف دفاعي، حتى عندما تتقاطع مصالحها مع مصالح أعضائه في ملفات أخرى.

في المقابل، يتيح التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية مساحة أوسع لبناء الشراكات، دون أن يفرض بالضرورة التزامات أمنية مماثلة. 

فقد تكون دولتان مستعدتان لتطوير أنظمة دفاعية مشتركة وتبادل الخبرات والتدريب، لكنهما لا تتفقان على طبيعة التهديدات التي تواجههما أو على كيفية التعامل معها. 

وينطبق الأمر ذاته على المبادرات الدبلوماسية، التي تسمح بتنسيق المواقف وتبادل الرؤى، لكن دون اشتراط المشاركة في عمليات عسكرية أو تحمل مسؤوليات دفاعية مباشرة.

وتفسر هذه الفوارق جانبا من أسباب بقاء بعض الدول خارج “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، رغم مشاركتها في مسارات أخرى مع الدول الموقعة عليه. 

فالتقارب السياسي لا يعني بالضرورة تطابق الحسابات الإستراتيجية، كما أن الاتفاق على مجموعة من القضايا لا يلغي الخلافات المحتملة بشأن ملفات إقليمية أخرى.

وأضاف ميش أن العلاقات الثنائية أيضا تؤثر في طبيعة هذه التحالفات وتوسعها.

فقد تتحفظ بعض الدول على انضمام أطراف جديدة بسبب خلافات سياسية قائمة أو اختلاف في تقدير التهديدات الإقليمية، وهذا انطلاقا من اعتقادها بأن توسيع العضوية قد يزيد من صعوبة اتخاذ القرار، وَيضعف الانسجام بين الشركاء. 

في هذه الحالات، قد ترى الدول أن الحفاظ على إطار محدود العضوية أكثر فاعلية من توسيعه ليشمل أطرافا لا تتفق معها في جميع القضايا الأساسية.

ويرى الكاتب أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر مقابلة، فإقصاء دولة مؤثرة عن مختلف مسارات التعاون قد يعزز شعورها بالتهميش، ويدفعها إلى البحث عن ترتيبات بديلة أو إنشاء مبادرات منافسة. 

ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تعميق الانقسامات الإقليمية وإضعاف الثقة بين الدول، بدلا من بناء بيئة أكثر استقرارا.

وعليه، فإن التحدي لا يكمن في توحيد جميع الدول داخل تحالف واحد، بل في إيجاد توازن بين متطلبات الفاعلية الأمنية والحاجة إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. 

فكلما اتسعت الفجوة بين الأطر الأمنية المختلفة، ازدادت احتمالات تحول التنافس على النفوذ إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار.

تكامل الأطر

وقال الكاتب: إن اتفاقية مكة ومبادرة الرباعية الإقليمية "آر 4" واتفاقية بدر “تقدم نموذجا لتعدد مسارات التعاون في البيئة الإقليمية”. 

وأكد أنه رغم اختلاف الدول المشاركة والأهداف المعلنة ومستويات الالتزام، فإن هذه الأطر يمكن أن تؤدي وظائف متكاملة، شريطة وجود تنسيق سياسي يمنع تضارب أولوياتها.

وأوضح الكاتب أن اتفاقية مكة توفّر إطارا للتعاون الدفاعي والأمني بين تركيا والسعودية وباكستان، بينما تتيح مبادرة "آر 4" مجالا أوسع للحوار والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية، وتدعم اتفاقية بدر تطوير القدرات الصناعية و التكنولوجية والدفاعية المشتركة. 

وبهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى هذه المبادرات بوصفها بدائل متنافسة بالضرورة، بل بصفتها أدوات مختلفة لمعالجة احتياجات متباينة.

وتستطيع تركيا الاستفادة من مشاركتها في هذه الأطر لتعزيز حضورها الدبلوماسي والأمني، وتطوير علاقاتها مع القوى الإقليمية، وربط التعاون السياسي بالشراكات الدفاعية والتكنولوجية، بحسب ميش.

كما تتيح لها هذه المقاربة المشاركة في صياغة أجندة مشتركة، والاستفادة من إمكانات كل إطار وفق طبيعة القضايا المطروحة، دون اشتراط جمع جميع الشركاء في تحالف واحد.

وتكمن أهمية هذا النهج في قدرته على استيعاب الاختلافات بين الدول بدلا من تجاهلها.

فالتعاون الإقليمي لا يتطلب بالضرورة تطابقا كاملا في السياسات، بل يحتاج إلى تحديد المجالات التي تتقاطع فيها المصالح، وبناء آليات عملية للعمل المشترك ضمن حدود واضحة. 

وقد يشكل التعاون الدفاعي نقطة انطلاق لتطوير الثقة، بينما تتيح المسارات الدبلوماسية معالجة الخلافات وتوسيع مجالات التفاهم، ويسهم التعاون الصناعي في بناء مصالح طويلة الأمد يصعب فصلها عن الاستقرار الإقليمي.

لهذا، فإن تنوع التحالفات الإقليمية يعكس إدراكا متزايدا بأن التحديات الأمنية والسياسية لا يمكن معالجتها من خلال صيغة واحدة للتعاون. 

فالدول تحتاج إلى أطر مرنة تسمح لها بتحديد مستوى مشاركتها وفق مصالحها وقدراتها، مع الحفاظ على إمكانية الانتقال من التنسيق الدبلوماسي إلى التعاون الدفاعي والتكنولوجي عندما تتوافر الظروف المناسبة.

وبالنسبة إلى تركيا، فإن نجاح هذه المقاربة لن يتوقف على عدد الاتفاقيات التي توقعها أو الأطر التي تشارك فيها، بل على قدرتها على تحقيق التكامل بينها، وتوظيفها في بناء شراكات مستقرة، وتحويل التقارب السياسي إلى نتائج عملية.

فالقيمة الحقيقية للتحالفات لا تكمن في اتساع عضويتها أو تعدد مسمياتها، وإنما في قدرتها على تنسيق المصالح، وإدارة الخلافات، والاستجابة الفعالة للأزمات، بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليميين.