عرض تركي لترسيم الحدود البحرية.. ما الذي يمنع مصر من تعميق شراكتها؟

"القاهرة لا تزال معلقة بمصير نظام عسكري لا توجد ضمانات لاستمراره في الحكم”
إن شرق المتوسط ليس مجرد مساحة بَحرية، بل هو مسرح تتجلى فيه موازين القوى، وتُرسم فيه مسارات الطاقة المستقبلية، وتُجبر فيه مصر، وهي قوة عربية محورية، على الاختيار.
وأخيرا، قدمت أنقرة للقاهرة عرضا يصعب تجاهله، يتمثل في اتفاق لترسيم الحدود البحرية يمنح مصر نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية من مناطق الولاية البحرية، مقارنة بما يمكن أن تحصل عليه بموجب أي اتفاق قد تبرمه مع اليونان.
وأعلن وزير الدفاع التركي ياشار غولر هذا العرض صراحة في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بعد أيام من تصديق البرلمان الليبي في 13 أكتوبر، على الاتفاق البحري التركي الليبي الذي أدانته القاهرة بشدة، ليصبح المقترح التركي واضح المعالم.

تعاون دفاعي
في هذا السياق، تساءلت صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية: “ما الذي تمثله مساحة تبلغ 15 ألف كيلومتر مربع؟”
لتجيب قائلة: "في منطقة يحظى فيها كل ميل بحري بأهمية كبيرة لاستكشاف النفط والغاز والسيطرة على طرق التجارة، يمثل هذا الرقم مكسبا بالغ الأهمية".
وترى الصحيفة أن "الأمر لا يتعلق بمجرد تعديل فني للحدود، بل بإعادة توزيع محتملة للسيادة الاقتصادية".
وعزت ذلك إلى أن "أنقرة لا تقترح مجرد رسم خط على الخريطة، وإنما إعادة تشكيل موازين القوى في شرق البحر المتوسط لمصلحة القاهرة، شريطة أن توجه الأخيرة أنظارها شمالا نحو تركيا بدلا من أثينا".
واستدركت: "غير أن العرض البحري لا يمثّل سوى الجزء الظاهر من ترتيبات أوسع بكثير، فبينما يناقش الدبلوماسيون الحدود البحرية، يعمل رجال الصناعة على بناء جسور متينة للتعاون".
وفي هذا الإطار، أشارت الصحيفة إلى أن شركة "إم كي إي" التركية العملاقة لصناعة الأسلحة حققت خطوة حاسمة في سبتمبر/ أيلول 2026، بتأسيس شركة تابعة لها في القاهرة، مملوكة بالكامل للمجموعة التركية، وتحمل اسم “زافر” الذي يعني "النصر"، وتعمل بموجب القانون المصري.
ونقل المقال عن المدير العام للشركة، إلهامي كيليش، قوله: إن طموحاتها تتجاوز مجرد تصدير الأسلحة. موضحا: "نركز على مصر، ليس بوصفها مجرد سوق، وإنما بوصفها دولة يمكننا تنفيذ أنشطة مشتركة معها".
وأضاف أن "التطورات على الأرض تؤكد هذه التصريحات؛ إذ وقعت الشركة التركية مذكرة تفاهم مع وزارة الإنتاج الحربي المصرية للإنتاج المشترك للمواد عالية الطاقة والمتفجرات وتجهيزات الذخائر".
بالإضافة إلى ذلك، "باعت الشركة بالفعل منظومة (تولغا) المضادة للطائرات المسيرة إلى مصر، في إطار هدف إستراتيجي يتمثل في تحويلها إلى منصة لتسويق هذه المنظومة في إفريقيا ودول الخليج".
ومن هذا المنظور، يرى المقال أن "التعاون لم يعد يقتصر على بيع الأسلحة، بل أصبح يشمل نقل التكنولوجيا والتكامل الصناعي وتقاسم مقومات السيادة الدفاعية".
واستطرد: "بالنسبة إلى النظام المصري المنشغل بتحديث مؤسسته العسكرية وتعزيز استقلاليته الإستراتيجية، فإن العرض التركي يتمتع بمضمون يصعب على كثير من الشركاء الآخرين تقديم ما يماثله".
تكلفة الانتظار
ومع ذلك، يعتقد أن "القاهرة لا تزال مترددة، رغم التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات المصرية التركية خلال الفترة الأخيرة".
وتابع: "ففي فبراير/ شباط 2026، ترأس رئيس (نظام) مصر عبد الفتاح السيسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بشكل مشترك في القاهرة، الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين".
وشهد الاجتماع إبرام اتفاقيات في مجالات الدفاع والاستثمار والتجارة والطاقة والسياحة، بهدف رفع حجم التبادل التجاري الثنائي من 9 مليارات دولار إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028.
وفي سبتمبر 2026، أجرى وزيرا خارجية البلدين محادثات جديدة لتعزيز هذا المسار من التقارب.
وفي ضوء هذه المعطيات، طرحت الصحيفة تساؤلا بـ"شأن أسباب امتناع القاهرة عن توقيع الاتفاق البحري مع تركيا، رغم المكاسب المحتملة التي يمكن أن تحققها من خلاله".
وأرجعت ذلك إلى أن "القاهرة لا تزال معلقة بمصير نظام عسكري لا توجد ضمانات لاستمراره في الحكم؛ ففي عهد السيسي، تتراكم التحديات الاقتصادية والتوترات الاجتماعية تحت السطح، فيما يؤدي اعتماد مصر على جهات التمويل الخارجية، بما فيها دول الخليج وصندوق النقد الدولي والشركاء الغربيون، إلى إضعاف قدرتها على إجراء أي تحول كبير في توجهاتها الإستراتيجية".
وبحسب المقال، "تشمل هذه الجهات دول الخليج وصندوق النقد الدولي والشركاء الغربيين، الأمر الذي يزيد صعوبة إعادة توجيه السياسة المصرية، حتى عندما تتوافر فرص يمكن أن تحقق مكاسب مهمة للبلاد".

كلفة الانتظار
بعبارة أوضح، ترى الصحيفة أن "الاتفاق البحري مع تركيا، مهما بدت مزاياه كبيرة على الورق، من شأنه أن يثير استياء أثينا، ويزعج بروكسل، ويرسل إشارات ملتبسة إلى واشنطن".
واستطردت: "تواصل القاهرة حساب خطواتها وتأجيل قراراتها، بينما تترك فرصة مهمة تتبدد مع مرور الوقت".
في سياق تحليلي أوسع، يقدر المقال أن "أي نظام عسكري لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وهو ما أظهره التاريخ الحديث للعالم العربي بصورة قاسية لم يكن أحد يتوقعها".
وتابع: "عندما يأتي اليوم الذي تضطر فيه القاهرة إلى إعادة النظر في أولوياتها الإستراتيجية، سواء تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، أو نتيجة صعود جيل جديد من صناع القرار، أو لمجرد أن مقتضيات السياسة الواقعية تفرض ذلك، ستكون تركيا حاضرة".
وأضاف: "قد يكون العرض البحري لا يزال مطروحا على الطاولة حينها، وربما لا، فأنقرة لديها أيضا مصالحها الخاصة وشركاؤها، وليبيا صدقت بالفعل على اتفاقها البحري، بينما لن تبقى اليونان مكتوفة الأيدي".
وفي هذا السياق، يعتقد المقال أن "السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت مصر ستقبل في نهاية المطاف إقامة شراكة إستراتيجية أعمق مع تركيا، وإنما بالوقت الذي يمكن أن تستغرقه لاتخاذ هذه الخطوة".
واستدل على ذلك بمصنع "زافر"، والاتفاق المتعلق بإنتاج المتفجرات، وبيع منظومة "تولغا"، والاجتماعات المتعاقبة لمجلس التعاون الإستراتيجي؛ إذ ينظر إلى هذه التطورات بوصفها "ترسم مسارا لا يمكن تغييره بصورة دائمة إلا بوجود إرادة سياسية معاكسة".
ومن هنا، طرحت الصحيفة السؤال الأكثر أهمية: “إلى متى تستطيع مصر تحمل كلفة الانتظار؟”
وأردفت: "كل شهر يستمر فيه الوضع القائم يعني ضياع مكاسب بحرية محتملة، وكل تردد يمنح أطرافا أخرى، من اليونانيين والقبارصة والإسرائيليين والإماراتيين، فرصة لتعزيز مواقعهم الخاصة".
واستطرد: "كل رفض للتوجه نحو أنقرة يمثل هدية لأولئك الذين يفضلون بقاء مصر معزولة، ومعتمدة على الآخرين، ويسهل التنبؤ بتحركاتها".
وعليه خلصت الصحيفة إلى أن "القاهرة تمتلك عرضا قد لا يتكرر، وأن القرار أصبح في يدها، غير أن الوقت لا يعمل لمصلحتها".


















