"المقاطرة" على خط النار.. كيف يهدد التقدم الحوثي طرق الوصول إلى عدن؟

مصطفى كمال | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على بُعد 80 كيلومتراً فقط من عدن، تقترب الحرب اليمنية من نقطة لم تبلغها منذ عام 2015. فقد نقلت وكالة "رويترز" عن أربعة مصادر عسكرية أن جماعة الحوثيين تقدمت إلى هذه المسافة من المدينة، المعقل الرئيس للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وعاصمتها المؤقتة، لتصبح بذلك أقرب إليها مما كانت عليه منذ الأشهر الأولى للحرب، حين دخلتها لفترة وجيزة قبل أن تُطرد منها.

لكن المسألة لا تتعلق بالمسافة وحدها، بل بالطريق الذي أتاح هذا التقدم، والدور الذي باتت تؤديه مديرية المقاطرة في معادلة السيطرة على الجنوب.

فبعد ثلاثة أيام من التقدم الحوثي، بدأت القوات الحكومية، في 3 نوفمبر، استعادة زمام المبادرة في بعض المواقع، لتنفتح الجبهة على مرحلة من الكرّ والفرّ والهجمات المضادة، بدلًا من استمرار التقدم الحوثي دون مقاومة.

وبذلك، لم تعد المقاطرة جبهة يتقدم فيها طرف واحد، بل ساحة مواجهة لم تستقر نتائجها بعد.

المقاطرة.. موقع إستراتيجي 

تقع مديرية المقاطرة في منطقة جبلية تطل على الطريق الرابط بين تعز وعدن، ما يمنح المواقع المرتفعة فيها أهمية عسكرية بالغة، تتيح لمن يسيطر عليها مراقبة حركة القوات والإمدادات. 

وتشير تقارير معهد دراسات الحرب الأميركي (ISW)، ليوم 2 و3 نوفمبر، أن سيطرة الحوثيين على المرتفعات الجبلية في المديرية أتاحت لهم الإشراف المباشر على طور الباحة، التي تمثل منفذاً حيوياً يربط مرتفعات تعز بالسهل الساحلي المؤدي إلى عدن. 

وتبعد طور الباحة نحو 50 كيلومتراً عن مركز محافظة لحج و80 كيلومتراً عن عدن، كما يقع فيها أحد الطرق الرئيسية المؤدية إلى العاصمة المؤقتة، والذي يمثل، بحسب المصادر، آخر نقاط الاتصال البرية بين تعز والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وتبرز في المقاطرة ثلاثة مواقع ذات أهمية إستراتيجية: سوق الربوع، مركز المديرية، وقلعة المقاطرة التي يزيد ارتفاعها على 2100 متر فوق سطح البحر، إلى جانب جبل عُرف، وتمنح السيطرة على هذه المواقع الحوثيين قدرة على الإشراف الناري على خطوط الإمداد البرية التي تربط تعز بعدن. 

ولم يتوقف تقدم الجماعة عند السيطرة على سوق الربوع في 1 نوفمبر إذ أشار معهد دراسات الحرب الصادر في 3 نوفمبر إلى استمرار محاولاتها التوسع جنوباً وجنوب شرق وجنوب غرب المديرية، واندلاع اشتباكات مع القوات الحكومية في مواقع جنوب السوق وجنوب شرقها يومي 2 و3 نوفمبر. 

وبذلك، تبدو المقاطرة ساحة لتحرك يستهدف الضغط على خطوط الإمداد الحكومية من اتجاهين: طريق عدن من الجنوب، وجبهة الساحل الغربي من الشرق.

وتتضاعف أهمية هذا التقدم بالنظر إلى موقع محافظة لحج التي تمثل البوابة البرية لعدن وخط الدفاع الأول عنها، فضلاً عن كونها حلقة وصل بين العاصمة المؤقتة ومحافظات تعز والضالع وأبين والبيضاء. 

كما تشرف بعض مديرياتها على مناطق قريبة من مضيق باب المندب وخليج عدن، ما يضفي عليها أهمية عسكرية تتجاوز حدودها الإدارية، ويجعل السيطرة على طرقها وممراتها عاملاً مؤثراً في أمن عدن والاتصال بين جبهات القتال.

وأظهرت صور جيوفضائية مؤرخة في 2 نوفمبر محاولات حوثية للتقدم جنوباً على امتداد طريق تعز ـ عدن باتجاه طور الباحة، كما رصدت تحركات للجماعة عبر المرتفعات في جنوب غرب المقاطرة نحو السهل الساحلي، واشتباكات في منطقتي الزريقة والمجزاع يوم 3 نوفمبر، على مسافة تقارب 7 و12 كيلومتراً جنوب مواقعها السابقة. 

ويحمل هذا التوسع دلالة تتجاوز تأمين الطريق إلى عدن؛ إذ قد يشير التقدم في المجزاع إلى محاولة الاقتراب من طريق المخا ـ تعز، الذي يبعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي، ويشكل خط إمداد مهماً للقوات الحكومية.

تغيير للخريطة أم تقدم مؤقت؟

يرى معهد دراسات الحرب (ISW) أن التقدم الحوثي يهدد بعزل القوات الحكومية المرابطة داخل تعز وقطع طرق تعزيزاتها، كما يدفع القيادة العسكرية إلى سحب وحدات من جبهات الساحل الغربي وإعادة نشرها في المقاطرة لاحتواء الاختراق. 

لكنه يحذر، في المقابل، من أن مواصلة التقدم جنوباً نحو المناطق المنخفضة ستظل محفوفة بالمخاطر بالنسبة للحوثيين، بسبب انكشاف تحركاتهم أمام الضربات الجوية، ما لم يتمكنوا من إحكام السيطرة على المرتفعات الحاكمة قبل أن تعيد القوات الحكومية تنظيم دفاعاتها.

وفي سياق متصل، أعلنت القوات المسلحة الحكومية تنفيذ 1208 عمليات عسكرية، قالت إنها أسفرت عن تحييد نحو 370 عنصراً حوثياً وتدمير 120 آلية. وتعكس هذه المعطيات انتقال المواجهة إلى مرحلة من الاستنزاف المتبادل، بدلاً من استمرار التقدم الحوثي بوصفه مساراً أحادياً.

وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال محصوراً فيما إذا كان الحوثيون قد حققوا اختراقاً ميدانياً، فهذا أمر تحقق بالفعل، بل في قدرتهم على تثبيت مكاسبهم وتحويلها إلى سيطرة مستقرة. 

فالمقاطرة لا تزال منطقة متنازعاً عليها إذ تتحدث القوات الحكومية عن تقدمها في الصوالحة والخزان الأحمر ومعبق، في حين يحتفظ الحوثيون بمواقع مرتفعة ومناطق إستراتيجية، بينها سوق الربوع وقلعة المقاطرة الاستراتيجية. 

وبذلك، لم تتغير خريطة السيطرة بصورة مكتملة، رغم أن الاختراق الحوثي أحدث تحولاً مهماً في مسار المواجهة وفرض ضغوطاً جديدة على خطوط الدفاع والإمداد الحكومية. وفي هذا السياق، يلفت الخبير العسكري علي الذهب إلى أن التقدم الحوثي لا يعكس بالضرورة تفوقاً عسكرياً للجماعة بقدر ما يكشف عن اختلالات تنظيمية في إدارة القوات الحكومية، وهو تفسير يضع جانباً من أسباب الاختراق في بنية المعسكر المناهض للحوثيين، وليس في القدرات الهجومية للجماعة وحدها.

معضلة الحكومة جيش واحد أم جيوش؟

لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الحسابات العسكرية وحدها هو: لماذا عجزت قوات تتفوق على الحوثيين عددًا وعتادًا، وتحظى بإسناد جوي، عن وقف تقدمهم في مديرية واحدة؟

تكمن الإجابة في طبيعة المعسكر الحكومي نفسه، ففي عدن ولحج وتعز لا توجد منظومة عسكرية موحدة بقرار وقيادة متماسكة، بل تشكيلات متعددة بمرجعيات وحسابات مختلفة، تشمل قوات الجيش الوطني التابعة للحكومة الشرعية، وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي تنظر إلى عدن ولحج بوصفها مجالها الحيوي، إلى جانب قوات العمالقة ودرع الوطن المنتشرة على امتداد الساحل الغربي ومناطق أخرى.

ويمنح هذا التعدد الحوثيين فرصة لاستغلال التباينات داخل المعسكر المناهض لهم وفتح جبهات متزامنة تستنزف قدراته. فعندما تصعّد الجماعة في المقاطرة، لا تجد الحكومة بالضرورة احتياطًا عسكريًا موحدًا وجاهزًا للتدخل، بل تضطر إلى إعادة توزيع قواتها وسحب وحدات من جبهات أخرى، كما حدث مع نقل وحدات من الساحل الغربي إلى المقاطرة، بما يترك مواقعها السابقة عرضة للضغط.

وهذا ما يصفه تقرير معهد دراسات الحرب بوضع الحكومة أمام "معضلات متزامنة"، من خلال إجبارها على المفاضلة بين جبهات متعددة، بحيث يؤدي تعزيز إحداها إلى إضعاف الأخرى.

لذلك، لا تمثل معركة المقاطرة اختباراً لقدرة الحوثيين على تحقيق تقدم ميداني فحسب، بل تكشف أيضاً مدى قدرة الحكومة على توحيد قرارها العسكري وتنسيق تحركات التشكيلات التابعة لها. فغياب قيادة عمليات مشتركة وفاعلة يجعل أي اختراق حوثي قابلاً للتكرار على جبهة أخرى، حتى في ظل امتلاك القوات الحكومية تفوقاً عددياً وتسليحياً.

وفي مواجهة هذه المعضلة، جاءت أولى الخطوات السياسية والعسكرية يوم 3 نوفمبر، بإصدار المجلس الرئاسي قراراً بإعادة هيكلة محور طور الباحة العسكري، شمل إعفاء قائده السابق أبو بكر الجبولي وتعيين اللواء مجدي مناضل ثابت الصبيحي خلفاً له، وتكليف العقيد بسام الحرق برئاسة الأركان والعميد ناجي الشطاف برئاسة العمليات. 

وجاء القرار عقب تحفظ قائد المنطقة العسكرية الرابعة، اللواء حمدي شكري، على الجبولي ونقله إلى عدن. وتزامنت هذه التغييرات مع تعديل وزاري في حكومة الدكتور شائع الزنداني، وتغييرات في قيادة جبهة تعز، شملت تعيين اللواء رشاد اليوسفي مسؤولاً عن الجبهة خلفاً للواء يوسف الشراجي.

وتعكس هذه القرارات إدراكاً رسمياً لضرورة معالجة الاختلالات القيادية والتنظيمية التي كشفتها التطورات الأخيرة، لكنها تظل خطوات إدارية لا تكفي وحدها لتغيير واقع الجبهات ما لم تنعكس على مستوى التنسيق والجاهزية والقيادة الميدانية. 

كما أن الاتهامات التي وجهها ناشطون وأهالي للقيادة السابقة بالتفريط في مرتفعات بالشمايتين والتربة، ثم في المقاطرة، سواء ثبتت صحتها أم ظلت في إطار الاتهامات المتداولة، تكشف حجم أزمة الثقة داخل المعسكر الحكومي، وتزيد من تعقيد مهمة القيادة الجديدة.

ويبقى نجاح هذه التغييرات مرهوناً بقدرتها على تحسين أداء القوات الحكومية ميدانياً، وتثبيت مكاسبها في الصوالحة والخزان الأحمر ومعبق، واستعادة المواقع التي خسرتها، بدلاً من أن تقتصر على تبديل القيادات دون تغيير واقع الانقسام وضعف التنسيق بين التشكيلات العسكرية.

ورقة تفاوض

قد يبدو من السابق لأوانه قراءة التقدم الحوثي في المقاطرة بوصفه تمهيداً حتمياً لاحتلال عدن، فالجماعة تدرك أن التوغل في مدينة ساحلية منبسطة سيجعل قواتها أكثر عرضة للضربات الجوية والبحرية، فضلاً عن صعوبة تأمين خطوط إمدادها وإدارة مدينة بحجم عدن. 

ومن ثم، قد يكون الهدف من هذا التقدم أبعد من السيطرة الجغرافية المباشرة، ويتمثل في توظيف المكاسب الميدانية لرفع سقف المطالب السياسية وتعزيز موقع الجماعة في أي مفاوضات مقبلة.

ويأتي هذا التصعيد في ظل ضغوط دولية متزايدة باتجاه وقف إطلاق النار واستئناف المسار السياسي. ويدرك الحوثيون، استناداً إلى تجربتهم خلال سنوات الحرب، أن امتلاك أوراق ضغط ميدانية قرب عدن يمنحهم موقعاً تفاوضياً أقوى من الاكتفاء بالسيطرة على صنعاء والمناطق الخاضعة لهم. 

كما يحمل التقدم رسالتين إلى الخارج: أولاهما إلى طهران، مفادها أن الجماعة لا تزال تملك قدرة على تهديد الممرات البحرية، وفي مقدمتها باب المندب، وثانيتهما إلى الرياض، بأن استمرار المواجهة في جنوب اليمن قد يرفع كلفة الحرب ويعقّد أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

وبهذا المعنى، قد لا تكون المقاطرة غاية عسكرية نهائية بقدر ما تمثل ورقة ضغط يسعى الحوثيون إلى تحويلها إلى مكاسب سياسية، سواء عبر تكريس واقع سيطرتهم على مناطق جديدة، أو انتزاع تنازلات تتعلق بالموانئ والقيود المفروضة عليها، أو فرض شروط أكثر ملاءمة لهم في أي اتفاق قادم. 

ويعزز هذا الاحتمال تزامن التصعيد الميداني مع انشغال الحكومة بإعادة ترتيب مؤسساتها وإجراء تغييرات وزارية وعسكرية؛ إذ يسعى الحوثيون إلى إظهار أنفسهم باعتبارهم الطرف القادر على فرض الوقائع، في مقابل حكومة لا تزال تعالج اختلالاتها الداخلية وتحاول استعادة زمام المبادرة.

التداعيات الإنسانية ومعادلات الصراع

لا تقتصر تداعيات قطع طريق تعز ـ عدن على تغيير خريطة السيطرة العسكرية، بل تمتد إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. فبحسب وكالة «رويترز»، أدى الحصار إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص، وسط نقص في الغذاء والوقود والأدوية، فيما أدى تعطيل الطريق الذي يمثل منفذاً رئيساً للإمدادات إلى مدينة تعز المحاصرة منذ 2015، إلى تهديد شريان حيوي يعتمد عليه أكثر من مليون نسمة.

وتصاعدت المخاطر مع استهداف الحوثيين السوق العام في طور الباحة بصاروخ باليستي وقذائف مدفعية صباح الثلاثاء 3 نوفمبر، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى مدنيين، ثم استهداف معسكر تدريبي في قعطبة شمالي الضالع صباح الأربعاء 4 نوفمبر. 

وبحسب «عدن الغد»، بلغت الحصيلة الأولية سبعة شهداء و15 جريحاً. وتعيد هذه الهجمات إلى الأذهان استهداف مركز تدريب المجندين في شبوة خلال أكتوبر، بما يعكس خطورة استهداف مراكز إعداد القوات الحكومية وإعاقة رفد الجبهات بتشكيلات جديدة.

وفي الساحل الغربي، اكتمل نزوح ما تبقى من سكان ذوباب، فيما حذرت الحكومة، في 2 نوفمبر، من تداعيات التصعيد وطالبت بحماية المدنيين وفتح طرق تعز. وكشف محافظ تعز نبيل شمسان فقدان السكان نحو ثلاثة ملايين لتر من المياه التي كانت توفرها آبار وادي الضباب، ما يبرز امتداد الصراع إلى الموارد الأساسية ومقومات الحياة.

وتكشف هذه التطورات أن المعركة تجاوزت السيطرة على المرتفعات والطرق إلى الضغط المتزامن على السكان ومراكز التدريب ومصادر الإمداد. فالمقاطرة تضغط على الاتصال بين تعز ولحج، والضالع تتيح تهديد عدن من شمالها، فيما يرتبط الساحل الغربي بأمن باب المندب والملاحة الدولية.

وبذلك تتقاطع ثلاث مسارات للصراع: فك حصار تعز، واحتواء التهديد عن عدن، وحماية الساحل الغربي والطرق الإستراتيجية. ويعني هذا الترابط أن أي اختلال في أحد المحاور قد ينعكس على قدرة الحكومة في الدفاع عن المحاور الأخرى، ويجبر قواتها على توزيع قدراتها بدلاً من تركيزها لاستعادة المبادرة.

ومع ذلك، لا تعني المكاسب الميدانية الحوثية بالضرورة القدرة على تثبيتها أو تحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة، خصوصاً مع تعدد الجبهات وما يفرضه من أعباء عسكرية ولوجستية. وفي المقابل، يتمثل الاختبار الأبرز للحكومة ومجلس القيادة الرئاسي في توحيد التشكيلات والقرار العملياتي، وتحويل التغييرات القيادية الأخيرة إلى قدرة فعلية على تنسيق الدفاع والهجوم.

وفي المحصلة، لم يعد جوهر المعركة مجرد السيطرة على مواقع جغرافية، بل التحكم في طرق الاتصال والإمداد والقدرة على حماية المدن وإدامة القوة العسكرية. فالـحوثيون لم يصلوا إلى عدن، لكنهم باتوا قادرين على تهديد محيطها والضغط على خطوط إمداد تعز والساحل الغربي. وستتوقف مآلات هذا التصعيد على قدرة الحكومة على استعادة المبادرة ومنع تحول المكاسب الحوثية إلى واقع ميداني يصعب تغييره.


المصادر