خسارة ترامب للكونغرس.. هل تدفعه إلى تسوية الحرب مع إيران؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم تعد خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس مجرد انتكاسة انتخابية عابرة، بل فتحت مواجهة سياسية جديدة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تتواصل فيه الحرب ضد إيران وتنعكس كلفتها على أسعار الوقود، وهذا يضع ما تبقى من ولايته (عامين) أمام رقابة ديمقراطية أوسع.

وبحسب النتائج المعلنة حتى يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، حصل الديمقراطيون على 228 مقعدا في مجلس النواب مقابل 139 للجمهوريين، وعلى 54 مقعدا في مجلس الشيوخ مقابل 44. ويمنح هذا التحول قدرة أكبر لمناوئي ترامب على التحقيق والرقابة والتأثير في الأجندة التشريعية والميزانية.

هزيمة مكلفة

امتدت الخسائر الجمهورية إلى ولايات عُدّت معاقل تقليدية للحزب، بينها تكساس وساوث كارولاينا وأوهايو وآيوا وكانساس، بعدما أيدت بعض هذه الولايات ترامب بأغلبية كبيرة في انتخابات 2024؛ إذ حمّل مسؤولون في حملات مجلس الشيوخ الرئيس مسؤولية التراجع.

وقال مسؤولان في حملات انتخابية: إن خسارة الجمهوريين في ساوث كارولاينا وأوهايو وتكساس، وهي ولايات فاز بها ترامب بسهولة قبل عامين، بدت بمثابة رفض مباشر للرئيس. وفق ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس" في 4 نوفمبر. وتكشف هذه النتيجة أن تداعيات الحرب والملفات الداخلية باتت حاضرة في حسابات الناخبين.

ولم ينكر ترامب أثر الحرب على النتيجة؛ إذ قال في مقابلة هاتفية مع صحيفة "وول ستريت جورنال" في 4 نوفمبر: إن "إيران كانت جزءا من الأمر"، لكنه رفض عدّ ذلك سببا يدفعه إلى مراجعة قراره العسكري. وأضاف: "لقد فعلت الصواب، ولو عاد بي الزمن لاتخذت القرار نفسه".

وحاول الرئيس نقل التركيز من الحرب إلى آثارها الاقتصادية، مقدرا أن ارتفاع أسعار النفط وما تبعه من زيادة أسعار البنزين والديزل كان العبء السياسي الأكبر، وبذلك أقر بارتباط الصراع بتكاليف المعيشة التي أثارت استياء الناخبين، لكنه لم يبد ندما على قرار شن الحرب.

ورفض ترامب وصف النتائج بأنها حكم على أدائه، قائلا: إن الانتخابات عكست "لحظة زمنية معينة". ومذكرا بأنه لم يكن مرشحا على بطاقة الاقتراع. كما نفى أن تكون الخسائر مرتبطة بغضب الناخبين من الاقتصاد أو مزاعم الفساد، ولم يبد أسفا لعدم تركيزه أكثر على الملف الاقتصادي.

وفي إشارة إلى تمسكه بخياراته، أعلن ترامب أنه لا يعتزم إجراء تغييرات في المناصب القيادية، وأشاد بوزير الحرب بيت هيغسيث قائلا: "أعتقد أنه رائع بالفعل". كما أقر بأن بعض المرشحين الذين دعمهم لم يكونوا مقبولين لدى الناخبين، مقدرا أن قدرته على مساعدتهم كانت محدودة.

وذهب نائب الرئيس جيه دي فانس إلى أبعد من ذلك حين رأى أن "الحرب في إيران كانت السبب" في الخسارة الانتخابية القاسية. ويعكس هذا التصريح اعترافا من داخل الإدارة بأن الحرب لم تبق ملفا خارجيا، بل تحولت إلى عامل مؤثر في الحسابات الحزبية والانتخابية.

ومن شأن هذه الخسارة أن تجعل تمرير أجندة ترامب التشريعية أكثر صعوبة، بعدما فقد الجمهوريون القدرة على التحرك منفردين في المجلسين. وكان الرئيس قد توعد باستخدام حق النقض ضد أجندة الديمقراطيين. متوقعا أن تقود المواجهة إلى جمود سياسي في واشنطن، بما يضطره إلى التفاوض مع خصومه للوصول إلى تشريعات رئيسة.

رقابة متصاعدة

تضع السيطرة الديمقراطية على المجلسين ترامب أمام معادلة مختلفة؛ إذ لم يعد الجمهوريون قادرين على تمرير التشريعات عبر الكونغرس من دون دعم خصومهم؛ إذ تتيح الأغلبية الجديدة للديمقراطيين إطلاق التحقيقات، وطلب الوثائق والشهادات، ومساءلة كبار المسؤولين عن قرارات الإدارة وسياساتها.

وذكرت صحيفة "الغارديان" في 4 نوفمبر، أن الديمقراطيين سيواجهون ضغوطا من قاعدتهم الانتخابية للسعي إلى عزل ترامب للمرة الثالثة. كما أن فقدان الجمهوريين السيطرة على المجلسين يجعل العامين الأخيرين من الولاية مختلفين عن نصفها الأول، ويفتح الباب أمام احتكاك مؤسسي مستمر.

وقال مساعد رفيع المستوى في الكونغرس لموقع "المونيتور" في 4 نوفمبر، مشترطا عدم الكشف عن هويته: إن الأميركيين أظهروا في استطلاعات متكررة أنهم "سئموا من حرب إدارة ترامب الكارثية على إيران". 

وأضاف المسؤول الأميركي أن وضع حد للحرب والتحقيق فيها سيكونان على رأس أولويات الديمقراطيين في مجلس النواب.

ولا تقتصر أدوات الضغط على التحقيقات والاستماع إلى الشهادات؛ إذ يمكن أن تمتد إلى مسار تخصيص الميزانية ومبيعات الأسلحة؛ إذ إن الديمقراطيين يعتزمون استخدام هذه المسارات لتقييد المساعدات، بما في ذلك التدقيق في الدعم الأميركي لإسرائيل واحتمال تجميد مبيعات أسلحة.

لكن قدرة الديمقراطيين على فرض جدول زمني ملزم لإنهاء الحرب لا تبدو محسومة في المعلومات المتاحة؛ فالرقابة والميزانية تمنحانهم وسائل لمساءلة الإدارة والضغط عليها، إلا أنها لا تشير إلى أنها تضمن انتزاع تعهد محدد من ترامب بشأن موعد وقف العمليات العسكرية.

ويرى أحمد الياسري، رئيس "المركز العربي الأسترالي" للدراسات في حديث لـ"الاستقلال"، أن المرحلة المقبلة ستكون "مرحلة مواجهة بين ترامب والديمقراطيين"، في ظل تلويح الرئيس باستخدام الفيتو لمواجهة أجندتهم. وعدّ ذلك مؤشرا إلى إدراكه احتمال تقييد قرارات إدارته.

وأضاف الياسري أن ملفات الحرب والتسليح والتسوية مع إيران ستكون في صدارة المواجهة، متسائلا عن طبيعة الاتفاق الممكن وما إذا كان سيشمل تنازلات أميركية قد يرفضها الديمقراطيون. لكنه رأى أن تسوية لا تظهر واشنطن بمظهر الطرف المهزوم قد تجد قبولا لديهم، وهو ما يجعل شكل الاتفاق عاملا حاسما.

وفي المقابل، قد تدفع الضغوط الديمقراطية ترامب إلى المساومة لتجنب صدام داخلي يستنزف ما تبقى من ولايته، خصوصا أن خسارة الحزبين في الانتخابات ارتبطت، وفق تصريحات الرئيس ونائبه، بالحرب وكلفتها. غير أن تمسك ترامب بأنه اتخذ القرار الصحيح يبقي احتمال المواجهة قائما.

توازن إقليمي

لا تنحصر تداعيات التحول في واشنطن بمستقبل الحرب، بل تمتد إلى طهران والخليج وإسرائيل؛ إذ نقلت وكالة "رويترز" في 4 نوفمبر عن مصدرين مطلعين على مواقف خليجية أن النتائج قد تمنح ترامب حافزا للتوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، وقد تقلص احتمالات شن هجوم أميركي واسع جديد.

لكن الخسارة الانتخابية قد تدفع طهران أيضا إلى التشدد في التفاوض، بما يجعل أثرها مزدوجا: فهي قد تحفز البيت الأبيض على خفض التوتر، لكنها قد تقنع الجانب الإيراني بأن الضغوط الداخلية الأميركية تقلص خيارات ترامب، وفقا للوكالة.

وحذر الياسري من احتمال أن يدفع ترامب نحو التصعيد لوضع الديمقراطيين أمام واقع الحرب وإحراجهم سياسيا، لكنه لم يعدّه السيناريو الأرجح حاليا. وربط إمكان حدوثه باتجاه الديمقراطيين إلى التصعيد والضغط من أجل عزل الرئيس. مشيرا إلى تلويح ترامب سابقا باستهداف إيران في نهاية ولايته الماضية.

أما العلاقة الأميركية الإسرائيلية، فقد تصبح موضع تدقيق أوسع في مجلس النواب ذي الأغلبية الديمقراطية. وقد يستخدم المشرعون صلاحيات الرقابة ومسار الميزانية لتقييد المساعدات، إلى جانب تجميد مبيعات الأسلحة، والتحقيق في معاملات أفراد من عائلة ترامب ومقربين منه في منطقة الخليج.

ولا يشكل الديمقراطيون كتلة موحدة تجاه إسرائيل؛ إذ أشار الياسري إلى وجود تيارات مؤيدة لتل أبيب وتحظى بدعم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، في مقابل تيارات أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وهذا الانقسام قد يحد من قدرة الحزب على تبني موقف موحد بشأن المساعدات.

ورأى الياسري أن تخفيف الضغوط على إسرائيل قد يتطلب إزاحة بنيامين نتنياهو وإخراج وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش من الحكومة. وطرح احتمال تشكيل حكومة يسارية قد يقودها غادي آيزنكوت بدعم من المجموعة العربية في الكنيست، بما قد يخفف الانتقادات.

وفي قراءة مختلفة، حذّر الإعلامي العراقي أحمد الحاج، في تدوينة على منصة "إكس" في 4 نوفمبر، من المبالغة في الاحتفاء بفوز الديمقراطيين، مذكرا بأن تدمير غزة ولبنان ومقتل حسن نصر الله وتراجع "حزب الله" اللبناني وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وقعت خلال إدارة الرئيس الأميركي جود بايدن الديمقراطية.

وتعكس هذه الملاحظة، وفق مراقبين، أن انتقال السيطرة على الكونغرس لا يعني تحولا جذريا في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، أو تطابق مواقف الديمقراطيين مع تطلعات أطراف إقليمية، وبين رقابة الكونغرس وحسابات البيت الأبيض ومواقف طهران، قد تفتح النتائج نافذة للتسوية دون أن تضمن إنهاء الحرب.