من التحفظ إلى التقارب.. ما الذي يدفع العراق نحو سوريا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، محطة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين؛ إذ تعكس توجهًا نحو فتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، بعد مرحلة اتسمت بالحذر والترقب عقب التغيير السياسي في سوريا أواخر عام 2024.

كما تكشف الزيارة عن تحولات في حسابات بغداد الإقليمية، ومساعيها لإعادة صياغة علاقتها بدمشق على أساس المصالح المشتركة والتحديات التي تفرضها التطورات في المنطقة.

وفي هذا السياق، يتناول الكاتب التركي سرحان تشالشكَان، في مقال نشره مركز أورسام، أبعاد الزيارة ودلالاتها، وانعكاساتها المحتملة على مستقبل العلاقات العراقية السورية والتوازنات الإقليمية.

فبعد فترة من التحفظ العراقي تجاه الإدارة السورية الجديدة، بدأت بغداد تتجه نحو التعامل مع الواقع السياسي الجديد بصورة أكثر براغماتية. 

وهذا التحول يظهر بوضوح في تراجع اعتراضات القوى السياسية الشيعية على إقامة علاقات مباشرة مع دمشق، بعدما كانت هذه القوى تمارس ضغوطاً حالت دون عقد لقاءات على مستوى القادة خلال عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني. 

إنّ هذا التغير يعكس إدراكاً متزايداً بأن النظام الجديد في سوريا أصبح واقعاً سياسياً مستمراً، وأن تجاهله لن يخدم المصالح العراقية. بالتالي، فإن انفتاح حكومة الزيدي لا يمثل تحولاً أيديولوجياً بقدر ما يعكس تكيفاً مع المعطيات الإقليمية الجديدة. 

فبغداد باتت تدرك أن مصالحها الأمنية والاقتصادية تفرض عليها إقامة علاقات مباشرة مع دمشق، بعيداً عن الخلافات السياسية السابقة، والعمل على إدارة التطورات السورية بما يتوافق مع أولوياتها الوطنية.

مصالح محركة للتقارب

واستدرك الكاتب التركي بأنّ ملف الطاقة يُعَدّ أحد أهم دوافع التقارب العراقي السوري، خصوصاً بعد المشكلات التي وَاجهت صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز. فقد أعادت هذه التطورات طرح الحاجة إلى تنويع طرق التصدير، والبحث عن مسارات بديلة تتيح للعراق الوصول إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية.

في هذا السياق، برز مشروعان رئيسان؛ وهما إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس التاريخي، وإنشاء خط جديد يربط البصرة بحديثة ثم بانياس. 

وقد تناول لقاء الزيدي والشرع إمكانية نقل النفط العراقي عبر سوريا، مع طرح قدرة تصديرية قد تصل إلى مليوني برميل يومياً.

لكنّ هذه الطموحات تصطدم بتحديات البنية التحتية والتمويل. فَمشروع البصرة–بانياس يتطلب إنشاء نحو 700 كيلومتر من خطوط الأنابيب بين البصرة ومنطقة حديثة في الأنبار، قبل استكمال امتداده إلى الأراضي السورية. لذلك، يصعب عده حلاً قريباً لمشكلات التصدير العراقية، لكنّه يمثل مشروعاً إستراتيجياً طويل الأمد. أما خط كركوك–بانياس، فرغم أنه أكثر قابلية للتنفيذ فنياً، إلّا أنّ تشغيله بكامل طاقته يظل مرتبطاً بالظروف الاقتصادية والأمنية في البلدين.

وإنّ أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب؛ إذ ترتبط أيضاً بأهداف الولايات المتحدة في العراق. فدعم واشنطن لتنويع مسارات تصدير النفط يمكن أن يسهم في تقليص اعتماد بغداد على إيران، والحد من تأثير التوترات الإقليمية في الاقتصاد العراقي. 

ومن ثم، قد تتحول مشاريع الطاقة عبر سوريا إلى إحدى أدوات التأثير في المساومة السياسية الأميركية مع بغداد، بالتوازي مع الضغوط الرامية إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

في المقابل، يمثل أمن الحدود ومكافحة تنظيم داعش مصلحة مشتركة لا تقل أهمية عن الطاقة؛ فقد استغل التنظيم سابقاً ضعف السيطرة الأمنية في المناطق الصحراوية والريفية الممتدة بين البلدين، وتمكن من التحرك عبر خلايا صغيرة مستفيداً من الثغرات الحدودية. 

ورغم نجاح العراق في الحفاظ على سيطرته على الحدود منذ عام 2024، إلّا أنّ مؤشرات عودة نشاط بعض خلايا التنظيم في مناطق قريبة من الحدود السورية، خصوصاً بين الموصل والأنبار، تؤكد استمرار التهديد.

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ هذا الملف يحمل أبعاداً داخلية عراقية، وذلك بعدما استخدمت بعض القوى السياسية الشيعية والفصائل المقربة من إيران احتمال عودة داعش لتبرير تحفظها تجاه الإدارة السورية الجديدة. 

لذلك، فإن التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق لا يقتصر على تبادل المعلومات ومواجهة التهديدات، بل يسهم أيضاً في تخفيف المخاوف داخل العراق وتعزيز الثقة السياسية بين البلدين. 

ومن المتوقع أن يتحول هذا التعاون إلى ركيزة دائمة للعلاقات الثنائية، بدلاً من بقائه مرتبطاً باللقاءات الرسمية بين القيادتين.

التوازنات الإقليمية

وأردف الكاتب التركي بأنّ أهمية زيارة الزيدي تتجاوز الملفات الثنائية؛ إذ ترتبط بموقع العراق وسوريا في المعادلة الإقليمية المتغيرة. فالتنافس الأميركي الإيراني، والتحركات السعودية لتعزيز الأمن الإقليمي، والعلاقات التركية مع بغداد ودمشق، كلها عوامل ستؤثر في مستقبل التقارب بين البلدين.

ويواجه العراق تحدياً يتمثل في الحفاظ على علاقاته السياسية والأمنية الوثيقة مع إيران، بالتوازي مع تطوير علاقاته مع الولايات المتحدة والدول العربية. 

وفي المقابل، تسعى سوريا إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، بما يمنحها هامشاً أوسع للتحرك السياسي والاقتصادي. 

ولذلك، فإن التقارب بين بغداد ودمشق يعكس رغبة مشتركة في تعزيز موقع البلدين ضمن النظام الإقليمي الجديد، وتجنب الارتهان الكامل لحسابات أي محور.

وأشار الكاتب التركي إلى أنّ تركيا تُعَدّ طرفاً مهماً في هذا الشأن، وذلك نظراً لتقاطع مصالحها مع العراق وسوريا في ملفات أمن الحدود، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وتحويل المنطقة إلى فضاء خالٍ من الإرهاب، فضلاً عن تطوير طرق التجارة والنقل. بهذا يمكن أن يشكل هذا التقاطع أساساً لتعاون ثلاثي يفتح المجال أمام آليات إقليمية أكثر استقراراً وتكاملاً.

وتابع بأنّ زيارة علي الزيدي إلى دمشق تمثّل بداية مرحلة جديدة في العلاقات العراقية السورية،  وهذه البداية فرضتها التحولات السياسية وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية. 

لكنّ نجاح هذا المسار لن يتوقف على استئناف اللقاءات السياسية، بل على قدرة البلدين على تحويل التفاهمات إلى تعاون مؤسسي، خصوصاً في مجالي الطاقة وأمن الحدود. فالعراق يحتاج إلى سوريا لتنويع منافذ تصدير النفط وتعزيز أمنه الحدودي، بينما تحتاج دمشق إلى بغداد لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والإقليمية. 

ومن هنا، لا تعني الزيارة اكتمال التطبيع بين البلدين، بل تمثل انطلاقة لمسار أوسع لإعادة ترتيب العلاقات والتكيف مع التوازنات الإقليمية الجديدة.