اعتراف رسمي بإعدام الصحفي أوستن تايس.. هل يلاحق القضاء الأميركي بشار الأسد؟

"الولايات المتحدة لا تستطيع تنفيذ أوامر القبض داخل أراضي دولة أخرى دون تعاونها"
قدم أحد أبرز مستشاري بشار الأسد شهادة موثقة تفيد بتورط الأسد شخصيًا في تصفية الصحفي الأميركي أوستن تايس الذي تم احتجازه عام 2012 وأودع في سجن سري بدمشق.
واعترف اللواء بسام الحسن، مدير المكتب الأمني والعسكري في القصر الجمهوري لنظام بشار الأسد حتى سقوطه، بأن الأسد أصدر أمرًا بإعدام الصحفي أوستن تايس الذي اعتُقل عند حاجز تابع لمخابرات النظام عام 2012 أثناء تغطيته للقصف على ريف دمشق.

إعدام أوستن تايس
قال اللواء بسام الحسن، في مقابلة بالصوت والصورة مع مراسلة شبكة CNN الأميركية من داخل شقته الحالية في العاصمة بيروت، إن أوستن تايس قد توفي.
وجاء تسجيل حديث الحسن عبر كاميرات خفية ارتداها الفريق، ونشرته شبكة CNN في 28 أكتوبر 2025. وأضاف الحسن أنه أبلغ محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) بموت أوستن تايس، كجزء من صفقة عقدها مع الـFBI لتقديم معلومات عن حقبة المخلوع بشار الأسد، مقابل السماح له بالعودة إلى بيروت في أبريل 2025 من إيران التي لجأ إليها فور سقوط الأسد.
بسام الحسن ضابط برتبة لواء، من مؤسسي مليشيات "قوات الدفاع الوطني" التي شكّلت لقمع الثورة السورية، وقد أصبح مديرًا للمكتب الأمني والعسكري في القصر الجمهوري لنظام بشار الأسد المخلوع، ومستشارًا للشؤون الإستراتيجية للأسد منذ أغسطس 2008 حتى سقوط النظام في الثامن من ديسمبر 2024.
أوستن تايس كان كاتبًا مستقلًا يغطّي الثورة السورية لوسائل إعلام متعددة، بما فيها صحيفة واشنطن بوست، عندما اختُطف في 14 أغسطس 2012 عن عمر يناهز 31 عامًا، عقب إعداد تقاريره الصحفية في مناطق المعارضة السورية بريف دمشق بعد دخوله إلى سوريا عبر لبنان.
لاحقًا، فبرك نظام الأسد المخلوع، بحسب وسائل إعلام المعارضة السورية، مقطع فيديو يدّعي اختطاف أوستن من قبل "جماعات مسلحة مجهولة"، في محاولة لنفي مسؤولية النظام عن اعتقاله.
لكن التسجيل المصور بدا مزيفًا، إذ أُخرج بطريقة مخابراتية بدائية، لدرجة أن أحد مسؤولي الاستخبارات الأميركية وصفه قائلاً: "أولئك الذين أنتجوا التسجيل أمضوا وقتًا طويلًا في مشاهدة تسجيلات قادمة من أفغانستان، ونفذوه بشكل سيئ جدًا".
في الذكرى العاشرة لاختطاف أوستن تايس عام 2022، أكدت إدارة بايدن أنها متأكدة من احتجازه لدى نظام الأسد المخلوع.
ومع سقوط نظام بشار الأسد، أعيد فتح ملف اختفاء أوستن تايس بالكامل، واستُأنفت الجهود للكشف عن مصيره، سواء كان حيًا أم ميتًا.
زارت ديبرا تايس، والدة الصحفي الأميركي، دمشق في 19 يناير 2025، والتقت الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وأكدت لها القيادة السورية الجديدة أنها تعمل على العثور على ابنها.
وأعربت ديبرا حينها عن أملها في التزام الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب بإعادة أوستن إلى منزله، مشيرة إلى أن فريق ترامب تواصل معها بالفعل بخصوص البحث عنه.
ولا يفوت الإشارة إلى أن ديبرا صرحت في مطلع مايو 2025 بأن موقع أوستن تايس كان معروفًا حتى وقت الإطاحة ببشار الأسد، استنادًا إلى سجلات استخباراتية شاملة أتاح لها فريق ترامب الاطلاع عليها أخيرا.

حل اللغز
يقول المسؤولون الأميركيون منذ فترة طويلة: إن جهودهم لتعقب أوستن تايس، الصحفي الذي اختطف في سوريا عام 2012، لم تسفر عن أي معلومات موثوقة بشأن مكان وجوده.
فالحكومة الأميركية لم تتمكن من تحديد موقع تايس بشكل موثوق لمدة عقد على الأقل، على الرغم من الجهود الدبلوماسية والاستخباراتية المكثفة، والتي شملت وساطات من سلطنة عمان ولبنان في السنوات الأخيرة لحل لغز اختفاء تايس لدى نظام الأسد، لكنها لم تكلل بالنجاح.
واليوم، قد تفتح شهادة المستشار السابق لبشار الأسد بشأن تورط الأخير شخصيًا في قتل أوستن تايس ملف الأسد أمام المحاكم الأميركية.
يمكن محاكمة أي شخص، حتى لو لم يكن أميركيًا، إذا قتل أو خطف مواطنًا أميركيًا أو تآمر للقيام بذلك خارج الأراضي الأميركية، شريطة أن يكون بالإمكان القبض عليه أو تسليمه للولايات المتحدة.
وفي حالات خاصة مثل قضية الصحفي أوستن تايس، يمكن للحكومة الأميركية الاستناد إلى القوانين المتعلقة بالإرهاب الدولي أو الجرائم المرتكبة ضد مواطنين أميركيين لتبرير الملاحقة القضائية، حتى إذا كان المتهمون في الخارج، شريطة توفر أدلة قوية على تورطهم، ويمكن إحالتهم إلى القضاء عبر القبض، أو التسليم، أو المحاكمة الغيابية.
ومع ذلك، لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ أوامر القبض داخل أراضي دولة أخرى دون تعاونها.
قال الباحث في مركز "الحوار السوري" أحمد قربي لـ"الاستقلال" إنه لا بد من توضيح نقطة أساسية، وهي أن القضاء الأميركي لم يتدخل حتى الآن بموجب ولايته القضائية في أي قضية تتعلق بالجرائم التي ارتكبها نظام الأسد السابق.
وأضاف قربي أن السبب في ذلك يعود إلى أن القانون في الولايات المتحدة لا يمنح القضاء الأميركي صلاحية النظر في الجرائم المرتكبة خارج الأراضي الأميركية، حتى لو كانت جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وأوضح أن هناك استثناءات محددة، منها الجرائم المصنفة كجرائم إرهاب أو تعذيب ترتكب بحق مواطنين أميركيين، حتى لو وقعت خارج الولايات المتحدة، ففي هذه الحالات يمكن للقضاء الأميركي النظر فيها.

دور القضاء الأميركي
ولفت قربي بالقول: "أعتقد أنه في حالة سقوط نظام الأسد، وربما بحال تحريك الدعوى العامة أمام القضاء الأميركي، فمن المحتمل أن يصدر القضاء مذكرة توقيف بحق بشار الأسد المقيم حالياً في روسيا".
واستدرك: "وبالتالي يصبح من الممكن من الناحية القانونية اتخاذ إجراءات قضائية بحقه، وإن لم يكن بالإمكان القول إن اسمه سيُعمم دولياً كما يفعل القضاء الفرنسي، إلا أن الإطار القانوني لذلك سيكون متاحاً".
ونوّه قربي إلى أنه "قد يكون هناك تشدد أو تدقيق من القضاء الأميركي في هذه المرحلة، نظراً لكون الجريمة منسوبة إلى رئيس دولة، وهو ما يمنح بشار الأسد حصانة مؤقتة قد تعيق النظر في الدعوى".
وأضاف: "الأصل أن القضاء الأميركي يملك الصلاحية للنظر في جرائم الإرهاب والتعذيب المرتكبة بحق مواطنين أميركيين خارج أراضي الولايات المتحدة".
ورأى قربي أن "الدليل المتوفر حتى الآن هو شهادة اللواء بسام الحسن، التي تشير إلى أن بشار الأسد أصدر الأمر بإعدام الصحفي الأميركي أوستن تايس، وهذه الشهادة تُعد دليلاً مهماً وربما الأهم في إثبات علاقة بشار الأسد المباشرة بإعدام أوستن تايس، لكنها ليست دليلاً قاطعاً بحد ذاتها".
وختم قربي بالقول: "في النهاية، يظل العائق القانوني الرئيس هو الحصانة التي يتمتع بها رئيس الدولة، وهو ما قد يمنع إصدار مذكرة توقيف مباشرة بحقه، كما حدث في حالات مشابهة أمام القضاء الفرنسي".
وأصدرت فرنسا مذكرة توقيف دولية جديدة في 23 أكتوبر 2025 في باريس بحق بشار الأسد، بتهمة شن هجمات كيميائية فتاكة عام 2013، ليصل بذلك عدد مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحاكم الفرنسية ضده إلى ثلاث.
وقال مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية حينها إن مذكرة التوقيف هذه، الصادرة بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وُقعت من قضاة تحقيق باريس في 29 يوليو 2025.
كانت محكمة النقض الفرنسية قد ألغت في 25 يوليو 2025 مذكرة التوقيف الصادرة في نوفمبر 2023، استنادًا إلى الحصانة المطلقة لرئيس دولة في السلطة، إذ كان الأسد حينها لا يزال ممسكًا بالحكم.
لكن المحكمة العليا في النظام القضائي الفرنسي أجازت إصدار مذكرات توقيف أخرى بحق الأسد إثر الإطاحة به، وفي اليوم نفسه طلب مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب (Pnat)، المختص بالجرائم ضد الإنسانية، إصدار مذكرة توقيف جديدة بحق الأسد.
وكانت المحاكم الفرنسية قد أصدرت مذكرتي توقيف أخريين بحق بشار الأسد، الأولى صدرت في 20 يناير 2025 بتهمة التواطؤ في جرائم حرب على خلفية قصف منطقة سكنية مدنية في درعا (جنوب غرب سوريا) عام 2017.
أما الثانية فصدرت بتهمة التواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في 19 أغسطس 2012، وتتعلق بقصف مركز صحافي في حمص (وسط سوريا) عام 2012، ما أدى إلى مقتل المراسلة الأميركية ماري كولفين والمصور الفرنسي المستقل ريمي أوشليك.
ويمكن محاكمة رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد في فرنسا، حتى غيابيًا، إذا أمر قضاة التحقيق بذلك عقب التحقيق القضائي.
المصادر
- "سُجن في الطاحونة" ومستشار الأسد يتهمه بإعدامه.. CNN تكشف تفاصيل جديدة حول قضية أوستن تايس الغامضة
- والدة الصحفي أوستن تايس: القيادة السورية الجديدة مصممة على إعادة ابني
- Tice family says U.S. had knowledge of Austin’s location for years
- Mystery of US journalist who vanished in Syria 13 years ago is finally 'solved' in most tragic way














