"مرحلة تجريبية".. كيف سينعكس تخفيف العقوبات الأميركية على حياة السوريين؟

مصعب المجبل | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

بدأت الولايات المتحدة بمراجعة العقوبات المفروضة على سوريا في زمن نظام بشار الأسد البائد، مركزة في البداية على تلك التي تعيق تعافي المواطن السوري وتحسين معيشته في العهد الجديد.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 6 يناير/ كانون الثاني 2025 إصدارها ترخيصا عاما جديدا من العقوبات المفروضة على سوريا؛ وذلك لتوسيع الأنشطة والمعاملات المسموح بها مع هذا البلد خلال الأشهر الستة المقبلة.

تخفيف العقوبات

وأوضحت الوزارة في بيان الإعفاء الإضافي من العقوبات على سوريا أن هذه الخطوة جاءت "للمساعدة في ضمان عدم عرقلة العقوبات للخدمات الأساسية واستمرارية وظائف الحكم في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك توفير الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي".

وأضافت الوزارة في الأمر التنفيذي الذي يحمل الرقم "24"، أن تلك الإجراءات تُبْنى على التفويضات القائمة التي تدعم عمل المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والجهود الإنسانية وجهود الاستقرار في المنطقة.

وقالت الخزانة الأميركية إن القرار لا يسمح أيضا "بأي تحويلات مالية إلى أي شخص يخضع لعقوبات باستثناء تحويلات معينة مسموح بها للمؤسسات الحاكمة أو مقدمي الخدمات المرتبطين بها في سوريا".

وأضافت أنه "خلال هذه الفترة الانتقالية، ستواصل الخزانة دعم المساعدات الإنسانية والحكم المسؤول في سوريا".

وأكدت وزارة الخزانة أنها لم ترفع الحظر عن أي ممتلكات أو مصالح أخرى لأشخاص أو كيانات مدرجة حاليا على لائحة العقوبات.

ويسمح الإعفاء الأميركي ببعض المعاملات الخاصة بالطاقة وبعض الحوالات الشخصية إلى سوريا حتى السابع من يوليو/تموز 2025، غير أن الإجراء لم يرفع أي عقوبات.

ويشير الإجراء الأميركي إلى بعض التقدم في جهود الإدارة السورية الجديدة التي تسلمت البلاد فور الإطاحة ببشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 وشكلت حكومة انتقالية في اليوم التالي؛ لتعزيز العلاقات الدولية.

لا سيما أن نظام الأسد البائد ترك مؤسسات البلاد، وعملته الليرة منهارة (كل دولار يساوي 12 ألف ليرة)، وعجزا كبيرا للسكان في تأمين احتياجاتهم الأساسية من الطعام والشراب.

فضلا عن نقص الخدمات والمياه وشبه انعدام لتوفير الطاقة الكهربائية، وارتفاع كبير في الأسعار التي رغم تراجعها بنسبة 60 بالمئة بعد سقوط الأسد بعد توقف الإتاوات على التجار، إلا أن المدخول المادي للأسر لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.

لذلك طالب قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع، خلال لقائه مع وفود عربية وأوروبية في العاصمة دمشق برفع تلك العقوبات.

وقد كرر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في كل جولاته الخارجية إلى السعودية وقطر والإمارات والأردن دعواته لرفع العقوبات على سوريا.

وعقب لقائه في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في الخامس من يناير 2025، قال الشيباني لوسائل إعلام قطرية: إن "هذه العقوبات تشكل حاجزا ومانعا من الانتعاش السريع والتطوير السريع للشعب السوري الذي ينتظر هذه الخدمات وهذه الشراكات من قبل الدول".

وأضاف الشيباني: "نجدد مطلوبنا أيضا للولايات المتحدة برفع هذه العقوبات التي أصبحت هي عقوبات ضد الشعب السوري على غير ما كانت موضوعها في السابق".

وفرضت واشنطن منذ عام 2011 سلسلة واسعة من العقوبات ضد نظام الأسد البائد ومسؤولين بارزين ورجال أعمال مقربين منه إلى جانب كيانات اقتصادية، وذلك في إطار الضغط لمنع قمع الشعب السوري وانتهاك الحريات العامة والوصول إلى إصلاحات سياسية حينها.

كما أقرت الولايات المتحدة قانون حماية المدنيين الذي يعرف بـ"قانون قيصر" الأميركي في 17 يونيو/ حزيران 2020، وخصص لمعاقبة الداعمين والمتعاملين مع النظام السوري البائد.

ولهذا لا يسمح التفويض الجديد بأي تحويلات مالية إلى أي شخص محظور من قبل الخزانة الأميركية.

وفي الوقت الراهن، فإن تخفيف العقوبات في أكثر من قطاع في سوريا سيسهم في نهاية المطاف في دعم الاستقرار المنشود، وفق الخبراء، لا سيما أن صدور القرار الأميركي جاء على وقع جهود حثيثة تبذلها الحكومة الانتقالية لرفع العقوبات عن البلاد.

لكن المجتمع الدولي يبدي ترددا في رفع العقوبات بشكل كامل، حيث قالت دول عدة بينها الولايات المتحدة إنها تنتظر لترى “نهج السلطات الجديدة في الحكم”.

إيجابيات مباشرة

ويقول الخبراء إن العقوبات الأميركية تؤثر على العمليات الإنسانية من خلال قطع الأموال التي تحتاجها البلاد بشدة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

إلا أن تخفيف تلك العقوبات في هذا التوقيت من شأنه أن ينعكس على حياة المواطن السوري عبر اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين الخدمات وحل أزمة الكهرباء في البلاد التي تعاني نقصا حادا في الطاقة.

إذ لا تتوفر إمدادات الكهرباء من الدولة السورية إلا لساعتين أو ثلاث ساعات يوميا في معظم المناطق، بينما تهدف الحكومة الانتقالية إلى توفير الكهرباء لثماني ساعات يوميا في غضون شهرين. 

ومحطات التوليد والتحويل وخطوط الربط الكهربائي بحاجة لإعادة تأهيل مع خطوط النقل كذلك لتكون الشبكة قادرة على نقل الطاقة التي تضررت خلال السنوات السابقة.

وأكد مدير عام المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، خالد أبو دي، أن سوريا ستستقبل سفينتين لتوليد الكهرباء من تركيا وقطر لتعزيز إمدادات الطاقة المحدودة بسبب أضرار لحقت بالبنية التحتية خلال عهد الرئيس المخلوع الأسد.

وقال أبو دي لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في 7 يناير 2025، إن السفينتين ستولدان 800 ميغاوات "وهو ما يعادل نصف ما يتم توليده حاليا في سوريا، الأمر الذي سيسهم في زيادة حصة المواطن من الكهرباء بنسبة 50 بالمئة تقريبا".

ومن شأن هذا الإعفاء الأميركي كذلك، السماح للمنظمات الإنسانية بالعمل بحرية أكبر دون الوقوع في مخالفة العقوبات الأميركية، وذلك من خلال المساعدة في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي.

وبعد سقوط الأسد تكافح الأُسَر ومنظمات الإغاثة لإرسال الأموال إلى سوريا بطريقة آمنة من دولهم.

 إذ يعيش نحو 90 بالمئة من سكان سوريا في فقر مدقع، حيث تعاني مئات آلاف الأسر لتأمين وجباتهم الأساسية.

وضمن هذه الجزئية، أكد الباحث السوري، مدير موقع "اقتصادي"، يونس الكريم، أن “هذه الاستثناءات الأميركية من العقوبات على سوريا فيها جوانب إيجابية تخص معيشة وحياة المواطن ومنها تسهيل وصول الحوالات المالية الشخصية”.

وأوضح الكريم لـ"الاستقلال" أن "هذا يعني أن المواطن السوري تحرر من الطرق السوداء والملتوية والتي تعرضهم للعقوبات نتيجة عمليات التحويل من الخارج إلى سوريا، وهذا يشير إلى أن عملية التسلم المالي الشخصي في سوريا باتت أكثر أمانا".

وأضاف قائلا: "السماح لموارد الطاقة بالدخول إلى سوريا يعكس سهولة توفر المحروقات في المناطق السورية، وبالتالي ستزيد الحصص وتنخفض أسعارها على جيب المواطن، وبعدما أصبح الاستيراد ممكنا عبر موانئ سوريا ما يعني أن إرسال المشتقات النفطية للمدن ستصبح أسهل وأقل تكلفة".

وفي ملف الكهرباء، أوضح الكريم "أن الإعفاء سيعيد ترميم هذا القطاع عبر الهبات المقدمة من الدول العربية بالدرجة الأولى، ما يعني زيادة في ساعات الكهرباء للمواطنين في الفترة القادمة".

تحريك السيولة

ولفت الكريم إلى أن "الإعفاء الإضافي الأميركي يحمل بعض العبارات المبهمة التي يمكن للحكومة الانتقالية الاستفادة منها كالاستفادة من الأموال المقدمة لها بموجب الإعفاءات في شق الطرق ومد خطوط الكهرباء مع الجارة الأردن وعدم انتظار رفع العقوبات بشكل كامل عن سوريا للبدء في مثل هذه المشاريع المهمة". 

ويرى الباحث الاقتصادي أن "تعهد دول عربية مثل السعودية وقطر بدفع رواتب للموظفين الحكوميين يمكن أن يسهم في تحريك السيولة في السوق مما ينعكس في تحريك الدولار لدى النظام المصرفي السوري". 

وختم بالقول: "الإعفاء الأميركي يحمل دعما للمجتمع المدني السوري وهو ما يعمل على مساعدة السلطات الحالية"

جدير بالذكر أن وزير التجارة السوري الجديد ماهر خليل الحسن حذر في 6 يناير 2025 من أن دمشق غير قادرة على إبرام صفقات لاستيراد الوقود والقمح وغيرهما من السلع الحيوية بسبب العقوبات الأميركية الصارمة، رغم رغبة العديد من الدول، بما في ذلك دول الخليج العربية في القيام بذلك.

وقال الحسن لوكالة رويترز البريطانية، إن الإدارة السورية الجديدة تمكنت من جمع ما يكفي من القمح والوقود لعدة أشهر، لكن البلاد تواجه "كارثة" إذا لم يتم تجميد العقوبات أو رفعها قريبا.

ولهذا، فإن استمرار مجموعة واسعة من العقوبات الغربية تعيق تعافي الاقتصاد السوري وتمنع عجلته من الدوران.

والعقوبات على سوريا من قبل الاتحاد الأوروبي لا تزال قائمة، حيث صرح مسؤولون أوروبيون عقب سقوط الأسد بأن العقوبات "لن ترفع إلا بعد أن يثبت الحكام الجدد أنهم سيحمون الأقليات ويشركون جميع السوريين في السلطة".

إلا أن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو قال خلال تصريح إذاعي في 8 يناير 2025 إن بعض العقوبات المفروضة على سوريا "قد ترفع سريعا".

وأضاف الوزير الفرنسي الذي زار دمشق رفقة نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك والتقيا قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع "ثمة عقوبات مفروضة على الأسد وجلادي نظامه، هذه العقوبات بطبيعة الحال لن ترفع. وثمة عقوبات أخرى تعرقل حاليا وصول المساعدات الإنسانية ما يمنع انتعاش البلاد، وهذه قد ترفع سريعا".

وقد نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين طلبوا عدم ذكر أسمائهم أن الاتحاد الأوروبي سيسعى إلى الموافقة على رفع بعض العقوبات بحلول الوقت الذي يجتمع فيه وزراء خارجية الاتحاد ببروكسل في 27 يناير 2025.

وأوضح اثنان من المصادر أن أحد الأهداف هو تسهيل المعاملات المالية؛ للسماح بعودة الأموال إلى البلاد وتسهيل النقل الجوي وتخفيف العقوبات التي تستهدف قطاع الطاقة لتحسين الإمدادات.

وفي تطور إيجابي آخر لحكام سوريا الجدد، استؤنفت الرحلات الجوية الدولية إلى مطار دمشق الدولي بدءا من 7 يناير 2025 بعدما توقفت عقب سقوط نظام الأسد البائد.