آسيان تتقرب من الصين والخليج.. تحالف اقتصادي جديد ضد رسوم ترامب

عدد سكان تجمع آسيان 690 مليون نسمة مع ناتج محلي إجمالي يتجاوز 3 تريليونات دولار
كشف تقرير ألماني عن عزم دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) دعوة الصين ودول الخليج العربية قريبا إلى قمة مشتركة، في “ظل تشكل تحالفات تجارية جديدة تحت وطأة السياسة الجمركية العدوانية” التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وسلّط موقع “دويتشه فيله” الضوء على الفرص العديدة التي يوفرها التعاون بين رابطة "آسيان" وكل من الصين ودول الخليج، بالإضافة إلى رد الفعل المحتمل من الولايات المتحدة.
ورابطة "آسيان" منظمة اقتصادية تضم 10 دول هي: تايلاند، وإندونيسيا، والفلبين، وماليزيا، وسنغافورة، وبروناي، وكمبوديا، وميانمار، وفيتنام، ولاوس، وتأسست في 8 أغسطس/ آب 1967 بالعاصمة التايلاندية بانكوك.
ترقب أميركي
ورأى الموقع أن دعوة ماليزيا ممثلين عن دول الخليج والصين لحضور قمة "آسيان" في مايو/أيار 2025؛ ستثير اهتمام العديد من المراقبين، ليس فقط داخل كوالالمبور نفسها، التي تترأس هذا العام التحالف الإقليمي المكون من عشر دول، بل في واشنطن كذلك.
وأضاف: “رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، يؤكد أن القمة ليست موجهة ضد الولايات المتحدة، ولا تعني الانحياز إلى طرف ما”.
ولكنه "يشدد على أن الهدف منها هو ضمان الأهمية الإستراتيجية لرابطة آسيان في عالم متعدد الأقطاب".

مع هذا، يشير الموقع الألماني إلى أن "خطة أنور لتشكيل تحالف تجاري بين دول "آسيان" والاقتصاد الصيني الضخم ودول الخليج الغنية بالموارد والمستعدة للاستثمار، قد تُقابل برفض من واشنطن.
وعزا سام بارون، الباحث في مجلس يوكوسوكا لدراسات آسيا والمحيط الهادئ في اليابان الرفض الأميركي المحتمل إلى أن دول آسيان وبعض بلدان الخليج والصين تحقق فائضا تجاريا كبيرا مع الولايات المتحدة، مما يجعلها هدفا لحروب ترامب التجارية.
وأكمل بارون: “ترامب لا يتردد في استخدام السياسة التجارية كأداة ضغط عنيفة”، مؤكدا أن "على أنور أن يكون حذرا".
شركاء تجاريون
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي نحو 2.1 تريليون دولار أميركي عام 2023، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي.
وتستحوذ السعودية والإمارات وحدهما على ما يقرب من ثلاثة أرباع الناتج الاقتصادي لهذا التكتل الخليجي.
وبحسب الموقع، تعد دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) واحدة من أسرع المناطق الاقتصادية نموا في العالم؛ حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 690 مليون نسمة.
وفي عام 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للدول العشر الأعضاء نحو 3.8 تريليونات دولار أميركي، وأسهمت إندونيسيا، وهي الدولة الأكبر من حيث عدد السكان في المجموعة، بنحو ثلث هذا الناتج.
وأردف: "بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تُعد دول آسيان بالفعل شركاء تجاريين مهمين؛ حيث يحتل التكتل المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والصين".
وتابع: "أما من جهة آسيان، فيتمثل أهم شركائها التجاريين في الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان".
واستدرك الموقع: “لكن تحالف آسيان ليس متجانسا تماما؛ حيث يضم دولا فقيرة مثل لاوس إلى جانب دول غنية ومتطورة مثل سنغافورة، كما أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في ماليزيا يكاد يكون ضعف نظيره في تايلاند".
انعكاسات إيجابية
وتوضح فرانسواز هوانغ، كبيرة الاقتصاديين لدى شركة التأمين على الائتمان “أليانز تريد”، أن "دول آسيان استفادت خلال السنوات الأخيرة من التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث تمكنت من كسب حصص في الأسواق العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية".
وأفادت للموقع الألماني بأن “العديد من الشركات في الدول الصناعية باتت تعتمد بشكل متزايد على دول آسيان منذ أزمة فيروس كورونا وما تبعها من اضطرابات في سلاسل التوريد مع الصين”.
إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع استثمارات قطاع التصنيع القادمة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى دول "آسيان" لتصبح ضعف تلك المتجهة إلى الصين، بعد أن كان الوضع معكوسا في عام 2018.

ورأت هوانغ أن "دول آسيان" أصبحت أيضا وجهة جذابة للشركات الصينية، مستشهدة بمصنعي السيارات الصينيين الذين تضاعفت استثماراتهم في المنطقة ثلاث مرات بين عامي 2015 و2023.
وتؤكد الباحثة في مركز دراسات آسيان في سنغافورة “شارون سيه” أن تعميق التعاون بين الرابطة المذكورة ودول الخليج منطقي للغاية.
وتابعت: "رغم أن أرقام التجارة بين آسيان ومجلس التعاون الخليجي لا تزال متواضعة نسبيا، فإن هناك مجالا كبيرا للنمو".
وأوضحت أن "الهدف الإستراتيجي الأكثر أهمية بالنسبة لدول آسيان هو تنويع علاقاتها التجارية وتعزيز التعاون خارج حدود المنطقة".
ورقة رابحة
وأكد الموقع أن دول "آسيان"، وبالأخص ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، "تمتلك ورقة رابحة مهمة في التجارة العالمية"؛ إذ "تتحكم في مضيق ملقا، الذي يمر عبره أكثر من ربع حجم التجارة العالمية، كما تمر عبره 80 بالمئة من شحنات النفط القادمة من الشرق الأوسط إلى الصين واليابان".
وأضاف: "في الوقت الحالي، لا يمكن رؤية سوى ملامح غير واضحة لسياسة ترامب للرسوم الجمركية، والتي تستهدف بشكل أساسي الصين، مما يصعب التنبؤ بكيفية تغير التحالفات التجارية".
وتؤكد شارون سيه أن "دعوة ماليزيا للصين خطوة غير مسبوقة، وقد تُفسر على أنها محاولة لتعزيز تعاون آسيان مع كل من بكين ومجلس التعاون الخليجي ضمن شراكة ثلاثية، بهدف الاستفادة من نقاط القوة لدى جميع الأطراف".
"هنا يأتي دور قوة دول الخليج، التي تمتلك سيولة مالية ضخمة من عائدات بيع النفط والغاز، مما يجعلها قادرة على الاستثمار في الخارج، خاصة في مجالات إستراتيجية مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي"، يقول الموقع.
وتابع: “يمكن أن تستفيد بعض دول آسيان من ذلك”، وهو ما أكدته فرانسواز هوانغ، التي تعتقد أن "صناديق الثروة السيادية لمجلس التعاون الخليجي قد تصبح مساهمة في الشركات الكبرى في دول الرابطة مما يدعم نموها على المستويين المحلي والدولي".
فرصة قوية
ويشير الموقع إلى دراسة حديثة أجرتها شركة "أليانز تريد" المتخصصة في التأمين على الائتمان التجاري وإدارة المخاطر المالية؛ حيث تشير إلى "أن بعض دول المنظمة لديها فرص قوية لتعزيز مكانتها في التجارة العالمية".
وتقول هوانغ: "لقد درسنا الكفاءة والاتصال والإمكانات التجارية لتحديد أهم 25 محورا تجاريا في المستقبل، وقد حصلت بعض دول آسيان على مراكز متقدمة؛ حيث جاءت ماليزيا في المرتبة الثانية وبعدها فيتنام، وإندونيسيا في المرتبة الخامسة".
واستطرد الموقع: "ومن اللافت أن الدولة التي احتلت المرتبة الأولى في القائمة، هي الإمارات، الشريك الخليجي الجديد لرابطة آسيان".
وأفاد بأنه "حاليا، يذهب حوالي 20 بالمئة من صادرات دول آسيان إلى الولايات المتحدة، ولذلك ليس من المستغرب أن تسعى بعض دول الرابطة إلى نهج دبلوماسي متنوع في ظل السياسات التجارية الأميركية الأكثر عدوانية".

وأضاف: "نجد أن إندونيسيا قررت الانضمام إلى مجموعة بريكس، مع الاستمرار في دفع خطتها للانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)".
كما "تسعى ماليزيا أيضا إلى عضوية مجموعة بريكس، وهو تكتل يضم الأسواق الناشئة وسُمي وفقا للأحرف الأولى من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، لكنه توسع ليشمل عشرة أعضاء، من بينهم إيران".
في المقابل، أوضح الموقع أن "الولايات المتحدة تراقب مجموعة بريكس عن كثب، نظرا لسعيها إلى تقويض هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، وهو أمر تدركه إندونيسيا وماليزيا".
واختتم بالقول: "يبدو أن دونالد ترامب مستعد لاتخاذ إجراءات صارمة؛ حيث هدد بالفعل بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100 بالمئة في حال لعبت دول بريكس بالدولار".