خلافات إسرائيل تتعمق.. من يتحكم بقرار استمرار العدوان على غزة بعد حل مجلس الحرب؟

حسن عبود | منذ ٥ أشهر

12

طباعة

مشاركة

رغم اغتيال العديد من قادة الصف الأول في حركة المقاومة الإسلامية حماس، تتواصل الخلافات الإسرائيلية بشأن إنهاء العدوان المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وازدادت الخلافات تعقيدا وأصبحت الضبابية سيد الموقف، منذ أن حل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مجلس الحرب الإسرائيلي بشكل غير معلن في يونيو/حزيران 2024.

خلافات مستمرة

ولم تنته الخلافات رغم اغتيال جيش الاحتلال رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران، فضلا عن استشهاد الرجل الثاني في الحركة قبله صالح العاروري بقصف على بيروت.

وبعدها، قتل رئيس المكتب السياسي الأخير للحركة يحيى السنوار في 16 أكتوبر خلال اشتباك في رفح جنوب قطاع غزة، لتسود ترجيحات عن إمكانية حدوث حلحلة في قضية وقف العدوان وإتمام صفقة تبادل أسرى.

لكن رغم ذلك، يواصل نتنياهو وعدد من وزرائه المتطرفين التلويح بحل الحكومة حال الذهاب نحو صفقة ويرغبون باستمرار الحرب مع دعوات لإعادة احتلال قطاع غزة والقضاء على حماس بشكل كامل.

وفي أكتوبر 2024، وبعد رحيل السنوار الذي كان نتنياهو يدعي وقوفه حائلا أمام توقيع الصفقة، عادت الاجتماعات في مصر وقطر من أجل بحث إمكانية تحقيق ذلك.

وتسعى المحادثات للتوصل إلى اتفاق جديد قصير الأمد وتبادل بعض الأسرى دون وقف إطلاق نار كامل ودون الانسحاب من قطاع غزة، وهو ما ترفضه حماس.

وتسود خلافات اليوم بين فريقين إسرائيليين، الأول يرى أنه لا يمكن القضاء على حماس بالكامل وينادي بضرورة الاستفادة من "الإنجازات" الأخيرة التي أدت إلى مقتل هنية والسنوار وعدد من قادة حماس وتقديمها للجمهور ومن ثم إنهاء الحرب.

وهذا الفريق يقوده وزير الجيش يوآف غالانت ورئيس جهاز الأمن العام "الشاباك" رونين بار، ورئيس أركان الجيش هيرتسي هاليفي ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجي “الموساد” ديفيد برنياع.

ويدفع هؤلاء باتجاه تنفيذ صفقة ويحذرون من امتداد التصعيد نحو الضفة الغربية، في وقت يريدون إلقاء الثقل العسكري على لبنان لإبعاد حزب الله عن الحدود من أجل إرجاع المستوطنين في الشمال إلى مستوطناتهم.

وكان عضوا مجلس الحرب سابقا بيني غانتس وغادي آيزنكوت ضمن هذا الفريق، لكنهما استقالا بسبب مماطلة نتنياهو في تحقيق صفقة لإعادة الأسرى وعدم وجود إستراتيجية لليوم التالي للحرب على غزة.

وعقب انسحاب غانتس بأسبوع، حل نتنياهو مجلس الحرب ليعود القرار إلى مجلس الوزراء الأمني المصغر "الكابنيت".

ولكن يظهر عدم وجود تقدم، تحكم نتنياهو ووزراؤه المتطرفون بالقرار، في وقت قال مسؤولون بعد حل مجلس الحرب إن رئيس الوزراء "سيعقد منتديات أصغر بشأن المسائل الحساسة".

أما الفريق الآخر، فيرى ضرورة استمرار الحرب وإعادة احتلال قطاع غزة ويمثله وزيرا الأمن القومي إيتمار بن غفير، والمالية بتسلئيل سموتيريتش.

وبدأت الخلافات بين أعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي في الظهور مبكرا على الملأ، عما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تتفاوض لإنهاء الحرب واستعادة الأسرى، ومن ينبغي له أن يحكم القطاع المدمر بعد انتهاء العدوان.

بن غفير وبار

لكن التجاذبات لم تنته مع عودة المفاوضات أخيرا خلال أكتوبر 2024، وكان آخرها بين إيتمار بن غفير ورئيس جهاز الشاباك رونين بار.

ويعد رونين بار مسؤولا عن التفاوض مع المخابرات المصرية حول ملف الأسرى الإسرائيليين بغزة، لكنه بات يفقد نفوذه في الساحة السياسية الداخلية لدرجة أنه يفكر في الاستقالة، وفق ما كشفت إنتليجنس أونلاين.

وأوضحت المجلة الفرنسية الاستخباراتية في 28 أكتوبر 2024، أن بار يكافح لتثبيت نفوذه في تل أبيب، رغم إيفاده إلى القاهرة في العشرين من نفس الشهر لإجراء محادثات مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصري المعين حديثًا حسن محمود رشاد.

 وتقول مصادر المجلة إن بار يشعر بالتهميش، نتيجة لخلافه المتزايد في مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي مع وزير الأمن القومي.

وكانت زيارة بار الأخيرة إلى القاهرة هي الثانية على التوالي خلال نفس الشهر، فقد زارها في 14 أكتوبر للقاء رئيس المخابرات العامة السابق عباس كامل، الذي عُين الآن مستشارا أمنيا لرئيس النظام عبد الفتاح السيسي. 

وحرص بار في زيارته للقاهرة على إحياء المفاوضات حول ملف الأسرى الإسرائيليين وإمكانية وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكنه مع ذلك عاد إلى تل أبيب دون تحقيق تقدم كبير، عملا بتعليمات نتنياهو خلال زيارته الأولى، وفق المجلة.

 وفي زيارته الثانية، أمل بار في الاستفادة من مقتل يحيى السنوار، وعقد صفقة تبادل لكن دون جدوى حتى الآن.

فعند عودته من مصر، خطط بار لتقديم مقترح الصفقة لمجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي الذي اختص بالموافقة على جميع القرارات المتعلقة بإدارة الحرب منذ حل مجلس الوزراء الحربي، لكن بن غفير منعه من القيام بذلك. 

ورغم حصوله على دعم وزير الجيش غالانت ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي هيرتسي هاليفي ورئيس الموساد ديفيد برنياع، فإن بار يعاني من التعارض الأيديولوجي والشخصي المتزايد بينه وبين الوزير بن غفير الذي بات عنصرا رئيسا في حكومة نتنياهو الائتلافية.

وضمن الخلافات بين الطرفين، يذكر هنا إرسال بار في أغسطس/آب 2024، رسالة إلى نتنياهو وعدة وزراء آخرين احتجاجا على اقتحامات بن غفير المتكررة للمسجد الأقصى وتساهله مع تجاوزات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.

وينظر المستوى العسكري والأمني الإسرائيلي بخطورة إلى سياسات بن غفير في المسجد الأقصى، ويرى أنها يمكن أن تؤجج الأوضاع في الداخل وسط الجبهات المشتعلة في غزة ولبنان.

ويتولى بن غفير مسؤولية الشرطة الإسرائيلية، لكنه يتعرض لانتقادات عديدة بسبب فشله في التعاون الميداني مع الشاباك. 

وتصاعدت الاتهامات الموجهة إلى بن غفير في أعقاب تعيين مساعده أفيشاي معلم رئيسا لقسم التحقيقات والاستخبارات في الشرطة، والذي تشير المصادر إلى أنه لم يعد يتعامل مع تجاوزات المستوطنين بناء على معلومات جهاز الشاباك الاستخباراتية. 

ورغم ذلك، لا يزال بار يحظى بدعم نتنياهو، وقد رافقه خلال زيارته لمقر جهاز الشاباك في 15 أكتوبر، ولكنه يفكر في الاستقالة خاصة في ضوء خسارته لنفوذه في مجلس الوزراء الأمني.

نتنياهو وغالانت

وفي ظل تغريد غالانت برأي مخالف عن نتنياهو وعدد من وزرائه، بدأت تقارير عبرية بالحديث منذ شهور عن تفكير رئيس الوزراء الإسرائيلي في إقالة وزير جيشه وتعيين جدعون ساعر في مكانه.

وجدعون ساعر قيادي سابق في حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو، وانشق عنه نهاية عام 2020 بسبب خلافات مع نتنياهو.

لكن كان نتنياهو يخشى من تبعات إقالة وزير جيشه في خضم حرب على جبهتين، ولذلك عين ساعر نهاية سبتمبر/أيلول 2024، وزيرا بلا حقيبة من أجل مساندته. 

وتفجرت الخلافات أخيرا بين غالانت ونتنياهو بسبب إصرار الأخير على البقاء في محور فيلادلفيا الحدودي بين غزة ومصر وعرقلته صفقة تبادل الأسرى مما أدى إلى مخاوف لإقالته.

وأقال نتنياهو غالانت عام 2023 بعد دعوته إلى تأجيل خطة “الإصلاح القضائي” ما أثار احتجاجات واسعة وغضبا أميركيا دفع رئيس وزراء الكيان للتراجع عن خطوته.

وقال موقع "تايمز أوف إسرائيل" الإخباري العبري، إن ضم ساعر إلى الحكومة يحد من فرص تهديدات بن غفير (يرأس حزب القوة اليهودية ويحظى بـ6 مقاعد بالكنيست)، بإسقاط الحكومة في حال الموافقة على مطالب معينة يطرحها.

ولحزب ساعر 4 أعضاء في الكنيست ما يعني أنه بات للحكومة الحالية 68 صوتا بالبرلمان، ما يعزز وضعها في ظل دعوات المعارضة لاستقالتها والتوجه إلى انتخابات مبكرة.

ورجحت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن يصوّت ساعر مع مشروع قانون يسمح باستثناءات في تجنيد المتدينين اليهود.

وكان غالانت عارض التصويت لصالح مشروع القانون، الذي يصر حزبا "شاس" و"يهدوت هتوراه" الدينيين على المصادقة عليه، ما لم يوافق عليه حزب "معسكر الدولة" برئاسة بيني غانتس.

وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قررت في شهر يوليو/تموز 2024، إلزام جميع الإسرائيليين، بمن فيه المتدينون، بالخدمة العسكرية.

ومن شأن المصادقة على المشروع الذي تسميه المعارضة قانون التهرب من التجنيد، أن يمنح المتدينين استثناءات من الخدمة العسكرية.

وكان ساعر جزءا من حكومة الطوارئ التي شكلت بداية الحرب على غزة، لكنه انسحب منها في مارس/ آذار 2024 بسبب عدم ضمه لمجلس الحرب حينها.

إلى أين؟

وإضافة إلى الوزراء والمسؤولين، دخل جيش الاحتلال على خط الخلاف، حيث وقع 130 جنديا مجندا واحتياطيا على رسالة في أكتوبر 2024، تفيد بأنهم سيرفضون الاستمرار في الخدمة إذا لم يسع نتنياهو إلى التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الأسرى.

وعن الخلافات بين قادة الاحتلال، تقول المحللة الإسرائيلية في مجموعة الأزمات الدولية ميراف زونسزين، إن الانقسامات تخلق نوعا من الشلل الذي يمنع الحكومة من تنفيذ إستراتيجية فعالة.

وقالت لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية في يناير/كانون الثاني 2024، إن هذا قد ينتهي بإعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة، تماما كما احتلت جنوب لبنان لمدة 15 عاما منذ ثمانينيات القرن العشرين، مضيفة: "لا توجد إستراتيجية للخروج".

وهو رأي يتفق معه غالانت وغانتس اللذان صرحا سابقا أن عدم نجاح نتنياهو في إنشاء بديل لحركة حماس سيقود الجيش في النهاية لاحتلال قطاع غزة “وهو ما سيكون خطيرا على الدولة اليهودية”.

وفي المقابل، أكد نتنياهو أكثر من مرة أنه بدلا من التركيز على ما يسمى بقضايا "اليوم التالي"، يتعين على الجيش صب جهوده “على هزيمة فلول حماس”، وفق تعبيره.

ويرفض نتنياهو أي تدخل من جانب السلطة الفلسطينية، التي تحكم أجزاء من الضفة الغربية، في قطاع غزة، والذي كانت تسيطر عليه قبل أن تطردها حماس منه عام 2007.

وبينت زونسزين أن مخالفة غالانت لنتنياهو مدفوعة بمزيج من الحسابات السياسية والعسكرية لرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي مناقشة خطط اليوم التالي للحرب.

وتعتقد أن "غالانت يشعر بالمسؤولية تجاه إرسال شباب في العشرين من العمر في مهمة فاشلة بوضوح".

وانتقلت الخلافات بين قادة الحرب حول مصير الأسرى إلى انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي لتشير إلى تمزق أكثر جوهرية.

وقال موقع “counterfire” البريطاني في 9 أكتوبر 2024، إنه “بعد مرور عام على الهجوم العسكري الإسرائيلي المستمر، أصبحت المنطقة أشبه ببرميل بارود، وباتت إسرائيل نفسها في قبضة مرض اقتصادي وأزمة اجتماعية وسياسية عميقة”. 

وبين أن “الزعماء السياسيين الإسرائيليين يواصلون المضي قدما دون إستراتيجية خروج متماسكة، في مواجهة المقاومة التي لا يستطيعون إخضاعها وموجة من الاشمئزاز الدولي لا تزال تنمو تجاههم”.

وأردف: “لا جدال في قسوة إسرائيل، وهي تلعب دورا خطيرا للغاية، ولكن في الوقت نفسه، فإن الدولة الصهيونية غير مستقرة ومستقبلها غير مؤكد إلى حد كبير”.

وبدورها، رأت وكالة بلومبيرغ الأميركية في مايو/أيار 2024، أنه “إلى أن تنتهي الحرب وتتضح الصورة بشأن ما سيحدث لقطاع غزة، فمن المرجح أن تتفاقم الانقسامات الداخلية في إسرائيل وتتدهور مكانتها العالمية”.