خلاف بين الفاتيكان والكاثوليك في مصر.. هل يصبح الشواذ كهنة؟

إسماعيل يوسف | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

أثارت الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا جدلا جديدا عندما نشرت في 10 يناير/كانون ثان 2025 وثيقة بشأن الهوية الجنسية للكهنة.

وأصدر "مؤتمر الأساقفة الإيطاليين" ما سُمي "إرشادات مستحدثة" يقبلون فيه ضمنا الشواذ كأساقفة.

وردت الكنيسة الكاثوليكية في مصر، برئاسة البطريرك إبراهيم إسحق، خلال بيان في 16 يناير 2025 قالت فيه إنها تنفي السماح بأن يصبح الشواذ كهنة.

وهو ما يشير إلى تضارب بين الكنيسة الكاثوليكية الأم في روما (الفاتيكان)، ونظيرتها في مصر، عززه بعض الرفض الغربي لوجود قساوسة شواذ.

لكن مراجعة ما سبق أن أصدرته قيادة الكنيسة الكاثوليكية في العالم (الفاتيكان) في 8 أبريل/نيسان 2024 والذي أقرت فيه نصا يجيز رسميا الشذوذ الجنسي وزواج الشواذ، واحتجاج كنائس عربية، يبين أن هذا الخلاف الديني والكنسي ليس جديدا.

قصة الخلاف

وقالت الكنيسة الكاثوليكية بمصر إنه "لا صحة لما يُشاع أو يُفسر بطريقة خاطئة من إمكانية السيامة الكهنوتية للمثليين جنسيا".

وأكدت احترامها لكل الأشخاص، ولكن دون قبول "أولئك الذين يمارسون المثلية الجنسية، أو لديهم ميول لها أو يدعمون ثقافتها، في المدرسة اللاهوتية أو الكهنوتية".

بل وحاولت الكنيسة الكاثوليكية المصرية تفسير البند "44" بشأن الأشخاص ذوي الميول الشاذة الذين يتوجهون إلى المعاهد الدينية، بترجمة بعض ما جاء في وثيقة الإرشادات المستحدثة.

وأكدت أن البند ينص على أن "السلطة التعليمية، والكنيسة، مع احترامها العميق للأشخاص المعنيين، لا يمكنها السماح بدخول من يمارسون المثلية الجنسية، أو من لديهم ميول مثلية متجذرة بعمق، إلى المدرسة اللاهوتية والرتب المقدسة".

لكن على النقيض من ذلك أوحي النص الكامل لـ "مؤتمر الأساقفة الإيطاليين" في 10 يناير بشأن "الإرشادات المستحدثة"، بنهج أقل تشددا فيما يتعلق بالسماح للرجال الشواذ بأن يصبحوا كهنة في الكنيسة الكاثوليكية.

وهذه الإرشادات التي جاءت بعنوان "المبادئ التوجيهية والمعايير الخاصة بالإكليريكيات"، لم تنص صراحة على السماح للرجال الشواذ بدخول المؤسسة الدينية، وهو ما ركزت عليه الكنيسة المصرية.

لكن هذه "الإرشادات المستحدثة"، أشارت إلى أن "الميول الجنسية يجب ألا تحرم الشخص من خدمة الرب".

وهذا يشير إلى نهج أكثر انفتاحًا في المستقبل، وجواز قبول فكرة وجود كهنة كاثوليك شواذ، وهو ما لم تتطرق له الكنيسة المصرية في بيانها.

وتقول المبادئ التوجيهية الجديدة، التي نشرت دون ضجة على الموقع الإلكتروني لمؤتمر الأساقفة الإيطاليين، إن مديري المعاهد الدينية "يجب أن يأخذوا في الحسبان التفضيلات الجنسية للمرشحين لمنصب الكهنوت، ولكن فقط بصفتها جانبا واحدا من شخصيتهم".

"وعند الإشارة إلى الميول المثلية الجنسية في عملية التكوين، من المناسب أيضا عدم تقليص التمييز إلى هذا الجانب وحده، بل فهم معناه ضمن الإطار الكامل لشخصية الشاب"، كما تنص المبادئ التوجيهية.

وقال الأساقفة الإيطاليون إنهم وافقوا على الوثيقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وأرفق النص مذكرة من مكتب رجال الدين في الفاتيكان تؤكد سريان المبادئ التوجيهية لفترة تجريبية مدتها ثلاث سنوات.

ومن هنا جاء الخلاف بين الكنيسة الأم في روما ونظيرتها في مصر، حيث حاولت الأخيرة نفي أن تكون "الإرشادات المستحدثة" أقرت إمكانية أن يكون هناك كهنة شواذ، وحاولت تفسير النص المترجم من اللغة الإيطالية لوثيقة الإرشادات.

وقد حاولت تقارير التقليل من شأن هذا الأمر بدعوى أن هذا التفصيل (الخاص بشذوذ الكاهن) لا يغير من الالتزامات الأساسية للكاهن، وأنه حتى ولو كان شاذا، فسوف "يُمنع من ممارسة الجنس بشكل نهائي" وفق العقيدة الكاثوليكية التي تُحرم زواج الكهنة.

الفاتيكان وافق!

ولتأكيد قرار مؤتمر الأساقفة الإيطاليين، وافق الفاتيكان في روما على المبادئ التوجيهية الإيطالية "التي تسمح للرجال الشواذ بأن يصبحوا كهنة"، حسبما أكد تقرير لوكالة "رويترز" البريطانية 10 يناير 2025.

فقد وافق الفاتيكان على الإرشادات الجديدة التي وضعها الأساقفة الإيطاليون، والتي تسمح للرجال الشواذ بدخول المعاهد الدينية، لكنه قال "طالما امتنعوا عن ممارسة الجنس".

وهو تعديل غير متوقع لكيفية تعامل الكنيسة الكاثوليكية العالمية مع الكهنة المحتملين في المستقبل.

فلم يمنع الفاتيكان صراحة هذه المرة، الرجال الشواذ من دخول الكهنوت، بينما كانت تعليماته السابقة عام 2016 تؤكد أن "المعاهد اللاهوتية لا يمكنها قبول الرجال الذين لديهم ميول مثلية عميقة الجذور".

أيضا قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في 10 يناير 2025: إن "الفاتيكان سمح للرجال الإيطاليين الشواذ بالتدريب ليصبحوا كهنة، إذا ظلوا عازبين".

وأكدت أن "المبادئ التوجيهية" التي تبناها مؤتمر الأساقفة الإيطاليين في نوفمبر 2024، ووافق عليها مكتب رجال الدين في الفاتيكان، دخلت حيز التنفيذ في 9 يناير 2025، لفترة تجريبية مدتها ثلاث سنوات.

ولفتت إلى أن "المرشحين للالتحاق بالمدرسة الدينية لا ينبغي استبعادهم على أساس التوجه الجنسي، وفقا للمبادئ التوجيهية الجديدة للكنيسة في إيطاليا".

وهو ما أكدته صحيفة "الغارديان" البريطانية 10 يناير 2025، مبينة أن "أساقفة إيطاليا قالوا إن الرجال المثليين يمكنهم التدرب كقساوسة ولكن يجب أن يكونوا غير متزوجين".

"لكنّ الرجال المثليين النشطين جنسيا لن يُسمح لهم بالالتحاق بالمعاهد الكاثوليكية الرومانية".

أكدت أنه "سيتم السماح للرجال الشواذ بالتدريب ككهنة في المعاهد اللاهوتية الكاثوليكية الرومانية، طالما أنهم يلتزمون بالعزوبة، وفقا للمبادئ التوجيهية الجديدة التي أعلنها مؤتمر الأساقفة الإيطاليين (CIE)".

نفي إيطالي

ومع هذا ذكرت "وكالة الأنباء الكاثوليكية" 14 يناير 2025 أن أسقفا إيطاليا نفى تغيير سياسة رسامة الشاذين جنسيا.

وأشارت إلى تفسيرات غريبة لذلك ملخصها أن إجازة القس الشاذ تكون فقط حين يعيش حياة "عفيفة" أي يتخلى عن الشذوذ.

 وهو أمر لا يمكن التحكم فيه أو كشفه لأنها حياة خاصة، وهناك فضائح كثيرة تظهر حتى لمن هم لا يتبنون منهج الشذوذ.

فقد أعرب البابا فرنسيس "مرارا وتكرارا عن قلقه من أن المرشحين الشواذ للكهنوت قد ينتهي بهم الأمر إلى إقامة علاقات وعيش ما وصفه بحياة مزدوجة، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" 10 يناير 2025.

وعام 2024، قال البابا فرنسيس إن هناك "الكثير من الشذوذ الجنسي" في المعاهد اللاهوتية الإيطالية.

"وكالة الأنباء الكاثوليكية" قالت إن الأسقف ستيفانو مانيتي من إيطاليا، كتب في صحيفة "أفينيري"، التابعة لمؤتمر الأساقفة الإيطاليين، أن "هذه ليست قراءة صحيحة"، لنص "تكوين الكهنة في الكنائس الإيطالية: المبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة بالمعاهد الدينية".

وبين "مانيتي" أن الفقرة 44 بشأن جواز قبول الكهنة الشواذ، هي تكرار للفقرة 199 من وثيقة صادرة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2016، عن المجمع الإيطالي بعنوان "هبة الدعوة الكهنوتية: النسبة الأساسية للمؤسسة الكهنوتية"، ووثيقة نشرها مجمع التعليم الكاثوليكي عام 2005.

وتؤكد الوثيقتان أن "الأشخاص ذوي الميول المثلية الجنسية "العميقة" لا يمكن قبولهم في المعاهد الدينية"، وفق مانيتي.

أيضا كتب القس جيمس مارتن، عبر إكس أن "قراءتي الخاصة لهذا الأمر هي أن يكون الرجل الشاذ جنسيا قادرا على عيش حياة صحية عفيفة"، أي يتخلى عن الشذوذ خلال مراحل اختياره كاهنا.

كما نقلت صحيفة "بيلار" الكنسية 13 يناير 2025، عن مؤتمر الأساقفة الإيطاليين أن "التقارير حول سياسة الإكليريكيين المثليين (الشواذ) هي أخبار كاذبة".

وأكدت أن المعايير التي نشرتها أخيرا "لا تغير سياسة الكنيسة بشأن الشذوذ الجنسي وتكوين المدارس اللاهوتية".

صحيفة "بيلار" قالت إن "وسائل الإعلام العلمانية الكبرى" أبرزت هذه الإرشادات المستحدثة" بأنها "تغيير في سياسة الكنيسة الحالية بشأن تكوين طلاب المعاهد اللاهوتية الذين يحددون هويتهم كشواذ".

قالت إن "الدوائر الفاتيكانية أكدت أنه “لا يمكنهم قبول المتدربين (ليصبحوا كهنة) في المدرسة اللاهوتية أو في الكهنوت، الذين يمارسون الشذوذ الجنسي، أو يظهرون ميولا عميقة لها أو يدعمون ثقافتها”.

وأوضحت أن وسائل الإعلام ركزت على فقرة من الوثيقة الإيطالية تطلب عدم التركيز على جانب العلاقة الشاذة للمتقدم للعمل كاهنا.

الكنيسة تحتضن الشواذ

وسبق أن نشرت قيادة الكنيسة الكاثوليكية في العالم (الفاتيكان) يوم 8 أبريل 2024 نصا جديدا قالت إنه مخصص لاحترام "الكرامة البشرية" تحمل عنوان "كرامة لانهائية" (Dignitas infinita)، أقرت فيه رسميا الشذوذ الجنسي وزواج الشواذ.

وأدانت الوثيقة الجديدة "كل ما هو ضد الحياة نفسها" مثل الإجهاض والقتل الرحيم والانتحار الطوعي.

لكنها دافعت عن حقوق الشواذ بكل أنواعها بما فيها زواج الشاذين داخل الكنائس الكاثوليكية، كما أكدت فيها الكنيسة "الحق في احترامهم".

وأدانت "حقيقة أنه في أماكن معينة، يتم سجن العديد من الأشخاص وتعذيبهم وحتى حرمانهم من خيرات الحياة فقط بسبب ميولهم الجنسية".

الوثيقة، التي جاءت في 23 صفحة ووافق عليها البابا فرنسيس، وصفتها وكالة الأنباء الفرنسية وقتها، بأنها "طريقة لمعالجة الانقسامات الداخلية داخل الكنيسة بعد أربعة أشهر من جدل أثارته مباركة الأزواج المثليين لا سيما في المعسكر المحافظ".

ويُنسب إلى البابا فرنسيس، زعيم الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 2013، اتباعه نهجا أكثر ترحيبا بمجتمع الشواذ، وسمح للكهنة بمباركة الأزواج من نفس الجنس على أساس كل حالة على حدة.

ولكن قبول الرجال الشواذ في الكهنوت ظل موضوعا محرما إلى حد ما. وكثيرا ما يعرب الكهنة منهم عن خوفهم من مناقشة ميولهم الجنسية.

وفي يناير 2023، قال البابا فرنسيس في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس" إن "كونك مثليا جنسيا ليس جريمة". 

كما وافق في وقت لاحق من العام على "المباركة" للأزواج من نفس الجنس، لكنه بقي مصرا على أن الزواج لا يمكن أن يكون إلا بين رجل وامرأة.

ورغم أنه يعد من أكثر الداعمين لـ"حقوق الشواذ بين الباباوات"، فإن الحبر الأعظم يستخدم لغة يعدها البعض مهينة عندما يتحدث عنهم.

وفي 18 ديسمبر 2023 وافق بابا روما "فرنسيس" رسميا على السماح للكهنة بمباركة الأزواج الشواذ، وهو ما كان يرفضه سابقا ويقول بـ"استحالة أن يبارك الرب الخطيئة".

ووافق فرنسيس، بالتعاون مع الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز -مساعده الأيمن الجديد وزميله الأرجنتيني الذي يرأس الآن دائرة عقيدة الإيمان القوية -على سلسلة من التدابير تتضمن مباركة البابا زواج الأشخاص من نفس الجنس والسماح للمتحولين جنسيًا بالتعميد والعمل بالكنيسة.

وأثارت هذه القرارات رد فعل محافظ قوي، وظهرت انتقادات لفرنسيس بعبارات قاسية.

ورفض بعض كبار رجال الدين في إفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا على وجه الخصوص توجيهات الفاتيكان بشأن مباركة الأزواج الشواذ.

والوثيقة التي صدرت في 8 أبريل 2024 لا تلغي تلك الإجراءات أو تغير بشكل جذري موقف فرنسيس بشأن الشواذ.

 لكنها ترفض العمليات الجراحية للتحول من جنس إلى آخر، وفق صحيفة "واشنطن بوست" 8 أبريل 2024.