مفوضية الانتخابات بين الاستقلال والتجاذب.. أي مسار ينتظر ليبيا؟

عالي عبداتي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

مسار الانقسام الداخلي الليبي مستمر رغم إعلان الأطراف المعنية سعيها لطي هذه الصفحة، ومن آخر ما أثار الجدل بالبلاد ما تعلق بمفوضية الانتخابات.

وصوّت مجلس النواب، خلال جلسته الرسمية في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، على إقرار استكمال المقاعد الشاغرة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

كما صوّت المجلس في الجلسة المنعقدة في 30 ديسمبر، بالإجماع على ميزانية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على أن تكون تحت إشراف لجنة المالية.

وبمجرد إعلان التصويت الأول، حتى دب الخلاف في الساحة السياسية بين مختلف الأطراف الليبية، أشخاصا ومؤسسات.

خلل إجرائي

وفي هذا الصدد، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه تصويت مجلس النواب. مؤكدا عبر بيان في 29 ديسمبر، أن الخطوة يشوبها "خلل إجرائي وقانوني"، وتمثل "إجراء أحاديا" يتعارض مع التوافقات السياسية القائمة بين المجلسين.

وأوضح المجلس "تمسكه الكامل بما جرى الاتفاق عليه صراحة بين لجنتي المجلسين، والذي ينص على تغيير مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بالكامل، بما يضمن استقلاليتها، ويعزز الثقة في المسار الانتخابي. ويمهد بشكل حقيقي لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة”.

ورأى أن أي "خطوات أحادية الجانب تمس هذا الاستحقاق الوطني الحساس، تُعد إخلالا واضحا بالتوافق السياسي وتقويضا لأسس الشراكة بين المجلسين، مشددا على أن مثل هذه الإجراءات "لن تسهم إلا في تعميق الانقسام وإرباك المشهد السياسي".

في السياق، أعلن مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، متابعته للقرارات التي اتخِذت في جلسة مجلس النواب، والتي تناولت شغل المقاعد الشاغرة في مجلس المفوضية وإقرار الميزانية المطلوبة لتنفيذ الانتخابات الرئاسية والنيابية وفقا لما ورد بالقوانين الانتخابية المحالة إلى مجلس المفوضية في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأفاد مجلس المفوضية من خلال بيان صادر في 30 ديسمبر، بأن "شغل المقاعد الشاغرة جاء وفقا لما نصت عليه المادة (10) من قانون إنشاء المفوضية رقم (8) لسنة 2013، ولا شأن له بـ(الاتفاق السياسي) الذي تُصرّ بعض الأطراف على إقحامه لأغراض تخدم أجندتها".

ورأى أنه "لا يحمل أي مطالبات باستمراره في قيادة هذه المؤسسة، بقدر ما يحمل حقائق يجب إظهارها بالتزامن مع حملات التشكيك في استقلاليته ونزاهته ومحاولات النيل من مصداقيته.

واسترسل: "حملة تأتي في هذا الوقت تحديدا الذي جاء بعد نجاحه المتميز في تنفيذه لانتخابات المجالس البلدية في كامل مناطق البلاد، وقدرته على التعامل مع جميع الأطراف وتخطيه للتحديات والعراقيل كافة".

ودعت المفوضية "النخب والنشطاء السياسيين الذين انضموا لحملة التشويه والتشكيك إلى تحري الصدق والأمانة في نقل الحقائق، والاطلاع على التفاصيل كافة ذات العلاقة بالتشريعات والقوانين المنظمة لعمل المفوضية عند الإدلاء بشهادتهم أمام الليبيين عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي".

مرحلة معقدة

على المستوى السياسي والأكاديمي، رأى عميد كلية القانون بجامعة سرت سابقا، خليفة حواس، أن المشهد السياسي في ليبيا يشهد مرحلة جديدة من التعقيد، نتيجة تداخل الأزمات الداخلية والانقسامات بين المؤسسات الوطنية وتدخل المجتمع الدولي، ما يعكس تحديات كبيرة أمام السيادة الوطنية وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وقال أحواس في حديث نقله موقع "الساعة24" المحلي في 30 ديسمبر: إن "جلسة مجلس النواب الأخيرة أظهرت تصرفه كطرف سياسي، وليس كيانا تشريعيا، مما يؤدى إلى تضارب واضح مع مجلس الدولة في عدة قضايا". مشيرا إلى أن البيان الصادر عن الأخير جاء ردا على الإجراءات التي اتخذها البرلمان في هذا الإطار.

ورأى أن القرارات التي اتخذت في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، تخالف مضمون الاتفاقات السابقة، وتشكل حلقة جديدة من التعقيد، في وقت أصبح فيه الانقسام داخل العملية السياسية واضحا، مما يمنح المجتمع الدولي مبررا لتقديم حلول وسط بين الأطراف المتنازعة.

وأشار أحواس إلى أن “مجلس النواب، لم يتوصل إلى اتفاق حول تنظيم الانتخابات، حتى بعد مرور ثلاثة أشهر على المدة المقررة”. موضحا أن “الجلسة كانت مرتبكة، وأن رئيس البرلمان والنواب لم يتمكنوا من تحقيق الشراكة السياسية المطلوبة، كما أن الانقسام يمتد إلى السلطة القضائية، ما يجعل تنفيذ أي قرارات عملية صعبة على الأرض”.

وشدد أحواس على "ضرورة إيجاد مخرجات جديدة، سواء عبر منتديات شعبية أو مؤسسات رسمية، لضمان السير نحو الانتخابات أو مؤتمر تأسيسي فعّال".

ورأى أن “ما حدث في مجلس النواب سيظل تحت قبضته، ولن يتم تنفيذه بسبب معارضة القوى التشريعية والتنفيذية والقضائية، حتى لو كانت القرارات تصب في مصلحة العملية الانتخابية”.

وأكد أحواس أن “أي مسار سياسي يجب أن يكون لصالح الشعب الليبي ويعكس إرادته”، محذرا من أن استمرار الخلافات بين الأطراف المحلية والمجتمع الدولي "قد يزيد التعقيد".

بدوره، دعا الكاتب الصحفي رمضان معيتيق إلى ضرورة استكمال القوانين والتوافقات الدستورية المنظمة للانتخابات، وضبط الأرقام الوطنية والإدارية بدقة لمنع أي تزوير أو تجاوز، بالتوازي مع الدور الرقابي للجهات القضائية والنيابة العامة.

ورأى معيتيق في حديث لتلفزيون "المسار" الليبي في 30 ديسمبر 2025، أن “مسار بوزنيقة بالمغرب بشأن الانتخابات واضح ومحدد، وأنه يجب على جميع الأطراف الالتزام بالمسار الديمقراطي المتفق عليه مع مجلس الدولة”.

وأكد أن مجلس الدولة قد أحال الأسماء كافة لمجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وأن أي محاولة لاستكمال مجلس إدارة المفوضية دون شراكة واضحة بين المجلسين تُعد مخالفة للاتفاقيات السابقة.

وأشار معيتيق إلى أن قواعد العملية الانتخابية لم ترسمها الأطراف المحلية وحدها، بل هي جزء من التزامات ليبيا الدولية بموجب الفصل السابع، وأن الاتفاقيات الدولية أو الإقليمية مثل الصخيرات، وجنيف، وتونس، برلين، وبوزنيقة، لم تكن لتنجح لولا وجود إرادة وطنية للتوافق بين الفرقاء الليبيين.

وشدد الكاتب الصحفي على أن "الحل الحقيقي يكمن في وحدة الليبيين وتعاونهم لإجراء انتخابات عادلة تمثل أبناء الشعب كافة". معتبرا أن "الانتخابات يجب أن تمر عبر حكومة موحدة".

وأوضح معيتيق أن المجلسين لا يمكنهما تعديل هذه القوانين أو العودة عنها لكونها خرجت من لجنة استشارية معنية بهذا الخصوص، مؤكدا أن مجلس الأمن الدولي صاغ قواعد واضحة ضمن هذه القوانين، وهي المسار الدولي الوحيد المعتمد لإنهاء الأزمة في ليبيا.

قراءة قانونية

من جهته، قال المهتم بالشأن القانوني، عبد الله الديباني: إن النقاشات الجارية حاليا داخل مجلس النواب، حول استكمال المقاعد الشاغرة في المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لا تعكس وجود توافق حقيقي أو مشاورات كاملة حول آلية اختيار المفوضية أو طرق التصويت.

وأضاف الديباني خلال مقابلة مع قناة "ليبيا الأحرار" في 30 ديسمبر، "خاصة في ظل غياب عدد من أعضاء المجلس عن جلسة التصويت، وما يترتب على ذلك من إشكاليات متعلقة بطريقة وآلية الاختيار".

ورأى أن “مجلسي النواب والدولة تجاوزا المسار السياسي الدولي الذي وُضع أساسا لإدارة هذه الاستحقاقات”. 

ويرى الديباني أن "الخيار الأفضل كان التوجه نحو استكمال الشواغر، خصوصا أن هذه الشواغر مبنية على مقاعد مخصصة لإقليم برقة؛ إذ كان من الأنسب أن يتم الاختيار من قبل نواب برقة في المجلسين".

وأوضح أن "هذا النوع من الاجتماعات سبق أن عُقد في فترات سابقة، بما في ذلك اجتماعات احتضنتها مدينة البيضاء، وتهدف إلى التوصل لتوافق حول الملفات المطروحة وطريقة اختيار المناصب الخاصة بإقليم برقة، بوصفه إقليما ذا قيمة تاريخية وجزءا من آلية المحاصصة المعتمدة".

وذكر الديباني أن "الاتجاه السائد يرى بضرورة استكمال الشواغر داخل المفوضية والمضي في عملها بوجودها الحالي"، مشيرا إلى أن "هذا الرأي يتوافق مع موقف الأمم المتحدة، حيث أكدت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، رغبتها في بقاء رئيس المفوضية عماد السائح إلى جانب استكمال الشواغر".

ولذلك، يرى أن "استمرار عدم التوافق بين مجلسي النواب والدولة ينعكس على عملية التشكيل والاختيار، ويؤكد أن الخلافات ما زالت قائمة ولم يتم تجاوزها حتى الآن".

وبيّن الديباني أن البدء بمنطق المحاصصة وتفكيك مجلس المفوضية قد يؤدي إلى تعقيدات إضافية، خاصة في ظل وجود مناصب سياسية وقيادية من حصة إقليم برقة لم يتم تأكيدها بعد. مشددا على أن التوجه يجب أن يكون نحو السعي للوصول إلى مسار سياسي توافقي.

أفق مستقبلي

في ظل هذه التفاعلات، يرى المحلل السياسي الليبي، إبراهيم الأصيفر، أن تصويت مجلس النواب فتح ملف الاستحقاق الانتخابي من زاوية إجرائية، لكنه في الوقت ذاته فجّر جدلا سياسيا يعكس عمق الأزمة أكثر مما يقرّب من حلها.

وأضاف الأصيفر لـ"الاستقلال"، أن “الخطوة، على أهميتها المؤسسية، لا يمكن فصلها عن سياق الانقسام القائم ولا عن حالة انعدام الثقة التي تحكم العلاقة بين الأجسام السياسية، وهو ما يجعلها أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منها إلى انطلاقة فعلية لمسار انتخابي مكتمل”.

واسترسل: “من حيث الشكل، يبدو مجلس النواب وكأنه يتحرك لسد فراغ طال أمده، مستندا إلى منطق تفعيل المؤسسات بدل بقائها رهينة التعطيل المتبادل”.

واستدرك الأصيفر: “غير أن هذا التحرك، من حيث المضمون، لا يجيب عن السؤال المركزي المتعلق بمدى قابلية هذه الإجراءات للترجمة إلى عملية انتخابية حقيقية في ظل غياب توافق سياسي جامع”.

وأوضح أن "استكمال المفوضية وتوفير ميزانيتها يخلقان انطباعا بالجاهزية، لكن الجاهزية الإدارية لا تعني بالضرورة جاهزية سياسية أو أمنية".

وأشار المحلل السياسي إلى أن "الجدل الذي أعقب التصويت، خصوصا بيان مجلس الدولة، لا يمكن قراءته بوصفه خلافا قانونيا صرفا".

وأردف، "فالبيان يعكس، في جوهره، خشية حقيقية من تجاوز دور مجلس الدولة وتحويله إلى كيان هامشي في معادلة القرار، بقدر ما يعكس تمسكا بمبدأ التوافق المنصوص عليه في الأطر السياسية السابقة".

ويرى الأصيفر أن "هذا التداخل بين القانوني والسياسي جعل من الاعتراض أداة لإعادة تثبيت الموقع التفاوضي، أكثر منه محاولة لصياغة مسار بديل واضح يقود إلى الانتخابات".

وفي قراءته لمآل هذا الوضع، قال الأصيفر إن واقع الحال يشير إلى أن هذا الجدل لن ينتهي بحسم سريع لصالح أي طرف، فمجلس النواب لا يملك القدرة على فرض مسار انتخابي منفردا، كما أن مجلس الدولة لا يستطيع تعطيل المشهد إلى ما لا نهاية دون أن يدفع ثمنا سياسيا متزايدا.

وأردف، “وبين هذا وذاك، تبقى المفوضية محور صراع غير مباشر، تُستدعى كأداة ضغط لا كمؤسسة مستقلة يُفترض أن تكون خارج التجاذبات”.

وشدد الأصيفر على أن "المشكلة الأعمق لا تكمن في الإجراءات ولا في البيانات المتبادلة، بل في غياب الحد الأدنى من التوافق حول قواعد العملية السياسية نفسها. فلا تزال مسألة قبول الخسارة الانتخابية غائبة عن حسابات معظم الأطراف، في ظل مخاوف متبادلة من الإقصاء أو فقدان النفوذ بعد صناديق الاقتراع".

وتابع: “كما أن الانقسام التنفيذي والأمني القائم يضع أي استحقاق انتخابي أمام مخاطر حقيقية، ويحوّل الحديث عن الانتخابات إلى شعار سياسي أكثر منه مشروعا قابلا للتنفيذ”.

إلى جانب ذلك، يقول المحلل السياسي، "لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي؛ إذ إن أي مسار انتخابي في ليبيا يحتاج إلى قدر من التفاهم الخارجي، ولو كان غير معلن، لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني".

ولذلك، يعتقد الأصيفر أن "المؤشرات الحالية توحي بأن هذا التفاهم لم يكتمل بعد، وأن القوى المؤثرة ما تزال تتعامل مع الملف الليبي بحذر شديد، ما ينعكس تباطؤا في الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها".

وفي ضوء هذه المعطيات، يضيف المتحدث ذاته، "يبدو أن الجدل الدائر حول المفوضية وميزانيتها سيستمر بوصفه جزءا من معركة تموضع أوسع، لا كمقدمة مباشرة لانتخابات قريبة".

وشرح ذلك بأن “التحركات الجارية قد تسهم في إعادة تحريك المشهد وكسر حالة الجمود، لكنها تظلّ غير كافية ما لم تُستكمل بتسوية سياسية حقيقية تعالج جوهر الخلاف، لا مظاهره فقط”.

وبناء على كل ما سبق، شدد على أن “نجاح أي عملية انتخابية في ليبيا لا يتوقف على استكمال الهياكل أو إقرار الميزانيات، بل على توافر إرادة سياسية تقبل بالشراكة وبقواعد التداول السلمي للسلطة، وتضع مصلحة الدولة فوق حسابات المكاسب الآنية”.

وخلص الأصيفر إلى أنه “بدون هذه الشروط، ستبقى الانتخابات هدفا مؤجلا، يُستحضر في الخطاب ويُستهلك في الجدل، من دون أن يتحول إلى واقع يطوي صفحة الانقسام ويفتح أفق الاستقرار”.