تكريم جنود الاستعمار الفرنسي.. سقطة بروتوكول مغربي أم "خيانة" للتاريخ؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة وصفت بـ"الوقاحة التاريخية والطعنة في ظهر المقاومة"، شهد إقليم تنغير جنوب المغرب، مراسم تكريم فرنسي لجنودها الذين قضوا في محاربة الساكنة والمقاومة إبان مرحلة الاستعمار.

الحدث الذي نظم في 12 فبراير/ شباط 2026، تمثل في إحياء مراسم ما سمي بـ"المربع العسكري" بمقبرة ألنيف-بوغافر في منطقة تنغير، وسوقته السفارة الفرنسية بالمغرب تحت غطاء "الذاكرة المشتركة".

وتحول الأمر إلى موجة سخط عارمة لدى المغاربة، بعدما تبين أنه تكريم رسمي للجنود الـ15 الذين قُتلوا خلال حرب فرنسا الدموية بحق قبائل آيت عطا في معركة بوغافر الشهيرة عام 1933، وذلك بمشاركة مغربية رسمية.

جرائم فرنسية

وأقيم الحفل بحضور القنصل العام لفرنسا في مراكش، كوينتين تيسير، ومدير الذاكرة والثقافة بوزارة الجيوش الفرنسية، إيفانس ريتشارد، والمديرة العامة للمكتب الوطني للمحاربين وضحايا الحرب، ماري كريستين فيردييه جوكلاس، وذلك بتمويل كامل من وزارة الجيوش الفرنسية.

ووفق ما ورد في منشور للسفارة الفرنسية، فإن المقبرة تتضمن جنودا قتلوا خلال معركة بوغافر بين 13 فبراير و25 مارس/آذار 1933.

ورأت أن "هذا التدشين يعكس الإرادة المشتركة للمغرب وفرنسا في تثمين ذاكرة مشتركة قائمة على الاحترام والاعتراف المتبادل ونقل التاريخ إلى الأجيال القادمة".

يُذكر أنه غداة تمكّن الاستعمار الفرنسي من إخضاع جل مناطق التراب المغربي، بعد توقيع عقد الحماية إلى حدود عام 1933، لم تجد القوات الاستعمارية أن فرض سيطرتها على سكان الجنوب الشرقي خطوة يسيرة، خاصة في منطقة صاغرو، التي تتمركز بها قبائل آيت عطا الأمازيغية، غير الخاضعة لسلطة الاحتلال الفرنسي وقتها.

وكانت معركة بوگافر/بوغافر هي العنوان الأبرز لمحاولات تطويع صاغرو، في فبراير ومارس من عام 1933. 

وقهرت المقاومة المغربية، المتحصّنة في أعالي الجبل، الوجود الفرنسي، ودفعته ليركن إلى العمل السياسي والحوار مع قائد المقاومة العطّاوية، عسو أوبسلام، لكن المفاوضات لم تنجح.

وأحسّت فرنسا بإهانة شديدة، وبأن "البدوي" الذي يجمع القبائل الأمازيغية حوله، يمرّغ كرامة الجيش الفرنسي في وحل صاغرو، ويعرّض الجيوش للهجمات المباغتة.

وقد دفعها ذلك إلى المراوغة بما سمّته "تهدئة صاغرو"، والحقيقة أن الأمر كان بمثابة جرائم ضد الإنسانية، استعملت فيها ترسانة هائلة من الأسلحة والعتاد، لقتل أكثر من 1300 مغربي ارتقوا في جبال بوغافر دفاعا عن الأرض والعرض.

غير أن الجدل لم يرتبط بطبيعة الحضور الفرنسي الذي درج على تنظيم أنشطة ذات صلة بفترة الوجود الاستعماري، بقدر ما انصب على المشاركة الرسمية لمسؤولين مغاربة في مراسم تكريم رفات 15 جنديا من قوات "الكوم" (خونة)، قتلوا خلال عمليات عسكرية استهدفت مقاومين مغاربة خلال فترة المواجهات المسلحة.

عريضة استنكارية

دفع الحدث بفعاليات حقوقية بالمنطقة إلى إصدار عريضة استنكارية تحت شعار: "دماء بوغافر.. عهد لا يُباع ولا يُساوم".

ورأت العريضة أن هذه المبادرة التي تُقدم تحت غطاء "الذاكرة المشتركة" و"المصالحة"، ليست سوى استفزاز صارخ لمشاعر المغاربة، وتزييف فاضح للتاريخ، وخيانة عظمى لتضحيات الأجداد الذين جادوا بأرواحهم في سبيل الحرية والكرامة.

وشددت على أن "معركة بوكافر (1933) ليست مجرد حدث عسكري عابر في تاريخ المغرب، بل هي ملحمة بطولية خالدة سطرها رجال ونساء قبائل آيت عطا الأمازيغية، بقيادة البطل عسو أوبسلام، في مواجهة آلة الحرب الاستعمارية الفرنسية".

وأضافت: "لقد كانت بوكافر قمة جبل صاغرو، شاهدة على صمود أسطوري، حيث واجه المقاومون المغاربة، بأسلحتهم البسيطة وإيمانهم الراسخ، جيشا مدججا بأحدث الأسلحة والطائرات".

وأكدت العريضة أن "هذه المعركة كبدت القوات الفرنسية خسائر فادحة، وأظهرت للعالم بأسره أن إرادة الشعوب في التحرر لا تقهر، وأكدت أن دماء الشهداء التي سُفكت على تراب بوكافر هي أمانة في أعناق الأجيال، ورمز للتضحية والفداء، لا يمكن المساومة عليها أو تدنيسها بأي شكل من الأشكال".

وعليه، رأت أن "ترميم هذه المقابر، بحضور مسؤولين مغاربة وفرنسيين، هو محاولة بائسة لتبييض صفحة الاستعمار، وتصوير الغزاة كضحايا، وتجاهل جرائمهم البشعة التي ارتكبوها في حق الشعب المغربي".

في السياق، قال الناشط السياسي بالمنطقة، عبد الواحد صديقي، إنه تابع باهتمام كبير ردود الفعل التي عبر عنها عدد من النشطاء بخصوص ترميم مقبرة بجماعة ألنيف بإقليم تنغير، والتي تضم رفات 15 من عناصر مشاركة مع الجيش الفرنسي "الكوم" (خونة) الذين سقطوا في معركة بوغافر.

وأعرب صديقي لـ"الاستقلال"، عن سروره بكل ردود الفعل الغاضبة المعتزة بالدفاع عن الذاكرة التاريخية للمنطقة، وفي الحقوق الثابتة في مجابهة المستعمر وإعلاء شأن جبهة المقاومة ورجالها.

وسجل الناشط السياسي بأسف كون عدد كبير من هؤلاء النشطاء أنفسهم، بالأمس القريب كانوا يبخسون دور المقاومة الفلسطينية ورجالها بل وأحيانا أخرى يتغزلون بالكيان الصهيوني الهمجي.

ومع ذلك، يردف صديقي، وجب التأكيد على أن المقاومة في أي مكان ليست خيارا عابرا، بل مبدأ وكرامة يتجددان في كل زمان ومكان.

بالمقابل، يقول المتحدث ذاته، "سيبقى الاستعمار صفحة سوداء، يطويها وعي الشعوب وإرادتها الحرة، وأنه لا شيء يبيض وجه السواد".

تفاعل اجتماعي

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلا واسعا مع الحدث، وفي هذا الصدد، قال الإعلامي مصطفى العسري: إن ما وقع هو "خيانة لشهداء المغرب خلال معركة بوغافر، والتي واجه خلالها سبعة آلاف مغربي مدججين ببنادق بسيطة، 83 ألف جندي فرنسي بينهم خونة مغاربة، معززين بـ44 طائرة ومدافع ثقيلة مختلفة وأسلحة متطورة...".

وشدد العسري في تدوينة نشرها عبر حسابه على "فيسبوك" في 13 فبراير 2026، على أن ما قامت به فرنسا برعاية مغربية في ظل صمت المندوبية السامية لقدماء المحاربين (حكومية)، هو "احتقار لنضال المغاربة وجهادهم ضد الاحتلال".

أما الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، فقال: إن “تكريم فرنسا للخونة الذين قاتلوا إلى جانبها خلال الاحتلال لا يختلف عما قامت به بعد الاستقلال، بوضع عملائها على رأس عدد من المراكز التنفيذية”.

وأضاف الكنبوري في تدوينة عبر فيسبوك في 16 فبراير، أن "فرنسا بذلك تريد تذكير المغاربة بأن الاستقلال كان في ظل التبعية لها، وبأن المقاومة المغربية كانت إرهابا، كما كانت فرنسا وصحفها تصف المقاومين آنذاك، وكما يصف الغرب اليوم كل من يقاوم الهيمنة الأميركية والإسرائيلية".

وذكر أن "اليمين الأمازيغي المتطرف التزم الصمت أمام ما جرى، بينما نطق الأمازيغ الأحرار"، مقدرا أن "اليمين الأمازيغي حليف لفرنسا المستعمرة وصنيعتها".

أما القيادي بمجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، عزيز هناوي، فتفاعل مع الحدث في تدوينة عبر “فسيبوك” في 14 فبراير بطرحه لسؤالين اثنين تجاه الواقعة.

أولهما، “هل يمكن للسفارة الألمانية أن تقيم ضريحا لجنود هتلر داخل التراب الفرنسي تكريما للجيش النازي خلال الفترة الاستعمارية الألمانية في فرنسا؟”

وانتقد ازدواجية مواقف عناصر ما يسمى "مؤسسة درعة تافيلالت للتعايش"، والذين لطالما طبلوا للتطبيع مع الكيان الصهيوني واستهدفوا المقاومة الفلسطينية وأنصار فلسطين بالمغرب.

وفي هذا الصدد تساءل هناوي: “لماذا اشتعل النقاش بينكم بشأن تكريم رفات جنود الاحتلال الفرنسي الذين ارتكبوا مذابح بوݣافر بحق أجدادكم، بينما تحتفون بجنود وجيش إسرائيل؟”

كذلك، قال الأستاذ الجامعي ورئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، فؤاد بوعلي، إن هذا الحدث يأتي في الوقت الذي تطالب فيه الدول والحكومات التي عانت من ويلات الاستعمار من الدولة الفرنسية الاعتذار عن جرائمها التاريخية.

وأضاف بوعلي في تدوينة عبر “فيسبوك” في 15 فبراير، أن “هذا الاستعمار ترك ندوبا كثيرة في الذات الوطنية مازالت تعاني من آثارها حتى الآن”.

واسترسل: “كما يأتي الحدث في الوقت الذي ترفض فرنسا دوما، ورغم توالي الحكومات، الاعتذار الرسمي عن جرائمها مفضلة الاعتراف ببعضها تفاديا للتبعات القانونية والمالية”.

وانتقد بوعلي بشدة ما وصفها بـ"النخب المتسيدة للشأن العام في المغرب"، والتي بحسبه، تأبى إلا أن تبرهن على الدوام "ولاءها المطلق للسيد الفرنسي، بل والاعتذار له، ومنه مشاركة مسؤولين في تكريم الخونة لصالح فرنسا".

أبواق صهيونية

مقابل كل هذه المواقف المدافعة عن التاريخ المغربي والرافضة لجرائم الاستعمار، أبى موقع "هسبريس" الممول إماراتيا إلا أن يعاكس هذا التوجه.

وقال الموقع في تقرير نشره في 14 فبراير، إن ما جرى هي "بادرة مغربية فرنسية، تصون جزءا من الذاكرة المشتركة المؤلمة في القرن العشرين، بترميم مقبرة مرتبطة بمعركة بوكافر".

ونقل المصدر ذاته تأكيد الرئيس السابق لجمعية بوكافر، يوسف بنعمرو، أن فكرة ترميم المقبرة تمت مناقشتها مع الجانب الفرنسي منذ سنة 2012 خلال فعاليات تخليد معركة بوكافر.

وذكر أن هذا الترميم مرده أن "المقبرة ترمز إلى رصيد مشترك وحقبة تاريخية مشتركة، وهي في وضع مُزرٍ لا يليق بالأموات ولا بالأحياء (…)".

وأوضح بنعمرو أن هذه المبادرة المشتركة "استثمار للحقبة التاريخية، رغم دمويتها، لأنه آن الأوان لاستثمارها من أجل المستقبل، وصيانة رصيد مشترك في الذاكرة، ونريد أن يكون الموقع محجا سياحيا وثقافيا".

أما موقع "تنوير" فنشر افتتاحية في 14 فبراير 2026، أكد فيها أنه “آن الأوان للدولة المغربية والمجتمع المدني أن يعيدا الاعتبار لشهداء بوگافر وشخوصها ومنهم عسو أوبسلام ورفاقه وباقي شهداء الوطن في قمم الجبال والشعاب والصحاري كافة”.

ومن ذلك، يردف الموقع، "إقامة نصب تذكاري وطني، وإدراج المعارك التاريخية في المناهج التعليمية، وتنظيم احتفالات رسمية تليق بملحمتهم، وإلزام فرنسا أن ترد الاعتبار وتعتذر عن جرائمها".

ونبه الموقع إلى أنه، ورغم البطولة التاريخية للمقاومة بالمنطقة، والتي تُعد رمزا للكرامة الوطنية والصمود الأمازيغي في وجه الاحتلال، لم تقم الدولة المغربية حتى اليوم بأي تكريم رسمي واسع النطاق أو إحياء لذكرى شهداء بوگافر بمستوى يليق بتضحياتهم.

واستطرد: "كما أن فرنسا الحريصة على صون التاريخ المشترك بدمويته وسلامه، لم تكلف نفسها عناء الندم والاعتذار ولو بتكريم المحاربين الأمازيغ الذين قاتلوها بشرف المحارب بنصب تذكاري بارز، يعترف بكرامتهم وشجاعتهم في الدفاع عن استقلالهم".

قراءة سياسية

الباحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أحمد ويحمان، أكد أن “القضية ليست مجرد حدث بروتوكولي أو دبلوماسي، بل مسألة تمس الذاكرة الحية للمنطقة، وتمس شعور الانتماء التاريخي والكرامة الرمزية لأحفاد المقاومين والشهداء”.

وشدد ويحمان في حديث لـ"الاستقلال" على أن الصراع لم يعد فقط سياسيا أو اقتصاديا، بل أصبح صراعا على السردية التاريخية وعلى من يمتلك القدرة على صياغة "الذاكرة المشتركة" مع المغرب، لأن من يمتلك الذاكرة يستطيع أن يؤثر في الحاضر ويرهن المستقبل.

ونبه إلى أن التنافس حول ما يسمى "الذاكرة المشتركة" ليس سوى واجهة ثقافية لصراع أعمق حول الاستثمارات والاستئثار بخيرات المغرب والاستحواذ على مقدراته.

والأخطر في هذا المسار، يقول ويحمان، هو حضور وتمثيل رسمي مغربي إلى جانب التمثيل الفرنسي، بما يمنح هذه المبادرات شرعية رمزية تمس جوهر السيادة الوطنية، وتضرب في العمق مشاعر المغاربة وأحفاد الشهداء الذين ضحوا من أجل استقلال البلاد.

وذكر أن “ما يجري هو محاولات فرض سرديات تجعل الأجيال القادمة تعيش قطيعة مع تاريخها الحقيقي، وهو مسار أخطر بكثير من الاحتلال العسكري المباشر، لأنه يستهدف الوعي ذاته”.

واسترسل: "المحقق أننا اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فإما الدفاع عن الذاكرة الوطنية بوصفها جزءا من السيادة الوطنية، وإما ترك الباب مفتوحا أمام إعادة استعمار الوعي المغربي عبر أدوات ناعمة ، لكنها عميقة التأثير في قلب كل شيء في البلاد درجة تكريم الخونة والاحتفاء بهم، وهو ما يعني بالضرورة احتقار الشهداء وعائلاتهم، ضحايا المجرمين/المكرَّمين”.

وشدد ويحمان على أن ما يجري اليوم باسم "الذاكرة المشتركة" ليس مصالحة مع التاريخ، بل محاولة لإعادة كتابة التاريخ من زاوية المستعمر، ومن زاوية من يسعى للهيمنة على حاضر المغرب ومستقبله.

وأضاف "وهو، قبل أن يكون إهانة لمشاعر المغاربة وأحفاد الشهداء، اعتداء مباشر على السيادة الوطنية وعلى الحق التاريخي للأمة في حماية ذاكرتها وسرديتها وهويتها، وهذا منكر يجب أن يتوقف، وفورا".