حملات مقاطعة برمضان.. كيف تميز بين تمور فلسطين والمستوطنات؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

مع حلول شهر رمضان 2026، تصاعدت دعوات عالمية لمقاطعة التمور الإسرائيلية، في موسم يرتفع فيه استهلاك هذا المنتج وتتضاعف معه حساسية السؤال عن مصدره.

تستند هذه الدعوات إلى حقيقة أن جزءًا كبيرًا من التمور التي تُصدّرها إسرائيل إلى أوروبا وأسواق أخرى يأتي من مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة، ما يجعل شراءها، وفق نشطاء، دعمًا مباشرًا لاقتصاد الاستيطان.

آخر الحملات

في فرنسا، دعت جمعية “يورو فلسطين” إلى مقاطعة التمور المعروضة للبيع في البلاد، والتي تُنتَج في مستوطنات بالضفة الغربية وتحمل اسم “مدجول” أو “مجهول”.

وقالت رئيسة الجمعية أوليفيا زيمور: إن الجزء الأكبر من تمور “مدجول” المعروضة في فرنسا يأتي من “مستوطنات غير قانونية أو من جهات متواطئة مع الاحتلال”. وأضافت أن بعض العبوات تشير إلى أن بلد الإنتاج هو الأردن أو المغرب، بينما يكون المنشأ الفعلي إسرائيليًا.

وأوضحت أن متطوعين ينفذون أنشطة توعوية داخل المتاجر الكبرى لإبلاغ المستهلكين، وتشجيعهم على اختيار بدائل أخرى.

كما أظهرت مقاطع فيديو انطلاق حملات مقاطعة في مدن فرنسية، بينها احتجاج داخل محل جزارة حلال في باريس بعد اكتشاف بيع تمور إسرائيلية قُدّمت على أنها من بلد آخر. وعبّر زبائن عن غضبهم بعد العثور على علامة إسرائيلية على العبوات، فيما طالب بعضهم باسترداد أموالهم.

وفي مدينة مالقة الإسبانية، أطلق ناشطون من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) حملة ميدانية لتوعية المواطنين بضرورة مقاطعة تمور “مدجول” المصدّرة من إسرائيل، بالتزامن مع الاستعداد لشهر رمضان، مطالبين بتعزيز المقاطعة الاقتصادية للشركات المرتبطة بالاستيطان.

وفي المملكة المتحدة أطلقت مجموعتا “أصدقاء الأقصى” و"التضامن مع فلسطين" حملة "Check the Label"، على غرار السنوات السابقة، للتأكد من أن التمور التي تُستهلك في الإفطار لا تأتي من المستوطنات.

وفي الولايات المتحدة، دعت منظمات مثل "مسلمون أميركيون من أجل فلسطين" ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية “كير” إلى مقاطعة التمور الإسرائيلية وتوفير قوائم بالشركات التي يجب تجنبها، مشددة على أن المقاطعة وسيلة سلمية للضغط على "إسرائيل" لإنهاء الاستيطان.

⁨وبدورها، دعت “بي دي إس” إلى مقاطعة التمور الإسرائيلية نهائيا وبالذات خلال رمضان، موضحة أنها “تزرع في أراضٍ فلسطينية منهوبة ويتمّ ريها بمياه مسروقة”.

وأوضحت في بيان على إنستغرام: "تشكّل زراعة تلك التمور أحد مصادر تمويل جرائم الاحتلال إلى جانب دورها في تكريس سرقة الأرض والمياه، وتدمير الزراعة الفلسطينية بهدف إقصائها ومنعها من المنافسة".

وأكّدت أنه “بينما يشجع الاحتلال إنتاج تمور المستعمرات، يضيّق الخناق على المزارعين الفلسطينيين عبر حظر بيع أشتال النخيل، مع مواصلة نهب الأراضي ومصادرة المعدات الزراعية، ومنع حفر الآبار أو الوصول إلى المياه، فضلًا عن فرض قيود وتشديدات على الإنتاج الزراعي”.

حجم الإنتاج 

تنتج إسرائيل كمية عالية من التمور وخاصة من نوع “مجهول”، ما يجعلها منافسًا مؤثّرًا رغم حجمها المحدود وسط سوق التمور العالمي الذي قدرت قيمته بنحو 32.7 مليار دولار في 2025.

يبلغ حجم صناعة التمور في إسرائيل نحو 1.2 مليار شيكل (حوالي 360 مليون دولار)، ويعمل فيها نحو 600 مزارع يزرعون 60–70 ألف دونم. 

وتعتمد هذه الصناعة في إسرائيل على الأسواق الخارجية بشكل كبير؛ إذ يصدّر المنتجون حوالي 35 ألف طن سنويًا كما حدث عام 2025.

ورغم تصدير هذه الكمية، فإن 8800 طن فقط منها مصدرها داخل الحدود المعترف بها دوليًا، أي أن حوالي 75 بالمئة من الصادرات تأتي من مزارع المستوطنات في الضفة الغربية.

في المقابل، شهد القطاع الفلسطيني نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. وتنتشر زراعة النخيل في أريحا والأغوار وقطاع غزة، لا سيما في مدينتي دير البلح (وسط) وخان يونس (جنوب) القطاع.

وبحسب تقييم ميداني للجنة العليا لتقدير إنتاج التمور (رسمية) عام 2025، بلغ الإنتاج المحلي 25.3 ألف طن، بزيادة من 22 ألفًا في 2024، من 351 ألف نخلة يغطيها 893 مزرعة بالضفة وغزة.

ويصدِّر الفلسطينيون 16 ألف طن إلى أكثر من 35 دولة، بينما تعتمد آلاف العائلات على هذا القطاع اقتصاديًا؛ حيث تشير تقديرات إلى أن 7 آلاف عامل يعملون في زراعة النخيل.

وبحسب وكالة الانباء الرسمية وفا، تصدر السوق المحلية الفلسطينية من 60 إلى 70 بالمئة من التمور المنتجة ما يظهر أهمية هذا القطاع اقتصاديا وتأثير غزو التمور الإسرائيلية على الميزان التجاري.

وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن منتجين إسرائيليين اضطروا إلى وضع خطط لتسويق التمور محليًا بعدما تباطأ الطلب الخارجي بسبب حملات المقاطعة.

وأوقف بعض تجار التجزئة مثل التعاونية البريطانية (Co‑op) استيراد منتجات من شركات إسرائيلية لالتزامهم بسياسة أخلاقية تحظر التعامل مع الاستيطان. 

وخلال السنوات الأخيرة، توسعت صناعة التمور الفلسطينية بشكل لافت، لكنها تواجه منافسة غير عادلة وتحايلاً في العلامات التجارية يعقّدان من قدرة المستهلكين على التمييز بينها وبين ذات المنتج القادم من المستوطنات.

ولذلك فإن انتشار ظاهرة إعادة التعبئة وسرقة الهوية الجغرافية للتمر يضعف القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني؛ لأن المستوطنات تستفيد من بنية تحتية متقدمة وتسهيلات حكومية وحوافز ضريبية. 

يقول مزارع النخيل محمود العبادسة لـ"الاستقلال": إن فلسطين تشتهر بهذا القطاع منذ سنوات وكان ينبغي أن تكون من أبرز مصدري التمور والبلح بالعالم، لكن قيود الاحتلال وحربه وإخفاءه مصدر تموره دمر إمكانيات النجاح.

وأوضح المزارع الذي ينحدر من دير البلح أن قيود الاحتلال تشمل منذ سنوات تدمير الأراضي الزراعية عبر قصفها وتجريفها وإطلاق المستوطنين عليها ومحاربتنا في مصادر المياه ورفع تكاليف الشحن والنقل وإغلاق المعابر، فضلا عن تدمير هذا القطاع بالكامل بفعل الحرب الأخيرة.

وتابع العبادسة: “يعمل الاحتلال في مسارين: تدمير هذه الصناعة داخل فلسطين، ثم سرقة اسمنا من أجل إيصال منتجاته وبيعها في أسواق العالم، أي أن الجريمة مزدوجة”.

طرق التحايل والكشف

ويتحايل منتجو التمور الإسرائيليون بوضع عبارة “صُنع في الضفة الغربية”، ليتمكنوا من بيع منتجاتهم بسبب حملات المقاطعة الواسعة عربيا ودوليا، لكن أنصار هذه الحملات سرعان ما كشفوا أمرهم.

إذ تنتج المستوطنات أنواعا من التمور الفاخرة على رأسها “تمر المجهول”، وللتحايل على المقاطعة وتعويض الخسائر، يعملون على بيع الإنتاج لتجار فلسطينيين بهدف بيعه في السوق المحلية الفلسطينية على أنه تمر محلي الإنتاج.

ولم يبدأ هذا التحايل اليوم فقط؛ إذ تُظهر مصادر عبريّة، بينها موقع يديعوت أحرونوت، أن مشروع الاستيطان الصهيوني بدأ مبكرًا في سرقة فسائل نخيل من دول مجاورة لتأسيس زراعة التمر على امتداد غور الأردن.

وتظهر وثيقة إسرائيلية أنه في عام 1924 جلب المسؤول في الصندوق القومي اليهودي يوسف فيتس “مئات” الفسائل من مصر، ثم في الثلاثينيات خرج آخرون في رحلات شراء إلى نفس الدولة والعراق وكردستان وفارس وأدخلوا آلاف الشتلات “بطرق ملتوية” وزُرعت بتجمعات زراعية بوادي الأردن وبيسان. 

ومن أجل تمييزها، تقول وزارة الزراعة الفلسطينية: إن التمور الفلسطينية تُصدّر مختومة بشهادات صحية وشهادة منشأ وباركود أردني يبدأ برقم 625، بينما تحمل التمور الإسرائيلية باركودات تبدأ بـ729 أو 871. 

إلى جانب الوثائق الرسمية توجد فروق ملموسة، فالنخيل في المستوطنات يُروى بمياه الصرف المعالجة، ما يجعل التمور أكبر حجمًا وأغمق لونًا يميل إلى السواد، في حين تُروى التمور الفلسطينية بمياه عذبة وتتميز بلون عسلي متوسط. 

ومع بدء حملات المقاطعة، أوضح بائع التمور الفلسطيني، محمد كايد سليم في مقطع فيديو أن المنتجين متشابهان وإن قليلًا من الناس يستطيعون تمييز تمر المستوطنات.

وأشار إلى أن حبة التمر الفلسطيني تكون نقية وصافية ولا تحتوي على تجاعيد كثيرة، كما يميل لونها إلى الحُمرة أو السواد الخفيف، بينما حبة تمر المستوطنات إما أن تكون شقراء أو بلون أسود قاتم.

ولكن يحذر المسؤولون الفلسطينيون المستهلكين من الاعتماد على الشكل فقط لأن بعض الشركات الإسرائيلية تعيد تعبئة منتجاتها بعبوات تحمل أسماء عربية أو ملصقات "صنع في فلسطين”. 

وسبق أن صادرت وزارة الاقتصاد الفلسطينية عام 2014 نحو 20 طنا من تمور إسرائيلية كانت تباع بملصق "منتج فلسطيني"، كما شهدت السنوات اللاحقة تحقيقات واعتقالات بقضايا مماثلة.

كما تتطلب الصادرات الفلسطينية شهادة EUR.1 لتسهيل الدخول إلى السوق الأوروبية، وهو معيار لا تلتزم به الشركات الإسرائيلية التي تُعيد التعبئة.

وتشمل أبرز العلامات التجارية الإسرائيلية التي تُصدّر تمور المستوطنات Jordan River، Mehadrin، Hadiklaim، King Solomon Dates، Carmel Agrexco، Star Dates، Anna and Sarah، Medjool Plus وغيرها. 

ووفقا لقاعدة بيانات "سي بي آي" التي تنشر شروط دخول السوق والتقارير القطاعية لدول الاتحاد الأوروبي فإن نحو 50 بالمئة من تمور "مجدول" المصدرة إلى أوروبا مصدرها إسرائيل، فيما تقول منشورات تجارية: إن النسبة قد تصل 75 بالمئة.

وتتطلّب لوائح الاتحاد الأوروبي وقرارات محكمة العدل الأوروبية عام 2019 وضع علامة واضحة على السلع القادمة من المستوطنات تميزها عن تلك المنتَجة داخل "إسرائيل". 

وتوصي الحكومات الأوروبية مواطنيها وشركاتهم بالامتناع عن الأنشطة الاقتصادية في المستوطنات لأنها تنطوي على مخاطر قانونية ومالية وتشوّه السمعة. 

ورغم أن العديد من الدول الأوروبية أصدر توجيهات للشركات بشأن "مخاطر التعامل الاقتصادي في المستوطنات"، فإن التطبيق ضعيف وغالبًا ما يتجاهله الموردون، ما يسمح باستمرار التزييف.