الأسد والغرب يستخدمونه بأشكال مختلفة.. هل تخلى العالم حقا عن السلاح الكيماوي؟

إسماعيل يوسف | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

بعد انتظار وتوجس، أعلنت الحكومة الأميركية في 7 يوليو/تموز 2023، تدمير آخر الأسلحة والمعدات والقنابل من ترسانتها الكيميائية، في مستودع "بويبلو" التابع للجيش في ولاية كولورادو، حيث يعمل فريق متخصص على تفكيك تلك الأسلحة.

بعدها مباشرة، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومقرها في لاهاي بهولندا، في بيان، أنه "تم التحقق من تدمير جميع مخزونات الأسلحة الكيميائية المعلن عنها بشكل لا رجعة فيه، بعد تدمير آخر سلاح من مخزونات الدول الأعضاء".

وأكدت أن "أميركا (الدولة الأخيرة التي كانت تمتلك هذا السلاح) دمرت آخر مخزونها المعلن، في مستودع "بلو جراس" التجريبي لتدمير المواد الكيميائية في ولاية كنتاكي.

وفي بيان تهنئته للعالم بتدمير 100 بالمئة من مخزون الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، قال المدير العام للمنظمة "فرناندو أرياس" إن 193 دولة أعضاء بالمنظمة (من أصل 201 دولة في العالم) نفذت التزاماتها.

لكنه أشار إلى أن هناك أسلحة كيماوية "متروكة وقديمة" لا تزال بحاجة إلى استعادتها وتدميرها، في ظل تهديدات محتملة باستخدامها أو التهديد بها كأسلحة سامة، وأن هذا سيكون أولوية للمنظمة.

ومنذ عام 1997 تم تفعيل "اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية" وأصبحت 193 دولة طرفا فيها.

لماذا الأخيرة؟

لكن ظلت أربع دول هي، مصر وكوريا الشمالية وجنوب السودان وفلسطين، ترفض التوقيع على الاتفاقية حتى الآن لأسباب مختلفة، حيث ترفض مصر مثلا الانضمام للمعاهدة بسبب امتلاك إسرائيل أسلحة نووية.

ورغم أن إسرائيل وقعت على معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، إلا أنها لم تصادق عليها، وبالتالي فهي ليست ملتزمة بنزع سلاحها الكيماوي، وثبت استخدامها له فعليا خلال عدوانها على غزة عبر مواد سامة خانقة وأخرى ضمن ذخائر فسفورية.

أيضا رغم توقيع وتصديق سوريا على المعاهدة في سبتمبر/أيلول 2013، كجزء من الاتفاق الذي أبرمته مع دول العالم لتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية في سوريا، إلا أن نظام بشار الأسد استخدم أسلحة كيماوية في صورة غاز الكلور والأعصاب.

فما قصة المعاهدة؟ وهل بات العالم خاليا حقا من هذا السلاح "البغيض الشرس"؟ أم أن هناك تحايلا عبر استخدام مواد غير محظورة كأسلحة كيماوية؟.

ويعود تاريخ الولايات المتحدة الطويل المتعلق بالأسلحة الكيميائية إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، إذ خصصت أميركا العديد من مرافق البحث والتطوير، ومصانع الكيماويات والتعبئة والمعامل ومجالات التدريب.

وعام 2012، أعلنت الحكومة الأميركية أنها ستكمل تدمير ترسانتها العسكرية الكيماوية بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2022 بالاتفاق مع جميع الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1997.

لكن في مارس/آذار 2022، اتهمت روسيا، ممثلة في سفارتها لدى واشنطن، أميركا بالمماطلة في تنفيذ عملية تدمير الأسلحة الكيميائية.

انتهى الأمر بالإعلان رسميا عن تدمير ما تبقي في 7 يوليو 2023، وشجع الرئيس جو بايدن بقية دول العالم على توقيع "اتفاقية 1997" من أجل أن "يصل الحظر العالمي للأسلحة الكيميائية إلى كامل نطاقه". 

وملأت عناوين ملفتة الصحف الأميركية بتطور هام في الصراع العالمي بهذا السلاح المخيف "الكيماوي"، مثل: "احتضار السلاح الكيماوي الأميركي"، و"واشنطن تدمر آخر مخزوناتها من الأسلحة المخزنة منذ 70 عاما".

صحيفة "نيويورك تايمز" أوضحت في 6 يوليو 2023 أن المخزون الأميركي الذي تراكم على مدى أجيال (70 عاما)، كان يضم "القنابل العنقودية والألغام الأرضية المحشوة بغاز الأعصاب والقذائف المدفعية التي يمكن أن تغطي غابات بأكملها بضباب الخردل، إلى جانب خزانات مليئة بالسموم يمكن تحميلها على طائرات عسكرية".

وأشار تقرير الصحيفة إلى أن الفريق المتخصص يقوم بتفكيكها وغسل المواد منها، ومن ثم إدخالها في فرن خاص درجة حرارته تتجاوز 1500 فهرنهايت (815 درجة مئوية)، لتخرج بعدها كقطعة خردة خاملة.

وأوضحت أن عملية تدمير هذا المخزون الهائل من الأسلحة الخطيرة أخذت عقودا طويلة، مشيرة إلى أن هذه الأسلحة تم تصنيفها منذ الحرب العالمية الأولى بأنها "غير إنسانية"، ولكن الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى استمرت في تطويرها وتكديسها.

ومن غير المعروف ما إذا كانت القوات الأميركية استخدمت الأسلحة الكيماوية منذ عام 1918، رغم استخدامها خلال حرب فيتنام سموما كمبيدات للأعشاب والتي تبين لاحقا أنها ضارة بالبشر.

وامتلكت الولايات المتحدة برنامجا متطورا يعتمد على الأسلحة البيولوجية والحرب الجرثومية، وتم تدميرها لاحقا في السبعينيات من القرن الماضي.

تاريخ أسود

شهدت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أول استخدام واسع النطاق للأسلحة الكيميائية السامة في الحرب البرية، إذ استخدمت القوات الفرنسية والألمانية في 1914 كميات محدودة من الغازات المسيلة للدموع (إيثيل برومو أسيتات، وكلورو أسيتون).

كان أول استخدام واسع النطاق للغاز المسيل للدموع خلال معركة بوليموف في 31 يناير/كانون الثاني 1915، عندما أطلقت القوات الألمانية حوالي 18 ألف قذيفة تحتوي على غاز بروميد السائل المسيل للدموع على المواقع الروسية، ولكنه أثبت عدم فاعليته.

ثم شهدت معركة إبرس الثانية ببلجيكا، في 22 أبريل/نيسان 1915، أول استخدام ناجح على نطاق واسع للأسلحة الكيميائية الفتاكة، عندما أطلق الجيش الإمبراطوري الألماني 188 طنا من البرثولايت (غاز الكلور) ضد القوات الفرنسية والكندية، ما تسبب في حدوث ما بين 6 و7 آلاف إصابة.

بعد استخدام غاز الكلور في تلك الواقعة، بدأ الجيش الأميركي التوجه نحو أساليب الحرب الكيميائية، وخصصت إدارة الذخائر بالجيش ميزانية خاصة لإنتاج قسم الحرب الكيميائية بالجيش (CWS)، الذي تأسس في 28 يونيو/حزيران 1918.

وفي عام 1928، اختار قسم السلاح الكيميائي بالجيش الأميركي سبعة عوامل كيميائية للاستخدام العسكري هي ميثيل كلوروارسين (MD)، آدمسيت (DM)، كلورو أسيتوفينون (CN)، رباعي كلوريد التيتانيوم (FM)، الفسفور الأبيض (WP)، وأكسيد الزنك وسداسي كلورو الإيثان (HC).

وبين عامي 1940 و1945، أنتج قسم السلاح الكيميائي بالجيش ما يقرب من 146 ألف طن من العوامل الكيميائية في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

مع ذلك، قرر الرئيس فرانكلين روزفلت سياسة عدم الاستخدام الأول للأسلحة الكيميائية مع بداية الحرب العالمية الثانية، وبالتالي لم يتم استخدام أي من الأسلحة الكيميائية الأميركية أثناء الحرب.

وفي أعقاب الحرب في أوروبا، عثر الحلفاء على مخزون ضخم من الأسلحة الكيماوية الألمانية بلغ حوالي 296 ألفا و100 طن، واتفق الحلفاء على تدميرها في البحر، ولكن يعتقد أن بعض الدول منها أميركا استخدمت عينات مما تمت السيطرة عليه من المخزون الألماني لتطوير معاملها في فترة ما بعد الحرب.

وكان من بين ذلك تطويرها لغاز السارين القاتل الذي يدمر الجهاز العصبي للإنسان ويؤدي للموت المُحتم.

وكان أول استخدام أميركي للأسلحة الكيميائية الأميركية في فيتنام خلال الفترة من 1955 وحتى 1973، عن طريق فيتنام الجنوبية، حيث تم إلقاء الأسلحة الكيماوية على المدنيين والمقاتلين في فيتنام الشمالية، وانعكست على بعض الجنود الأميركيين.

أيضا استخدمت أميركا "النابالم" الذي تم تطويره في جامعة هارفارد عام 1942، بشكل عشوائي ويولد درجات حرارة تصل إلى 1200 درجة مئوية، ويسبب حروقا شديدة واختناقا، والتسمم بأول أكسيد الكربون، وعواصف نارية.

وكان أبرز دليل علي ذلك صور الطفلة الفيتنامية الشهيرة "كيم فوك" البالغة من العمر تسع سنوات وهي تصرخ عارية ويغطي جسدها النابالم المحترق بعد أن أسقطت القوات الفيتنامية الجنوبية، بدعم أميركي كميات منه على القرى الفيتنامية.

وتشير دراسات أميركية أنه تمت تجربة واختبار السلاح الكيماوي أيضا على حي فقير للسود في مدينة سانت لويس، بولاية ميسوري الأميركية، ضمن تجارب سرية للفيلق الكيميائي للجيش الأميركي لمعرفة كيفية تشتت الجزيئات الكيميائية في الغلاف الجوي، بحسب موقع "هيستوري كوليكشن" في 17 سبتمبر 2017.

واستخدمت أميركا غاز الفسفور في حرب العراق، والذي يقتل عن طريق حرق الأنسجة البشرية، ومهما تمت محاولة إخماده يقوم بالاشتعال مرة أخرى.

أيضا تم استخدامه من قبل مشاة البحرية الأميركية في معركة الفلوجة الأولى، ضد من وصفتهم بـ"المتمردين"، في إشارة للمقاتلين المقاومين العراقيين، كتكتيك لإخراجهم من المباني.

وتبين أيضا أن الولايات المتحدة استخدمت السلاح الكيماوي عام 2009 ضد حركة طالبان في أفغانستان.

صهيونية وأسدية

خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009، كشف أطباء في مستشفيات غزة وصحف ومؤسسة طبية عالمية أن قوات الغزو الإسرائيلية استخدمت بغزارة أسلحة محرمة دوليا بين التجمعات السكانية أخطرها "الفسفور الأبيض" المعروف باسم "ويلي بيت"

و"القنابل الحرارية الحارقة" المسماة "الميكروويف" التي تحرق وتدمر أجزاء الجسم الداخلية، مؤكدين ضرورة محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة أمام محاكم جرائم الحرب الدولية.

وكشف أمين عام لجنة الإغاثة باتحاد الأطباء، إبراهيم الزعفراني، خلال عدوان 2009، لموقع "إسلام أون لاين" أن "أطباء مصريين دخلوا غزة أبلغوا اللجنة أن إسرائيل تستخدم أسلحة كيماوية محرمة دوليا وفسفورا حارقا".

وقال الزعفراني إن "هناك أدلة طبية على ذلك مثل تعرض المصابين بمرض اللوكيميا (سرطان الدم) للنزيف الحاد بفعل الغازات السامة والمسرطنة المستخدمة، وهو دليل طبي ملموس على استخدام أسلحة محرمة، فضلا عن التهابات الرئتين والحروق الكيماوية.

وفي حرب 2011، وردت تقارير طبية أخرى عن غازات برائحة كريهة تقتل المدنيين في غزة، كما استخدم الاحتلال قنابل الأعماق لاقتلاع أبراج سكنية من أماكنها، وظهرت حروق نتيجة أسلحة محرمة، وطلقات محرمة. 

كما حذرت تقارير دولية من استمرار دولة الاحتلال الإسرائيلي في امتلاك أسلحة كيماوية واستخدام بعضها بالفعل في عدوانها على غزة دون أي عقاب.

وفي يناير 2023، اتهمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية رئيس النظام السوري، بشار الأسد، باستخدام أسلحة كيماوية خلال النزاع الذي اندلع في بلاده عقب ثورة الربيع العربي عام 2011، وقمعه لها بوسائل حربية قذرة.

وقالت إن تحقيقا أجرته كشف إسقاط النظام أسطوانات غاز الكلور على مبان سكنية في مدينة دوما السورية التي كانت خاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة عام 2018 مما أسفر عن مقتل العشرات.

كما أنها حققت في استخدام غاز أعصاب أيضا، يعود إلى الحقبة السوفييتية ضد الجاسوس الروسي السابق في بريطانيا والمعارض للكرملين، أليكسي نافالني.

واتهم معارضون سوريون الأسد ونظامه، بأنهم قتلوا 500 ألف شخص، واستخدموا الأسلحة الكيماوية ضد شعبهم وصدّروا المخدرات.

وغاز الكلورين سام للغاية، لكنه غير مصنف كسلاحٍ كيميائي بشكل رسمي لأنه عنصر نقي ومستخدم بشكل كبير لأغراض سلمية، لكن نظام الأسد في سوريا استخدمه في تصنيع مواد كيميائية وذخائر قتالية.

وفتحت مجزرة الكيماوي الأخيرة التي نفذها نظام الأسد عام 2017 ضد أطفال ونساء "خان شيخون" وراح ضحيتها 100 وأصيب 400 باختناق، الحديث عن مجازر الكيماوي الأسدية المتعددة.

ونفذ النظام السوري بين يناير وأبريل 2017، ما مجموعه 9 هجمات جديدة بالأسلحة الكيميائية، في كل من إدلب وحماة وريف دمشق ودمشق، بحسب تقارير حقوقية سورية ودولية.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن مجموع المجازر الكيماوية للنظام ضد شعبه بلغت 167 هجوما منذ عام 2011 حتى 2017 فقط.