انقلب السحر على الساحر.. هكذا حققت قمة المناخ بشرم الشيخ نتائج عكسية
.jpg)
بصورة لافتة، اتفقت غالبية الدوائر الحقوقية والإعلامية الدولية على أن النسخة الـ27 لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، التي استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية بين 6 إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، كانت من أكثر القمم جدلا بسبب كثرة المشاكل التي تخللتها.
وتجتمع كل عام دول العالم في بلد جديد لمناقشة الخطط والسياسات لمعالجة آثار تغير المناخ، وفي هذا العام وقع الاختيار على مدينة شرم الشيخ لتنظيم مؤتمر المناخ "كوب 27"، ما عده كثيرون فرصة للنظام المصري للترويج لقطاعه السياحي وجذب استثمارات جديدة للبلاد.
لكن ما لم يكن في حسبان النظام الذي يقوده عبد الفتاح السيسي، التوافد الكبير لنشطاء حقوق الإنسان والمناخ على شرم الشيخ، والانتقادات الحقوقية الهائلة التي استهدفت السلطات طوال فعاليات القمة، على خلفية السجل الحقوقي السيئ للبلاد.
الإطار التنظيمي للمؤتمر أيضا كان محل انتقاد بالغ، لا سيما مع مفاجآت بشأن أسعار الغرف الفندقية، والطعام، والشراب، فضلا عن عطب منظومة الصرف الصحي بشرم الشيخ، وكلها وقائع رصدتها صحف عالمية، ما مثل فضيحة للنظام.
الأصعب في التاريخ
وقبيل انطلاق قمة المناخ توالت دعوات حقوقية دولية إلى قادة دول العالم من أجل ممارسة ضغوط على نظام السيسي من أجل إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذين تجاوز عددهم 60 ألفا.
وكان السياسي الأميركي، المدير التنفيذي لمنظمة الديمقراطيين التقدميين في الولايات المتحدة، آلان مينسكي، أحد أبرز الضاغطين على نظام السيسي في هذا السياق.
وفي مقابلة مع موقع "عربي 21" في 4 نوفمبر، أكد مينسكي، أن "السلطات المصرية تسحق العمل المناخي كما تسحق عمل منظمات المجتمع المدني، مثلما تسحق أيضا كل الأصوات المنادية بالتغيير أو حتى تلك التي لا تعلن تأييدها للنظام".
وأضاف: "لا بد من الإفراج عن جميع السجناء السياسيين في مصر، الذين جرى اعتقالهم طوال 11 عاما منذ اندلاع ثورة يناير (كانون الثاني 2011) وحتى الآن".
وشدد على أن "أي مشاركة في قمة المناخ قبل تحقيق هذا المطلب الإنساني العادل ستعد تجميلا قبيحا لصورة نظام السيسي الذي انتهج الديكتاتورية والاستبداد بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد".
ومع انطلاق القمة، وصفت وكالة "بلومبرغ" الأميركية، قمة مناخ مصر بـ"الأصعب في التاريخ" من حيث الاعتمادات والحصول على تصاريح، ومن جهة محال الإقامة والتضييقات الأمنية غير المسبوقة.
وأضافت في 9 نوفمبر، أنه "بالفعل تم استثناء قطاع عريض من نشطاء الدول النامية، ووصلت تكلفة حضور المؤتمر للفرد 7 آلاف دولار، أما حجز فندق 5 نجوم في شرم يزيد التكلفة لـ4 أضعاف".
وذكرت أن "هناك رقابة أمنية بالغة، وتم توقيف عدد كبير من النشطاء المتجهين لشرم الشيخ في أكمنة ولجان أمنية وجرى استجوابهم".
الوكالة الأميركية استدركت عند الحديث عن شرم الشيخ قائلة: "أما مدينة الاستضافة فإنها تبعد عن العاصمة مسافة 500 كلم، ومحاطة بالصحراء لسهولة تأمينها وصعوبة الوصول إليها".
ولفتت إلى أن "الأجهزة الأمنية والمخابرات تتحكم في كل شيء هناك، ما جعل القمة المصرية أقل القمم حضورا من قبل النشطاء".
فضيحة كبيرة
وفي سياق السطوة الأمنية التي خيمت على القمة، سلطت صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، الضوء على التطبيق الإلكتروني الذي أعدته السلطات المصرية للقمة.
وقالت في 10 نوفمبر، إن ثمة مخاوف كبيرة بشأن تطبيق القمة للأجهزة المحمولة الذي أعدته الحكومة المصرية.
وأضافت أنه بالفعل أطلق مستشارو أمن غربيون تحذيرات للناشطين الحقوقيين المشاركين بالمؤتمر من تحميل التطبيق.
وأكدت أن السلطات المصرية يمكنها عبر التطبيق اختراق رسائل البريد الإلكتروني الخاصة، والنصوص، وحتى المحادثات الصوتية للناشطين.
وذكرت "بوليتيكو" أن حكومات غربية نصحت المسؤولين بعدم تنزيل التطبيق، فيما تورطت دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وكندا في تنزيله.
من جانبها، تحدثت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في 12 نوفمبر، عن الحضور المكثف لعناصر الأمن والمخابرات بمؤتمر المناخ في شرم الشيخ.
وقالت إن "عناصر المخابرات كانوا يقفون بمفردهم كل 100 متر أو نحو ذلك، وهم يرتدون بذلات ونظارات شمسية وأطواق أذن في وسط الحقول الترابية الواسعة التي تحيط بالمكان".
وأوردت أن الأجهزة الأمنية المصرية لم تكتف بالتطبيق، إذ تتبعت مواقع الأشخاص عبر تقنيات GPS و Wi-Fi، ونشرت في جميع أرجاء شرم الشيخ رموز QR، وأكوادا شبه شريطية توجه الأشخاص إلى تنزيل التطبيق المشبوه.
لكنها أكدت أن قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، لم يقوموا قطعا بتنزيل التطبيق، خشية تعرضهم للتجسس.
من جانبها، تحدثت منظمات حقوقية عن خطورة التطبيق، أبرزها منظمة العفو الدولية "أمنستي"، التي ذكرت في 12 نوفمبر، أن النظام المصري له سوابق مجحفة في مراقبة شعبه، وتتبع المواطنين عبر الإنترنت في الداخل والخارج.
وأضافت أنه وبمجرد تحميل التطبيق سيتم تفريغ جميع بيانات الهاتف لدى السلطات المصرية، وجهاز المخابرات.
لكن البعد الأمني لم يكن هو المشكلة فقط، ففي 10 نوفمبر، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات ساخرة ومستنكرة بعد انتشار مقاطع فيديو تكشف انفجارا بشبكة صرف صحي، بجوار مقر انعقاد المؤتمر.
ما اضطر المشاركين من كل الجنسيات لاستخدام الأحجار وأجولة الرمل لعبور بركات المياه المتجمعة أمام المؤتمر، مع شكواهم من روائح كريهة. وزاد الطين بلة تناقل وسائل إعلام دولية مشاهد من الفضيحة.
قمة علاء
لكن ما سبق لم يكن شيئا يذكر أمام قضية الناشط المصري علاء عبد الفتاح المسجون بشكل شبه دائم منذ عام 2013، الذي كان قلب القمة بشكل بارز، وتحدث عنه أغلب قادة الدول والناشطون بالمؤتمر.
وفي هذا السياق، قال موقع غلوبال فويسز "الأميركي"، في 14 نوفمبر، إنه في حضور 190 دولة ومئات المنظمات الدولية، واجه السيسي ضغوطات كبرى بشأن حقوق الإنسان، على رأسها قضية الناشط علاء عبد الفتاح.
واستشهد الموقع بما خطه كثير من النشطاء المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بتسمية كوب 27، بـ "قمة علاء عبد الفتاح"، وتحول الناشط المصري إلى أيقونة خاصة للقمة.
وذكر الموقع الأميركي، أن مصر تحمل سجلا حقوقيا متدهورا، وتقمع منظمات المجتمع المدني، حتى أن النظام قام بفرز انتقائي للمنظمات الحاضرة.
وأورد أن الحكومة المصرية استبعدت المنظمات في سيناء، ولم تركز على ما يحدث في سيناء من قمع، تلك الأرض التي تستضيف المؤتمر، وتشهد منذ عام 2013 حملات عسكرية مكثفة.
وأضاف أن السيسي قمع حقوق الإنسان، وحد من المشاركة في الخطاب السياسي، وقلص المساحات المدنية منذ الانقلاب العسكري، إذ ما زالت محاكم أمن الدولة طوارئ تعمل بنشاط، وهناك أحكام إعدام جماعية أصدرت، بينما تجاوز عدد المعتقلين السياسيين 60 ألفا.
وشدد الموقع على أن اختيار مصر كمكان للقمة كان غير موفق، للانتهاكات الحقوقية، وسوء المعاملة والتعذيب داخل السجون مستمر.
ومما أورده أن النظام يستهدف عائلات النشطاء والسياسيين المقيمين في الخارج، حتى في غضون مؤتمر المناخ اعتقل 70 شخصا.
وكشف أن ضباط الأمن والمخابرات بزي مدني ينشطون في الأروقة، ويفتشون الهواتف وأجهزة اللاب توب والكاميرات، ويتجسسون بشكل مباشر على الحضور.

وفي تعليقه على المشهد، أكد الباحث الإعلامي المصري طارق محمد لـ"الاستقلال"، إن "ما حدث في قمة المناخ فشل ذريع وفضيحة عالمية بالقطع".
وقال محمد: "يبدو أن القائمين على التنظيم، وأصحاب فكرة أن تستضيف مصر هذه القمة لم يكونوا على علم بطبيعتها ولا أهدافها ولا ما سيقابلهم من مصاعب وتحديات، وخاصة في الجانب الحقوقي".
وأضاف: "ربما ظن السيسي أن المسألة لا تعدو أن تكون كرنفالا، يتوافد إليه قادة العالم، يستطيع من خلاله تسويق نفسه، ومشروعاته الوهمية، ثم يحصل على تمويلات تحلحل أزمته الاقتصادية".
ومضى الباحث المصري يقول: "لم يتخيل أن تتوافد جموع الحقوقيين والمنظمات الكبرى، ويحولوا مدينته إلى مقر للاحتجاج على سياساته القمعية والانتهاكات الحقوقية".
وتابع: كان الأمر تماما كما حدث في كأس العالم عام 1978 في الأرجنتين زمن الديكتاتور المشهور خورخي فيديلا، الذي استضاف البطولة لتلميع نظامه، فإذا بالأمر ينقلب عليه، وتتحول إلى سبب رئيس في سقوطه.
وأكد محمد أن "كوب 27 بالفعل كان فرصة لمعظم نشطاء العالم للتعرف على مصر عن قرب، ومعرفة أعداد وأحوال المعتقلين، وأزمة حقوق الإنسان، إضافة إلى فشل وعجز الحكومة في حل أزمات المناخ ومواجهتها".
المصادر
- ‘We Feel Completely Rejected’: Egypt Is Shutting Its Own Activists Out of COP27
- Egypt’s COP27 summit app is a cyber weapon, experts warn
- ‘Like Vegas, but worse’: Sharm el-Sheikh fails to charm Cop27 delegates
- ما الذي يجب أن تعرفه عن قمة المناخ COP27؟
- مؤتمر المناخ 2022: أبرز الخلافات التي تخيّم على قمة المناخ كوب 27 في شرم الشيخ
- سياسي أمريكي: السيسي يسحق العمل المناخي وحقوق الإنسان