رغم كونها حليفا.. لماذا تسعى إسرائيل لتوقيع اتفاقية تطبيع مع أذربيجان؟

منذ ١٢ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في ظل تناقض رسائل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران -فهو من جهة يعيد فرض حملة "الضغط الأقصى" ويهدد بالعمل العسكري، ومن جهة أخرى يبدي رغبة في التفاوض- تسعى أصوات مناهضة للدبلوماسية جاهدة لإيجاد سبل جديدة لإبقاء العداء بين واشنطن وطهران قائما بلا نهاية.

وتصاعدت حملة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لضم أذربيجان، الجارة الشمالية لإيران، إلى حزمة اتفاقيات التطبيع التي أُبرمت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بينها الإمارات والبحرين والمغرب.

ورأى "مركز بيغن-السادات"، أحد أبرز مراكز الأبحاث الإسرائيلية، أن باكو “ستكون إضافة مثالية لهذا التحالف”.

كذلك، وجّه عدد من الحاخامات المؤثرين، بقيادة مؤسس "مركز سيمون فيزنتال" في لوس أنجلوس، مارفن هاير، والحاخام الرئيس للإمارات، إيلي عبادي -المقرب من جاريد كوشنر، صهر ترامب والمهندس الرئيس للاتفاقيات الأصلية- رسالة إلى ترامب يطالبون فيها بضم باكو للاتفاقيات.

وقد وجدت هذه الدعوات صدى لها في صفحات الرأي لكل من صحيفة "وول ستريت جورنال" ومجلة "فوربس" الأميركيتين.

علاقات قديمة

وقالت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية: إن الدفع نحو تطبيع أذربيجاني مع إسرائيل "أشبه بحملة ضغط أخرى على إيران".

وأضافت: "للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الجهود محيرة، فأذربيجان، من الناحية العملية، تعد حليفا وثيقا لإسرائيل، بل أكثر بكثير من أي من الدول العربية الموقعة على اتفاقيات التطبيع".

وتابعت: “فعندما صنّفت إسرائيل إيران كتهديد رئيس أوائل التسعينيات، سعت إلى بناء علاقات مع أذربيجان كإجراء مضاد”.

واستفادت باكو بشكل كبير من هذه العلاقة؛ حيث لعبت إسرائيل دورا محوريا في إلحاق أذربيجان هزيمة بأرمينيا في حربي 2020 و2023 حول إقليم "قره باغ".

ووفقا لـ"معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، شكّلت إسرائيل ما يصل إلى 70 بالمئة من واردات أذربيجان من الأسلحة المتقدمة.

في المقابل، تُعد أذربيجان المورد الرئيس للنفط إلى إسرائيل؛ حيث تؤمّن ما يصل إلى 40 بالمئة من إجمالي وارداتها النفطية، ولم توقف شحناتها حتى خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي مؤشر على تعميق العلاقات، استحوذت شركة النفط الوطنية الأذرية "سوكار" أخيرا على حصة بنسبة 10 بالمئة في حقل "تمار" الإسرائيلي للغاز البحري.

لذلك، فإن القيمة المضافة لانضمام أذربيجان إلى اتفاقات التطبيع ليست واضحة بحد ذاتها -وفق المجلة- ويبدو أن الأجندة الحقيقية تكمن في إدخال الولايات المتحدة إلى التحالف الثنائي القائم.

فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن رغبة الكيان في "إرساء أساس قوي للتعاون الثلاثي" مع الولايات المتحدة وأذربيجان.

وأوضح الخبيران الأميركيان سيث كروبسي وجوزيف إبستين الهدف من هذا التحالف، في مقال رأي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، وهو زيادة الضغط بشكل كبير على الحدود الشمالية لإيران.

المادة 907

لكن هناك عقبة تحول دون تحقيق هذا المخطط بالكامل، وهي المادة 907 من "قانون دعم الحرية"، التي أقرها الكونغرس خلال الحرب الأولى في "قره باغ" أوائل التسعينيات بضغط من اللوبي الأرمني-الأميركي النافذ، وتحظر تقديم المساعدات وبيع الأسلحة الأميركية لأذربيجان.

ومع ذلك، ومنذ انطلاق ما يُعرف بـ"الحرب العالمية على الإرهاب"، عمد الرؤساء الأميركيون المتعاقبون إلى تجاوز هذا القيد، بعدما أثبتت باكو أنها "شريك نافع"، وفق المجلة.

وذكرت أنه “في هذا السياق، قدمت أذربيجان نفسها كحليف محوري ضد طهران، مستخدمة في ذلك وسائل ضغط غير مشروعة على أعضاء الكونغرس”.

ويؤكد داعمو أذربيجان في إسرائيل والولايات المتحدة أن الإعلان عن "اتفاق سلام" وشيك بين يريفان وباكو يشكل مبررا كافيا لإلغاء المادة 907 نهائيا.

ومع ذلك، لم يُوقَّع الاتفاق بعد، حيث تواصل أذربيجان تغيير شروطه باستمرار، والأخطر من ذلك أن “باكو كثّفت رسائلها حول مزاعم بأن أرمينيا تستعد لشنّ حرب انتقامية لاستعادة خسائرها”.

غير أن هذه الادعاءات تتعارض مع المنطق -وفق تقييم مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت”- إذ إن ميزان القوى في المنطقة يشير بوضوح إلى أن يريفان ليست في وضع يسمح لها بمواجهة أذربيجان المدعومة من تركيا وإسرائيل عسكريا.

كما أن رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، أكد استعداده للتوقيع الفوري على اتفاق السلام مع باكو.

وبحسب المجلة الأميركية، يمكن تفسير تكتيكات المماطلة التي تنتهجها باكو برغبتها في استغلال نفوذها الحالي إلى أقصى حد لانتزاع المزيد من التنازلات الإقليمية من يريفان، ومن ثم تحميل أرمينيا مسؤولية فشل محادثات السلام.

ودأب الرئيس الأذري، إلهام علييف، على المطالبة بمنطقة سيونيك، المعروفة في باكو باسم "زنغزور"، بصفتها "أرضا أذرية تاريخية"، متعهّدا بـ"استعادتها".

وتعد هذه المنطقة الشريط الضيق من الأراضي الأرمنية الذي يحدّ إيران ويعزل أذربيجان عن جيبها ناخيتشيفان، وطالبت باكو منذ فترة طويلة بإنشاء ما يُعرف بـ"ممر زنغزور"، الذي يربطها مباشرة بتركيا.

هذا المطلب لم يُدرج في مسودة اتفاق السلام الحالية، لكنه لم يُسحب من أجندة باكو أيضا، ما يجعل أرمينيا عرضة لضغوط عسكرية متجددة من جانب أذربيجان، وفق مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت".

استهداف إيران

من جانبها، أوضحت إيران بشكل قاطع أن أي تغيير في الحدود داخل منطقة جنوب القوقاز غير مقبول، فطهران تخشى أن يؤدي فقدان حدودها مع أرمينيا إلى عزلها عن المنطقة، مما يمنح منافستها تركيا وعدوها إسرائيل فرصة لترسيخ وجودهما في جوارها المباشر.

ولمنع ذلك، أجرت إيران مناورات عسكرية واسعة النطاق على حدودها مع أذربيجان، وحذّرت من أنها ستتدخل عسكريا إذا لزم الأمر.

ورغم ذلك، فإن هذه التحذيرات كافية لردع خطط باكو، وقد أثمرت تلك الرسائل عن نتائجها المرجوة؛ إذ اتخذت كل من باكو وطهران خطوات للحد من التوترات منذ ذلك الحين.

وقالت المجلة: "يبدو أن السعي لضم أذربيجان إلى اتفاقيات التطبيع -التي يعدها ترامب أبرز إنجازاته في السياسة الخارجية خلال ولايته الأولى- يهدف إلى تعزيز علاقتها بواشنطن، مما قد يشجّع باكو على تبني موقف أكثر جرأة تجاه إيران".

وأضافت "كما أن وضع أذربيجان في طليعة التحالف المناهض لإيران يستهدف تحفيز المجتمع الأذري الكبير داخل إيران، الذي يشكل ما يصل إلى 20 بالمئة من إجمالي السكان".

وأكدت المجلة أنه "ما من شك في أن إسرائيل وأذربيجان سترحبان بـ(التعاون الثلاثي) مع الولايات المتحدة، الذي تسعى إليه حكومة نتنياهو".

واستدركت: "مع ذلك، من الصعب تصور كيف سيخدم ذلك المصالح الأميركية على المدى الطويل، لا سيما في ظل حرص واشنطن على تجنب التزامات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط الموسع قد تجرّها إلى حروب جديدة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها بالوكالة".

وترى المجلة أن "الأهمية الإستراتيجية لأذربيجان بالنسبة للولايات المتحدة ضئيلة، وهي تعتمد في الغالب على تضخيم التهديد الإيراني".

ولذلك قالت: إن "الطريق الأفضل للأمام سيكون في تسوية واشنطن خلافاتها مع طهران بشكل سلمي، كما يدّعي ترامب أنه يرغب في ذلك".