بعد 30 عاما إخفاقات.. لماذا اختار المغرب "المالكي" رئيسا لملف التعليم؟
.png)
حالة رفض شبه تام في المغرب، بعد تعيين وزير التعليم السابق الحبيب المالكي، على رأس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وسط مخاوف وغضب من ضياع الأمل في إصلاح منظومة التعليم بالمملكة.
وجاءت الانتقادات على خلفية شغل المالكي (76 عاما) منصب وزير التعليم سابقا وتقلده مسؤوليات رسمية عديدة على مدار 30 سنة، دون نتائج ملموسة على أرض الواقع، كما تحدث ناشطون عن "ترضية سياسية" تقف وراء التعيين.
و"المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي" هيئة دستورية مستقلة ذات طبيعة استشارية للتفكير الإستراتيجي في قضايا التعليم، وتأسس عام 2014، ويعين رئيسه من قبل الملك لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
جائزة الفشل
وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عيّن العاهل المغربي محمد السادس، المالكي، خلفا لعمر عزيمان، الذي ترأس المجلس منذ سنة 2014، وفق بيان للديوان الملكي.
وقال البيان، إن "الملك زود الرئيس الجديد للمجلس بتوجيهاته قصد التفعيل الأمثل للمهام التي أوكلها الدستور لهذه المؤسسة في النهوض بالمدرسة المغربية، وإبداء الآراء حول السياسات العمومية والقضايا التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي".
وذكر أن "الملك أكد على ضرورة مواكبة المجلس، بصفته مؤسسة استشارية، لإصلاح منظومة التربية والتكوين، بتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، من أجل تحقيق أهدافه الرئيسة فيما يخص الارتقاء بجودة التعليم في جميع المستويات، وتحقيق المساواة، وتكافؤ الفرص".
والمالكي، من قيادات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (معارض)، وهو نائب في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، وسبق له أن ترأس مجلس النواب في الولاية السابقة (2016-2021)، وتولى عدة مناصب حكومية،
وعام 1990، عيّن على رأس مجلس الشباب والمستقبل، وفي 1998 وزيرا للفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري، ثم وزيرا للتربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر عام 2002، وهو عضو برلماني منذ 1993.
وتساءلت صحيفة "آذار" المحلية في مقال نشرته في 15 نوفمبر، عن معنى "تعيين شيخ يطل على 100 عام من العمر على رأس مؤسسة إستراتيجية معنية بتأمين تعليم جيد لملايين الأطفال والشباب لبلد بكامله؟"
وأضافت "لا خلاف أن هذا التعيين فيه تأكيد على أن الثقة الملكية متواصلة في المالكي كواحد من خدام الدولة وليس كقيادي في حزب الاتحاد..".
وتابعت: "نقصد هنا تعيين المالكي في بداية التسعينيات على رأس مجلس وطني للشباب والمستقبل.. لكن هذا لا يمنع من طرح بعض التساؤلات من غير تفريط في الأدب اللازم للقرارات الملكية التي قد تبنى على معطيات لا علم لنا بها..".
وقالت الصحيفة: "فعلا ينبغي الاعتراف بأن المالكي مر من مناصب وزارية مهمة لكن الرجل لم يترك خلفه أي بصمة تذكره لا بالخير ولا بالشر..".
وأشارت إلى أن "المالكي مر من وزارة التعليم ومر من وزارة الفلاحة وعمر طويلا في مجلس النواب قبل أن يترأسه، فما الذي يسجل التاريخ لهذا الرجل في سلة الإنجازات؟ لا شيء تقريبا حتى لا أقول إن السيد يستحق جائزة نوبل في الفشل..".
وشددت صحيفة "آذار" على أن "المطلوب من المالكي اليوم هو أن ينجح أيضا في توفير تعليم جيد لجميع أبناء المغاربة وليس تعليما نخبويا لا مكان فيه لأبناء الفقراء..".
إعادة تدوير
وفي تعليقه على التعيين، كتب الأكاديمي خالد البكاري: "بصفتي أحد المشتغلين في هذا الميدان، أحس بالإهانة، صعب جدا أن أصدق بالفعل أن التعليم قضية وطنية عند مسؤولي هذا البلد".
وأضاف البكاري في تدوينة عبر فيسبوك في 15 نوفمبر: "لأن هذا التعيين يعني أن المجلس الأعلى للتعليم لا يعني شيئا، حتى نعيّن على رأسه رجلا راكم الفشل في كل المسؤوليات التي مر منها".
وتابع أن "في مروره لم يترك أي أثر، كان ظلا باهتا، كل ما فعله أنه قام بتبليص (توظيف) بعض الاتحاديين كرؤساء أقسام ومديريات ومديري أكاديميات، وأدخل العاطلين من اتحاديي كتاب المغرب لمراكز التكوين كأساتذة في واحدة من أبشع مظاهر الريع".
وزاد: "حتى حين أصبح الرجل الثالث في الدولة بروتوكوليا، حين تقلد منصب رئيس البرلمان، فقد تم ذلك بطريقة مخجلة، ومضحكة، هي تعيين وليست انتخاب، رئيس مجلس نواب يتم اختياره قبل تشكيل الأغلبية".
وتساءل البكاري: "ما الرسالة من هذا التعيين المستفز؟" مستطردا: "إلا إذا كانت الدولة ترى أن ملف التعليم انتهى، بالرؤية الإستراتيجية (التي لا تتضمن أي جديد من غير إعادة تدوير وثائق قديمة)، وفقرات في تقرير لجنة النموذج التنموي".
من جانبه، تساءل الباحث في مجال حقوق الإنسان، عزيز إدامين، "إن كانت الأرض المغربية والأم المغربية توقفت عن الإنجاب منذ 1990 عندما عين المالكي أمينا عاما للمجلس الأعلى للشباب والمستقبل أو احتمال أن هناك فعلا فرضية استفحال مرض السادية في جسم (المخزن) بالتلذذ في عذاب (رعاياه)" .
وأفاد بأن "المالكي، حتى الطبيعة تستحي أن تكلفه بمهمة نظرا لسنه، وحتى العقل يستعصي عليه تبرير إعادة تدوير مادة لعشرين مرة، والأخلاق تأنف على نفسها أن تكون سجينة أهواء شخصية..".
جدير بالذكر أن التعليم في المغرب يعاني من إشكالات جوهرية أقر بها وزير التعليم شكيب بنموسى، في آخر تصريح له، وهو أول اعتراف من مسؤول وزاري بوجود اختلالات في القطاع.
وأثناء تقديمه لـ"خارطة الطريق 2022ـ 2026"، في 10 نوفمبر، قال بنموسى: "المدرسة العمومية لا تضمن اكتساب المبادئ الأساسية ولا تحظى بثقة المواطن، بالنظر لعدة أسباب وعلى رأسها ضعف الجودة".
وتحدث الوزير عن مجموعة من الاختلالات التي تشهدها المدرسة العمومية، ومنها ارتفاع نسبة الهدر المدرسي ومحدودية فرص التفتح وتحقيق الذات لدى التلاميذ، مؤكدا أن "النتائج التي تحققها المدرسة العمومية غير مرضية".
ترضية سياسية
فيما رأى المدون محمد بنديوس تعيين المالكي: "ترضية أخرى لحزب الاتحاد الاشتراكي، بتعيين المالكي رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم، أبرز مؤسسات الدولة يتم تعيين فيها بعض قيادات هذا الحزب".
وأضاف في تغريدة عبر تويتر في 15 نوفمبر، "كأني بهم يريدون إطفاء نار الغضب التي اشتعلت بعد عدم قبولهم (يقصد حزب الاتحاد الاشتراكي) في حكومة عزيز أخنوش وإخراجهم منها من النافذة".
ترضية أخرى لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية بتعيين الحبيب المالكي رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم ووو، أبرز مؤسسات الدولة يتم تعيين فيها بعض قيادات هذا الحزب، كأني بهم يريدون إطفاء نار الغضب التي اشتعلت بعد عدم قبولهم في حكومة أخنوش واخراجهم منها من النافذة.
— Bendioues Mohamed (@Bendiouesmed) November 15, 2022
الحزب أكبر من ذلك.
وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في 8 سبتمبر/ أيلول 2021، حقق الاتحاد الاشتراكي، 34 مقعدا (من أصل 395)، وأبدى زعيمه إدريس لشكر رغبته في الائتلاف الحكومي، إلا أن زعيم التجمع الوطني للأحرار المتصدر، أخنوش، لم يشركه في الحكومة الحالية واكتفى بحزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وفي السياق، قال المدون حسن حافة: "مرة أخرى المخزن يريد أن يكافئ الاتحاد الاشتراكي على الخدمات الجليلة لي قدّمها ليه في عُشرية التسعينات من القرن العشرين؛ إن على مستوى الانتقال السلس للسلطة (بعد وفاة الحسن الثاني وتولي محمد السادس)، أو التنزيل السريع لإملاءات البنك الدولي في تسريع خصخصة القطاعات والمؤسسات الاجتماعية".
وأضاف في تدوينة عبر تويتر: "المخزن في بعض المرات يتفكر هذا الحزب في رسالة مفخخة مفادها: أنت على البال؟ ويُترجمون عدم النسيان هذا إما عن طريق إلحاق عجوز على مشارف عتبة القبر بمنصب يحتاج أول ما يحتاج في صاحبة لنزعة الشباب والأهلية..".
من جانبه، قال الباحث السياسي، محمد الأنصاري، إن "تسمية المالكي في منصب رئاسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، كانت مفاجئة، لأننا نتحدث عن دينامية جديدة تفرضها المعطيات الحالية، وهي أن النخبة السياسية في المغرب من الجيل السابق لم تكن في مستوى تطلعات الرأي العام".
وأضاف الأنصاري لـ"الاستقلال" أن "المواطن المغربي ومع خطابات المرحلة الجديدة كانت انتظاراته سماع اسم جديد بعيد عن السلطة ببروفايل وخبرة جيدة، لا المالكي المعروف بعدم خروجه عن النص والالتزام بالممارسة التقليدية".
وأوضح أن "المجلس الأعلى منذ تأسيسه في 2014 ترأسه لولايتين عمر عزيمان وهو ابن السلطة المقرب، ولم يحدث بدوره أي خلخلة في المنظومة التعليمية بل العكس تماما الأرقام الرسمية تتحدث عن فشل ذريع في سياساتنا التعليمية".
وأشار الباحث السياسي إلى أن "المالكي لا يختلف في طريقة تسييره عن عزيمان ما يعني أننا أمام تدوير لبروفايلات معروفة لدى العامة منذ العهد القديم يصعب معها انتظارات وآفاق سترفع من جودة التعليم في بلادنا، والسلطة مطالبة بتغيير الوجوه القديمة".
وتوقع الأنصاري أن "الولاية الحالية للرئيس الجديد ستقتصر على فترة واحدة عكس الرئيس السابق عزيمان، إن لم يطرأ أي تعديل سابق لأوانه، خصوصا بعد الضجة العامة التي أثارها هذا التعيين، والذي لاحظنا أن قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي وأعضاءه تجاهلوا حتى دعم المالكي أمام الانتقادات".