اعتقالات ثم إفراجات.. هكذا تتعامل سلطات المغرب مع عدوى الاحتجاج

في تقريرها السنوي الأخير، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن "السلطات في المغرب، واصلت استهدافها الانتقائي للمنتقدين، بالإضافة إلى مقاضاتهم وسجنهم ومضايقتهم وفرض العديد من القوانين القمعية عليهم، لا سيما المتعلقة بالحريات الفردية".
لخصت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، سارة ليا ويتسن، الوضع في المغرب قائلة: إذا أعربت عن استيائك من السلطة على يوتيوب أو فيسبوك أو تويتر، فقد تواجه السجن".
وتساءلت الحقوقية في تعليقها على إحدى حالات الاعتقال التي سجلت في حق صحفي مغربي بسبب تغريدة على تويتر، "أهذا هو النظام المعتدل والمستقر الذي يتباهى به المغرب؟".
لم تُخف "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها السنوي وجود مساحة لانتقاد الحكومة في المغرب، رغم مضايقات السلطات لمنتقديها، "شريطة تفادي أي انتقادات لاذعة للملكية وغيرها من الخطوط الحمراء"، بحسب المنظمة الدولية.
ردة حقوقية
تقرير المنظمة ليس الوحيد بل رصدت مؤسسات حقوقية وشخصيات سياسية ردة حقوقية تفاقمت في عام 2019 ومطلع السنة الجديدة.
أنهت السلطات المغربية السنة المنقضية بإصدار حكم بالسجن 4 سنوات في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2019 على ناشط على موقع "يوتيوب" بعد إدانته بـ"إهانة الملك" في فيديو انتقد فيه الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالمغرب.
وأتى الحكم على الناشط محمد السكاكي بعد أقل من شهر من الحكم على مغني راب بالسجن عاما، أكدته محكمة مغربية خلال الاستئناف. وأدين محمد منير الشهير بسيمو الكناوي بتهمة "إهانة الشرطة"، في حكم نددت به منظمة العفو الدولية ووصفته بأنه "مشين".
تحدث المغني في أغنية "عاش الشعب"، التي تخطت 21 مليون مشاهدة على يوتيوب، "الظلم والفساد والاستئثار بالثروات" في المغرب، مع توجيه الانتقاد للملك بعبارات مسيئة.
يوم 16 يناير/ كانون الثاني 2020، خففت محكمة الاستئناف عقوبة الطالب حمزة أسباعر (19 عاما) من 4 سنوات إلى 8 أشهر نافذة بتهمة "المس بالمؤسسات الدستورية"، بعدما بث على موقع يوتيوب أغنية تنتقد الأوضاع الاجتماعية و"الفساد ونظام ديكتاتوري".
عبّرت شقيقة المتهم لوكالة الأنباء الفرنسية عن سعادتها بخفض الحكم، قائلة: "لم نتوقع خفض العقوبة لهذه الدرجة"، لكن القرار سبقته انتقادات كثيرة بسبب صغر سن أسباعر.
الطالب لم يكن أصغر المعتقلين سنا، في الفترة الأخيرة، إذ قضت المحكمة الابتدائية على الطالب أيوب محفوظ (18 عاما)، بمدينة مكناس (شمال الشرق) بـ3 سنوات حبسا نافذا، وغرامة قدرها 5000 درهم (500 دولار).
توقيف محفوظ تم بتهمة "إهانة الهيئات الدستورية وإهانة هيئات ينظمها القانون وإهانة موظف عمومي"، بسبب نشره لصورته على موقع "فيسبوك" مع كلب، وكتب في تعليق عليها كلمات مشتقة من أحد مقاطع أغنية "عاش الشعب".
يوم 16 يناير/ كانون الثاني 2020، قرر قاض مغربي الإفراج عن أيوب محفوظ بالسراح المؤقت، وفي 9 يناير/ كانون الثاني 2020، قضت محكمة ابتدائية بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرتها هيئة الحكم بـ 10 آلاف درهم (ألف دولار)، في حق غسان بودا بتهمة "التحريض على إهانة علم المملكة ورموزها، والتحريض على الوحدة الوطنية".
وكان بودا قد تفاعل عبر حسابه على "فيسبوك" مع إحراق العلم الوطني في مسيرة نُظمت بالعاصمة الفرنسية باريس تضامنا مع معتقلي حراك الريف، وكتب في تدوينة: "إذا جاع الفقراء فإن الأغنياء لن يستطيعوا النوم"، ما اعتبرته النيابة العامة عبارة مسيئة ومحرضة للمجتمع.
كما جرت متابعة الصحفي عمر الراضي حسب الفصل 263 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على السجن من شهر إلى سنة وغرامة مالية لكل من "أهان أحدا من رجال القضاء بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم".
غرد الراضي على "تويتر" منددا بحكم رئيس هيئة الحكم في غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بإدانة قائد حراك الريف ورفاقه بأحكام قاسية، ضمنها 20 سنة لناصر الزفزافي وآخرين، ليتم التحقيق معه بتهمة "ازدراء المحكمة".
عُقدت أولى جلسات محاكمته في حالة اعتقال، قبل أن تحسم الغرفة الجنحية في قرار متابعته في حالة سراح رغم قرار القاضي برفض طلب هيئة الدفاع.
كان الصحفي الراضي قد أنجز تحقيقات حول الاقتصاد الريعي بالمغرب، وكشف عدة قضايا فساد، ما أحرج المسؤولين، قبل أن يتم القبض عليه بعد مرور شهور عديدة على تغريدته، في الوقت الذي كان عائدا فيه من الجزائر بعد قيامه بنشاط حقوقي هناك.
رواية الدولة
في 11 يناير/ كانون الثاني 2020، طالب حقوقيون وعائلات المعتقلين بإطلاق سراح "جميع معتقلي الرأي، ووقف المتابعات بسبب الرأي في البلاد".
وشدد بيان تضمن توقيعات المطالبين على "ضرورة الضغط من أجل تعديل القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر بما ينسجم مع المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ويقطع مع نصوص يتم تأويلها للتضييق على حرية الرأي".
ورأى البيان أن "الاحتقان الاجتماعي واللجوء إلى مقاربة أمنية شملت الاعتقالات والمحاكمات ضد الذين يعبرون عن رأيهم بمنصات التواصل الاجتماعي".
وردا على إطلاق حملة توقيعات على البيان، نفت الحكومة المغربية وجود أي تراجع في البلاد على مستوى الحقوق وحرية التعبير. ودعا الناطق الرسمي باسم الحكومة، الحسن عبيابة، في مؤتمر صحفي إلى "ضرورة التفريق بين التعبير الحر وارتكاب الجنايات".
وشدد على أن أي مواطن سواء كان "طبيبا أو صحفيا ارتكب جناية، فسيعاقبه القانون"، مؤكدا أن حرية التعبير مضمونة في البلاد.
طرفا نقيض
في تقرير لها دحضت جماعة "العدل والإحسان" ما جاء على لسان الناطق الرسمي، وقالت: إن "المغرب شهد تزايد حدة الاحتجاجات ضد السياسات الرسمية الفاشلة ومن أجل مطالب اجتماعية عادلة قابلها قمع وضيق سلطوي معهود".
وترى الجماعة أن "قوة المجتمع الاحتجاجية لم تفتر، بل تطورت واتخذت أبعادا وأشكالا جديدة للتعبير عن نفسها، من تدوينات رافضة للواقع المعيشي، إلى ألحان وأغان وأهازيج منها ما ظل حبيس الهواتف والحواسيب، ومنها ما خرج لتتغنى به الجموع وتهتف به في الشوارع وأمام المؤسسات الرسمية وفي مدرجات الملاعب".
واعتبرت الجماعة المعارضة أن "تنامي حدة الاحتجاجات في المغرب دليل واضح على أن زمن الخوف ولى رغم المتابعات والاعتقالات، وأن الشعب المغربي يعيش قلقا كبيرا تجاه المستقبل المجهول للبلاد الذي يشهد واقع الانسداد السياسي والتأزم الاجتماعي".
الوضع في المغرب لم تدنه الجماعة فقط، التي تقف في أقصى اليمين، بل أيضا حزب "الاشتراكي الموحد" اليساري، الذي ندد بحملة الاعتقالات التي طالت مجموعة من النشطاء الحقوقيين وصحفيين ومدونين بالمغرب.
وأضاف في بيان، "بعد حملة اعتقالات طالت معتقلي الريف، جاء الدور على بعض الأصوات الحرة"، مشددين على أنه "لا حد ولا رادع للزحف على مكتسبات الشعب المغربي إلا النضال الوحدوي لكل القوى الديمقراطية، حملة الاعتقالات لم ولن تثني المناضلين والمناضلات على الصدح عاليا".
الخطوط الحمراء
وقالت الحقوقية خديجة الرياضي: "الأمر يتعلق بهجوم على الحريات وتصعيد للقمع ضد حرية التعبير وحقوق الإنسان بشكل عام اتضحت في الشهور الأخيرة، عن طريق المراقبة القوية لمواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة كل من عبّر عن فكرة منتقدة، خاصة الدعوة إلى الاحتجاج، وهي قضايا أصبحت ممنوعة في الفضاء الاجتماعي".
وتابعت الرياضي وصفها للوضع قائلة لـ "الاستقلال": "التضييق وصل إلى حد أحكام محكمة جائرة وظالمة وأحيانا خيالية، هناك ردة وتصعيد وهجوم قوي ضد الحريات، وراءه فزع السلطة من فضاء التواصل الاجتماعي، فهي تخاف من أن يصل الأمل إلى تنظيم احتجاجات كما سبق وحدث".
لمست الدولة، بحسب الحقوقية، أن "نبرة النقد ارتفعت وأصبحت تتوجه مباشرة للملك، بعد أن أصبحت هناك جرأة في انتقاده، وهو ما يدخل في الخطوط الحمراء التي رسمها هو لحرية التعبير، ولم تتراجع عنها السلطة أبدا".
موازين قوى
تكرار حالات الاعتقال ثم العفو أو تخفيض الأحكام طرح لدى البعض تساؤلا حول إن كانت أجهزة الدولة تعيش نوعا من الارتباك، لكن الرياضي استبعدت ذلك موضحة أن الأمر يتعلق بـ"موازين قوى".
وفسّرت رأيها قائلة: "السلطة في المغرب تهجم عندما يصب ذلك في مصلحتها، لكن عندما يصبح ذلك الهجوم مضرا لها ولصورة البلاد تتراجع، مرة عبر العفو وأخرى عبر إطلاق السراح المؤقت".
ما يحدد المصلحة من الضرر بحسب المتحدثة للصحيفة، "هو حجم الضغط، بدليل أن كل الحالات التي سجل فيها تراجع عرفت ضغطا قويا، مثل أيوب محفوظ، الذي تحدثت عنه المنظمات والصحافة الدولية بكثافة مروجة بأنه قاصر، رغم أنه بلغ سن 18 عاما، إلا أنه لا يزال تلميذا".
نفت الرياضي "تعلق الأمر بسوء تقدير أو خطأ من طرف الدولة"، مشددة على أن "رد الفعل القوي والتضامن والحملات الدولية التي تضر بصورة الدولة هي ما تجعلها مضطرة للتراجع والبحث عن منفذ للورطة التي وضعت نفسها فيها".
وعن ارتفاع وتيرة الاحتجاج في المغرب تفاعلا مع ما يجري في دول الجوار، قالت الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان: "من يتعرضون للقمع من حقوقيين وصحفيين هم من يستحضر ما يجري في المنطقة، متسائلين إن كانت السلطة لا تدرك أن الجوار يغلي، وأن هذه الممارسات القمعية توفر شروط الانفجار".
وتعتقد الرياضي أن "السلطة في المغرب لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتقان الذي تعرفه المنطقة، وتعتبر نفسها محصنة من حدوث الشيء نفسه، بل إنها تعتبر أن هذا القمع هو ما سيزيدها حصانة"، في حين أن العكس هو الصحيح والدليل، تضيف المتحدثة: "هو أن القمع منذ 2011 هو الذي ولد هذه الجرأة للتوجه بالانتقادات اللاذعة لرئيس الدولة (الملك) وتحميله مسؤولية كل ما يجري في البلاد".
المصادر
- هيومن رايتس: 2019 سنة حقوقية سوداء بالمغرب
- منظمة “هيومن رايتس ووتش”: السلطات المغربية تستهدف المنتقدين بشكل انتقائي
- المغرب: أفرِجوا عن صحفي جريء سُجن لتغريدة
- المغرب: الحكم بسجن ناشط أربع سنوات بتهمة "إهانة الملك"
- الحكومة تنفي وجود أي تراجع في البلاد على مستوى الحقوق وحرية التعبير
- رفاق نبيلة منيب يدينون حملة الاعتقالات ويدعون للنضال الوحدوي “حفاظا على المكتسبات”
- عبر التدوين والإلتراس والراب.. الاحتجاجات تُجدِّد نفسها في 2019
- تمتيع التلميذ أيوب محفوظ المتابع بتهمة ” الإخلال بواجب التوقير والاحترام للملك” بالسراح المؤقت
- تدوينات أو أشرطة فيديو أو إبداعات فنية قادت شبابا إلى السجن.. القائمة السوداء لـ «الردة الحقوقية»
- موسيقى الراب: القضاء المغربي يؤيد الحكم بسجن مغني "عاش الشعب" ويخفض عقوبة حمزة أسابر