صناعة السيارات.. لماذا أخفقت الجزائر في منافستها مع المغرب؟

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

مع تولي الوزير الجديد للصناعة في الجزائر، سيفي غريب، منصبه، تغيرت الأولويات بشكل واضح بشأن صناعة السيارات، حيث طرأت تحولات على إستراتيجية الحكومة لمواجهة التحديات المتزايدة في هذا القطاع. 

وقالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية، إن “الحكومة الجزائرية أصبحت تركز على استيراد السيارات لسد الفجوة الكبيرة في السوق المحلية بدلا من التركيز على إعادة إطلاق الإنتاج المحلي”.

في المقابل، لفتت المجلة إلى أن “الانتقادات تركز على الفجوة الكبيرة بين الطلب والعرض، إلى جانب عدم وجود إستراتيجية شاملة لحل الأزمة”.

ومن ناحية أخرى، وبسعيها لأن تصبح لاعبا إقليميا رئيسا في صناعة السيارات، تواجه الحكومة الجزائرية تحديات كبيرة، أبرزها المنافسة الشرسة مع المغرب، إلى جانب الحاجة لتطوير البنية التحتية وتدريب الكوادر وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وفي هذا الإطار، ذكرت المجلة أن البلاد تحتاج إلى إستراتيجية طويلة الأمد لتطوير الإنتاج المحلي وتثبيت مكانتها في السوق الإقليمية.

تغيير النهج 

وأكدت المجلة الفرنسية أن "سيفي غريب، وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني الجديد الذي تولى منصبه منذ منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، يضع أولوية مختلفة عن سلفه لقطاع السيارات". 

وبحسب المجلة، خلافا لعلي عون، الذي كان يدعم بشدة مصانع تركيب السيارات "صُنع في الجزائر"، يُفضل غريب استيراد السيارات من الخارج على إعادة إحياء الإنتاج المحلي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الجزائر إلى تقليل فاتورة الواردات بشكل كبير، أكد غريب على ضرورة تزويد السوق المحلي بالسيارات عبر الاستيراد لمواجهة النقص الحاد في المركبات بالجزائر.

وفي رد مكتوب على سؤال من أحد البرلمانيين، أيد غريب هذا الحل "في انتظار تطوير إنتاج السيارات محليا".

ووفقا للصحافة الجزائرية، أشارت المجلة الفرنسية إلى أن عدد السيارات الجديدة المستوردة في الجزائر سيرتفع من 180 ألف عام 2023 إلى 227 ألف قريبا، أي زيادة 20 بالمئة. 

وللإجابة عن سؤال: "هل يعد ذلك نقصا في الطموح أم نوعا من الواقعية؟"، أوضح أحد الخبراء الجزائريين، في حديث مع "جون أفريك"، أن "غريب اعتمد ترتيب الأولويات؛ أولا، فك الجمود المتعلق باستيراد السيارات الجديدة لاحتواء الأزمة، ثم إعادة النظر في إستراتيجية إنعاش صناعة السيارات". 

كما أشار الخبير إلى أن "القطاع يواجه صعوبة حقيقية في التطور".

وفي هذا السياق، نوَّهت المجلة إلى أن "غريب كان قد شغل سابقا عدة مناصب في مجمعات صناعية عامة، منها "سيدار" و"إيميتال"، كما كان مديرا للجامعة الصناعية التابعة لوزارة الصناعة. 

واستطردت: “هو حاليا يحاول معالجة الوضع بطريقته الخاصة بعد رحيل علي عون، الرئيس التنفيذي السابق لمجمع (صيدال) للصناعات الصيدلانية، والذي استُبعد من الحكومة عقب اعتقال ابنه بتهمة الفساد”.

ضجة إعلامية

ورغم ذلك، أظهرت المجلة الفرنسية أنه “خلال الأسابيع الأخيرة من توليه المنصب، كان عون يدافع عن إستراتيجية تركز بشكل حازم على تعزيز الإنتاج المحلي”، قائلا إن “الشركات المصنعة تتهافت لتطوير مصانع التركيب”. 

ووفقا للبيانات الوزارية، فقد قُدم حوالي 36 ملف طلب لتطوير مصانع سيارات على الأراضي الجزائرية إلى السلطات للموافقة عليها عام 2024.

وهنا، أبرزت المجلة أن العديد من المشغلين الدوليين، من الشركات الصينية "شيري" و"جيلي" إلى العملاق الكوري الجنوبي "هيونداي"، انخرطوا في عملية الحصول على التراخيص. 

ورغم ذلك، أوضحت أن شركة "ستيلانتيس" هي الوحيدة حاليا النشطة في إنتاج السيارات داخل البلاد. 

فمنذ إطلاق مجمع الشركة متعددة الجنسيات في ديسمبر/ كانون الأول 2023، أُنتج أكثر من 18 ألف سيارة عام 2024. 

ومن وجهة نظر المجلة، هذا الحجم غير كاف لتلبية الطلب المتزايد للجزائريين الذين يواجهون ارتفاعا كبيرا في أسعار السيارات المستعملة.

وهنا، انتقدت “جون أفريك” المشهد قائلة إنه "بعيدا عن الضجة الإعلامية في عهد علي عون، أصبح الوضع الراهن داخل صناعة السيارات غير قابل للاستمرار".

ولمعالجة ذلك، أكد غريب على "تطوير شبكات من الموردين في صناعة الميكانيك". 

وهي خطوة -كما وصفتها المجلة- ضرورية لاستئناف نشاط تصنيع السيارات "صُنع في الجزائر" في أقرب وقت ممكن، وهو النشاط الذي تشترط السلطات لتحقيقه نسبة إدماج محلي لا تقل عن 30 بالمئة.

سوق واعد

وفي إطار ما ذُكر سابقا، أبرزت المجلة أنه "كان من المفترض أن يصبح قطاع السيارات جوهرة الصناعة في بلد يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، لكنه تعرض لعدة فضائح في السنوات الأخيرة".

ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2019، سارع الرئيس عبد المجيد تبون إلى مواجهة ورشات التركيب التي كانت تتيح للمتعاملين القيام بعمليات استيراد "مقنعة" للسيارات.

وفي هذا السياق، ذكرت المجلة الفرنسية أن العديد من الكوادر والمسؤولين السياسيين سُجنوا، كما أُغلقت مصانع "كيا" و"فولكسفاغن" و"رينو".

ورغم الانتعاش البطيء للقطاع والعرض الذي لا يزال أقل بكثير من الطلب المحلي، لا تزال السلطات تطمح إلى إنشاء صناعة سيارات حقيقية في البلاد. 

وتسعى الجزائر -كما ورد عن المجلة- ليس فقط إلى استعادة صورة هذا القطاع، ولكن أيضا إلى التموقع كـ"فاعل رئيس على الساحة الإقليمية والقارية لصناعة السيارات".

وفي هذا الصدد، يرى المستشار الاقتصادي المختص، محفوظ قعبي، أن "الجزائر تمتلك الإمكانيات لتحقيق طموحاتها المحلية والقارية". 

كما يؤمن بأن "المستقبل يرتبط الآن بآسيا"، مشيرا إلى أنه "مع رؤية طويلة المدى وشراكات إستراتيجية جديدة، تمتلك الجزائر مقومات تجعلها في موقع قوة، منها قدرة السوق المحلي على الاستيعاب وفرص التصدير إلى القارة". 

وفي الوقت نفسه، شدد الخبير على أن "تعزيز سوق قطع غيار السيارات وتدريب يد عاملة مؤهلة وتطوير سلسلة الخدمات اللوجستية، خاصة في الموانئ، بالإضافة إلى الاستفادة من الحوافز الضريبية، تبقى أمورا ضرورية لتحقيق هذا الهدف".

ومن ناحية أخرى، ورغم إقراره بالجهود التي تبذلها السلطات الجزائرية لإعادة إحياء صناعة السيارات، يرى الخبير التونسي أركان بن فضل، رئيس شركة "جاما أوتو"، أن "المغرب لا يزال متقدما بشكل كبير في هذا القطاع مقارنة بدول المغرب العربي الأخرى".

وبصفته أول مُصنع في شمال إفريقيا، كما أوضحت المجلة، يركز المغرب على هذا القطاع، إلى جانب صناعة الطيران، لتعزيز صادراته بفضل سياسة ضريبية وجمركية مشجعة.

ولفتت إلى أن المغرب يعتمد كذلك على شراكات طويلة الأمد، مثل "رينو" منذ 2012 و"ستيلانتيس" منذ 2016. 

وخصصت مجموعة "ستيلانتيس"، العملاق في صناعة السيارات والذي كان يقوده سابقا كارلوس تافاريس، استثمارا بقيمة 300 مليون يورو لتوسيع مصنعها في مدينة القنيطرة، بهدف رفع إنتاجها من 200 ألف إلى 450 ألف سيارة سنويا بحلول عام 2027.

أما منافسها "رينو"، فيستهدف إنتاج 500 ألف سيارة سنويا في المغرب بدءا من عام 2025، بحسب  “جون أفريك”.