ثلاثة مسارات إسرائيلية لمواجهة نفوذ قطر في غزة.. ما تفاصيلها؟

قطر تضر بمصالح إسرائيل وتدعم أعداءها إثر امتلاكها أوراق ضغط قوية
مع استمرار سيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس على معظم أراضي قطاع غزة، وإعادة بناء قوتها العسكرية والحكومية تدريجيا، يتحدث معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عن معضلة من نوع آخر تواجه إسرائيل؛ تتمثل في السياسة الخارجية القطرية.
ويرى المعهد أن قطر تضر بمصالح إسرائيل وتدعم أعداءها إثر امتلاكها أوراق ضغط قوية، تحول بين تل أبيب وبين قدرتها في التأثير على سياسة الدوحة الداعمة لفلسطين.
في هذا السياق، تناول المعهد ثلاثة مسارات عمل مقترحة للتعامل مع قطر، ودعا إسرائيل إلى "التعامل بحذر معها نظرا للدور القيادي والمكانة الدولية التي تحظى بها مع الأوروبيين والأميركيين".

نفوذ جيوسياسي
يشير المعهد إلى أن السياسة الخارجية القطرية قائمة على مبدأ "التحوط" منذ عام 1995، ويرى أن "ثروات الدوحة الكبيرة وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن، أتاحت لها حرية الحركة على الساحة الدولية وإقامة علاقات مع أطراف مختلفة، بعضها متنافس بل وحتى معادٍ لبعضه بعضا".
ورأى أنه "منذ تولى الأمير (السابق) حمد بن خليفة آل ثاني السلطة عام 1995، استغل العائدات الضخمة من صادرات الغاز الطبيعي، واعتمد سياسة خارجية تهدف إلى تعزيز مكانة بلاده، لا سيما في مواجهة المملكة العربية السعودية، الجارة الكبرى والمهيمنة إقليميا".
ويعتقد المعهد أن ارتباط الدوحة بعقود طويلة الأجل لتصدير الغاز إلى عدة دول كالصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، يمنح قطر "المزيد من الاستقرار الاقتصادي والنفوذ الجيوسياسي الكبير".
وأضاف: "مع تصاعد الأزمة بين روسيا وأوروبا، أصبحت قطر مورد الطاقة الرئيس للقارة الأوروبية، وتواصل تعزيز نفوذها العالمي من خلال بنيتها التحتية المتقدمة وقدراتها الإنتاجية العالية".
على المستوى الدبلوماسي، أوضح أن قطر "تنخرط في الوساطة في نحو 20 منطقة صراع، ورغم أن جهودها لم تنجح دائما، فقد منحتها مكانة مرموقة على الساحة الدولية، وهو أمر تعده ضروريا لضمان بقائها وسط جيرانها الأقوياء".
وتابع: "يرتكز وضعها كوسيط دولي على ادعاء الحياد، وهو موقف حرصت على ترسيخه من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف في النزاعات، مستفيدة من ثروة هائلة تتيح لها تقديم حوافز اقتصادية".
ويقدّر المعهد أن قطر "تطمح إلى الحفاظ على استقرارها وأمنها من خلال تعزيز موقعها الدولي؛ حيث تعتقد أن زيادة مكانتها العالمية ستدفع الشركاء الدوليين إلى إيلاء أهمية أكبر لأمنها على المدى الطويل".
"كما أن دورها كوسيط مكنها من كسب ثقة قوى متنافسة، مما يمنحها نظريا نوعا من الحماية من تبعات الصراعات الدولية".
ويرى المعهد الأمني أن "دعم قطر لحركة حماس واستثماراتها في غزة يتماشى بشكل وثيق مع سياستها الخارجية، التي تتميز بدعم القوى المرتبطة بالإسلام السياسي، وذلك رغم إبداء الدوحة قدرا من البراغماتية السياسية في علاقاتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة".
ورأى أن "أحد أهم العناصر في مكانة قطر الدولية يتمثل في العلاقة المعقدة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية".
وأشار إلى أن "المناورات السياسية لقطر، بالإضافة إلى قوتها في سوق الطاقة العالمية، سمحا لها بتعميق شراكتها مع اللاعبين الدوليين الرئيسين والاستفادة من نفوذها في الشرق الأوسط، في المقام الأول لكسب ثقة الإدارة الأميركية".
وقد "جرى ذلك من خلال اتخاذ المبادرة والاستجابة لطلب واشنطن بالتوسط بينها وبين الدول والجهات المنخرطة في صراع معها، وأصبحت تدريجيا شريكا مهما لواشنطن في الشرق الأوسط وخارجه"، وفق المعهد.

أدوات ضغط محدودة
ويدعو معهد دراسات الأمن القومي العبري إلى تبنى نهج يهدف إلى "تغيير سياسة قطر تجاه إسرائيل، وفي المقام الأول وقف التحريض وإنهاء دعم حركة حماس".
وأقر بمحدودية الأدوات التي تمتلكها إسرائيل لدفع الدوحة من أجل تغيير سياستها الداعمة للقضية الفلسطينية.
وقال: "تمتلك إسرائيل وسائل ضغط محدودة يمكنها استخدامها للتأثير على السياسة القطرية بما يتماشى مع مصالحها".
تشمل أدوات الضغط الرئيسة المتاحة، التنسيق مع الإدارة الأميركية وكذلك ممارسة ضغوط مرتبطة بسيطرة إسرائيل على محيط قطاع غزة، وقدرتها على استخدام القوة العسكرية ضد حماس والمصالح القطرية في هذه المنطقة.
وتساءل المعهد عن "كيفية استخدام هذه الأدوات المحدودة لتسريع المفاوضات مع حماس وتأمين إطلاق سراح الأسرى الذين لا يزالون محتجزين لدى الحركة، أو لتشكيل قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، وكذلك لوقف الخطاب القطري المناهض لإسرائيل".
كما رأى أن "حجم التدخل القطري المتزايد في إسرائيل، يفرض على الأخيرة إجراء مراجعة داخلية شاملة بهدف صياغة سياسة محدثة وموحدة تجاه قطر، تكون مرجعا لجميع الجهات الحكومية التي تتعامل معها".
ثلاثة مسارات
في هذا السياق، استعرض المعهد ثلاثة مسارات عمل لمواجهة التحركات القطرية المناهضة لإسرائيل.
الأول، جاء تحت عنوان "النهج العدواني: الضغط والقيود"، ويدعو إلى "الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية عبر تعليق العلاقات مع قطر، ومنع التجارة والأنشطة الاقتصادية معها، وحرمانها من الوصول إلى قطاع غزة".
كما يوصي بـ “التحرك على المستوى الدولي، بمعنى دعم المبادرات التي تسيء إلى صورة قطر، وتوضيح علاقتها بحماس بصفتها تهديدا للاستقرار الإقليمي، وإطلاق حملة إعلامية تهدف إلى تصوير الدوحة كممول للإرهاب”، وفق تعبيره.
وأردف: "يجب العمل كذلك على تقييد الأنشطة المالية؛ أي فرض رقابة على حركة الأموال القادمة من قطر إلى قطاع غزة، بما في ذلك فرض عقوبات على المؤسسات أو الأفراد الذين يحولون الأموال إلى حماس".
وأخيرا، "تعزيز التعاون مع دول الخليج المعادية لقطر، عبر توثيق العلاقات مع السعودية والإمارات وكذلك مصر، وهي دول عارضت سياسة الدوحة في الماضي".
أما المسار الثاني، فهو اتباع "نهج متوازن"، وذلك عن طريق "إدارة العلاقات الثنائية مع فرض شروط تخدم المصالح الإسرائيلية".
ويتمثل هذا المسار في إجراء "تنسيق مشروط مع قطر، بحيث يتم التعاون المباشر معها لضمان أن المساعدات إلى غزة لا تعزز حماس، بل تقتصر على دعم السكان المدنيين، وذلك بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة".
كما يمكن "استخدام قطر كوسيط، والاستفادة من دورها كقناة اتصال غير مباشرة مع حماس، ما قد يساعد في إدارة وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى".
وثالثا، "الضغط من أجل شفافية مالية عبر المطالبة برقابة دولية على الأموال القطرية المتدفقة إلى غزة، لضمان عدم وصولها إلى حماس، مع وضع شرط واضح: إعادة الإعمار مقابل نزع السلاح".
وجاء المسار الثالث تحت عنوان "النهج المرن: استثمار العلاقات لتحسين الوضع". ويرى أنصاره ضرورة العمل على "تعزيز الحوار مع قطر من خلال إنشاء قنوات تعاون تدفع الدوحة للعمل بشكل أكثر توافقا مع المصالح الإسرائيلية".
وأكمل المعهد: "يمكن استخدام قطر لمنع التصعيد وتحقيق تهدئة إقليمية نظرا لتأثيرها على حماس".
من الناحية الاقتصادية، يعتقد المعهد أن هذا المسار يفتح الباب أمام "الترويج لمشاريع اقتصادية مشتركة بين قطر وإسرائيل والولايات المتحدة، عبر تشجيع الدولة الخليجية على الاستثمار في مشاريع مدنية في غزة بطريقة تضعف تأثير حماس".

قوة قطر
في هذا الصدد، يشدد المعهد على أن "أي تحرك إسرائيلي يشمل قطع العلاقات مع الدوحة ومنع وصولها إلى قطاع غزة وحماس سيضعف الحركة نظرا لكون قطر، إلى جانب تركيا، داعما رئيسا للتنظيم".
ومع ذلك، يقر بصعوبة قدرة تل أبيب على قطع علاقة الدوحة بحماس، إذ تمتلك قطر عدة أوراق قوة تواجه بها إسرائيل.
وقال: "من المشكوك فيه أن يكون مثل هذا القطع ممكنا في المستقبل القريب، نظرا للدور الذي تلعبه قطر كوسيط بين إسرائيل وحماس، والمصلحة الإسرائيلية العليا في الإفراج عن الأسرى لدى الحركة وإذا حدث ذلك، فقد تتهم (تل أبيب) بمفاقمة الوضع الإنساني في القطاع".
"علاوة على ذلك، فإن اتخاذ خطوات ضد قطر قد يبدو متعارضا مع السياسة الأميركية".
إلى جانب ذلك، فإن تحسن علاقات قطر مع جيرانها العرب، ومع كل من مصر والأردن، وزيادة نفوذها في لبنان وسوريا، سيجعل من الصعب أيضا حشد دول أخرى لدعم خطوات ضدها، يقول المعهد.
ويكمل: "لذلك، من المهم تنسيق الإجراءات والسياسات تجاه قطر مسبقا مع الإدارة الأميركية لتجنب الإضرار بمصالح واشنطن وأيضا لتعظيم تأثير الضغط الأميركي الذي يعد الأكثر فعالية على الإمارة".
وشدد على "وجوب عدم إغفال ما تملكه قطر من أدوات تأثير غير قليلة على الولايات المتحدة".
وذكر في الوقت ذاته أن "بداية ولاية إدارة ترامب توفر نافذة فرصة قصيرة، لمحاولة التأثير على السياسة الأميركية تجاه قطر".
وأردف: "في الواقع، فإن صعوبة التحرك المباشر ضد قطر ترتبط في المقام الأول بمكانتها الدولية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، هذان العاملان أيضا هما أبرز وسيلتين للتأثير على سياساتها".
"وبالإضافة إلى أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة بالنسبة لقطر، فإن الإمارة حساسة جدا لوضعها وصورتها التي تبدو محايدة".
ورأى أنه "إذا اختارت إسرائيل الإضرار بصورة قطر، فيمكنها التركيز على جوانب محددة من أنشطتها التي تعد إشكالية من منظور إسرائيلي".
إذ يعتقد أن قطر "تتبنى درجة غير قليلة من البراغماتية في سياستها الخارجية، وتتعامل بواقعية سياسية، وبالتالي قد تغير سياساتها وفقا للظروف المتغيرة ومجموعة الضغوط الممارسة عليها".
وزعم أنه إذا "جرى توجيه قطر نحو قناة تأثير أخرى، غير مرتبطة بحماس، تمنحها نفوذا مشابها في الساحة الفلسطينية، فمن غير المستبعد أن تتبنى الدوحة هذا المسار".
مكانة دولية
وبحسب المعهد، فإن هدف قطر فيما يتعلق بالحرب بين إسرائيل وحماس هو "إنهاؤها، مع بقاء الحركة لاعبا مهما في القطاع".
ووفقا له، فإن "من شأن هذه النتيجة أن تسمح لقطر بمواصلة لعب دور مركزي في غزة وتسجيل نقاط على الساحة الدولية، خاصة أمام الولايات المتحدة".
وأضاف: "على النقيض من الأطراف الأخرى المعنية، قد تقدم قطر مساعدات إنسانية سخية لقطاع غزة دون شروط أو قيود، وهو ما قد يروق للإدارة الأميركية".
وتابع: "علاوة على ذلك، بدأت قطر علاقتها مع الرئيس ترامب بطريقة إيجابية من خلال استجابتها لطلبه بالمساعدة في إطلاق سراح بعض الأسرى، وهناك مصلحة أميركية في الاستمرار بمنح الدوحة دورا قياديا في هذا الملف".
بناء على ذلك، أوصى المعهد إسرائيل بأن "تتبنى سياسة تجمع بين الضغط المدروس وإدارة العلاقات بحذر مع قطر، مع الأخذ في الحسبان أن اتباع نهج صارم بشكل مفرط في الوقت الحالي قد يضر بفرصة الإفراج عن جميع الأسرى".
كما أكد أن قطر "تتمنع بمكانة دولية، ومن غير المرجح أن تكون لدى إسرائيل القدرة على مواجهتها بشكل أكثر فاعلية مما حاولت فعله التحالفات العربية، التي فشلت في عزلها لفترات طويلة".
واستطرد: "إضافة إلى ذلك، تحظى الدوحة بدعم إدارة ترامب، إلى جانب اعتماد أوروبا على الغاز القطري".
واختتم قائلا: "بناء على تلك المعطيات، يجب على إسرائيل أن تفهم موقف إدارة ترامب تجاه قطر، وأن تحدد النقاط التي تشكل فيها تهديدا للمصالح الإسرائيلية في غزة وخارجه، والعمل بالتنسيق الكامل مع الإدارة الأميركية في هذا الشأن".