اعتقالات وإعدام وصعق بالكهرباء.. ماذا يحدث لأطفال مصر في زمن السيسي؟

"ظاهرة قتل الأطفال جاءت ضمن سياق انتقام أعمى بدأ منذ 2013"
قوة أمنية مجهزة ومدججة بالسلاح تابعة لجهاز أمن النظام المصري في القاهرة، تقتحم منزل جدة الطفل محمد خالد جمعة عبد العزيز، البالغ من العمر 15 عاما، وهو تلميذ في الصف الثالث الإعدادي، وتقتاده إلى مكان غير معلوم.
المداهمة نفذتها قوة أمنية مكونة من 10 أفراد، بعضهم ملثمون ومسلحون، بحسب ما أعلنت عنه “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان”، في 11 مارس/ آذار 2025، وهو نفس اليوم الذي ظهر فيه الطفل محمد في نيابة أمن الدولة للتحقيق معه.
وذكرت الشبكة أن محمد يتيم الأب توفي والده قبل حوالي 3 أشهر من اعتقاله، ومع ذلك تم إخفاؤه قسرا بداية من 16 فبراير/ شباط 2025، ومكث حوالي 24 يوما، رهن الإخفاء.
وقتها كانت أسرته تحاول الوصول لمعلومات عنه، من خلال السؤال في قسم المطرية بالقاهرة أو مخاطبة النائب العام طول مدة الإخفاء دون جدوى.
سابقة تاريخية
المثير للاستغراب في حالة الطفل محمد أنه تم اقتياده وسط حالة من الرعب والهلع، وهي اللحظات التي وثقتها كاميرات المراقبة المنتشرة في محيط منزله، والتي أظهرت بوضوح عملية الاعتقال العنيفة.
وأكد شهود من عائلته أن القوة الأمنية استولت على الهواتف المحمولة الموجودة في المنزل، بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية واللابتوب، دون تقديم أي مبرر قانوني لهذا الإجراء.
ولم يتم الإعلان عن الجرم الذي اقترفه الطفل، ولا أسباب اعتقاله بهذه الطريقة الوحشية، لكن تبقى مأساة محمد واحدة من انتهاكات مشابهة بحق أطفال آخرين تعرضوا لمصير مشابه خلال حقبة نظام عبد الفتاح السيسي.
فلماذا يتم اعتقال الأطفال في مصر؟ وما مدى مشروعية وقانونية تلك الإجراءات؟ ولماذا تنامت هذه الظاهرة في عهد النظام القائم؟
ويخضع الأطفال والقُصّر في مصر لاعتقالات ومحاكمات، وأحيانا القتل بدم بارد، في سوابق تاريخية لم تعرفها أرض الكنانة من قبل عبر تاريخها الحديث.
ففي عام 2014، وبمناسبة اليوم العالمي للطفل، كشف “المرصد المصري للحقوق والحريات” تصاعد عمليات قتل الأطفال وتعذيب المئات منهم، إلى جانب العشرات من الاعتداءات الجنسية بحق الأطفال المعتقلين.
ورصد أنه منذ بداية الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، قتل 12 طفلا بالرصاص الحي، واعتقل 144 طفلا وجرى تعذيب 72 داخل مقرات الاحتجاز.
فيما تم الاعتداء جنسيا على 26 طفلا داخل السجون، ووصل الأمر أن صدرت أحكام بالسجن بحق قُصّر، وهو أمر يخالف قانون الطفل والدستور المصري والمعاهدات الدولية.
ثم جاء تقرير “فريق الاعتقال التعسفي” بالأمم المتحدة، في يوليو/تموز 2015، الذي أكد أن اعتقال الأطفال ممنهج وواسع الانتشار في مصر.
وذكر الفريق أن عدد الأطفال المعتقلين منذ 30 يونيو/ حزيران 2013، حتى نهاية مايو/أيار 2015، بلغ أكثر من 3200 تحت سن 18 عاما.
وأكد أنهم تعرضوا للتعذيب والضرب المبرح داخل مراكز الاحتجاز المختلفة، ومما أورده أن الاحتجاز يتم في أماكن غير مخصصة للأطفال، وأن الانتهاكات امتدت لتشمل اعتداءات جنسية وحالات اختفاء قسرا، وقتل خارج إطار القانون بإطلاق الرصاص الحي أثناء فض المظاهرات.
حوادث هزلية
ومع ذلك، فإن قصص اعتقال الأطفال في مصر تضمنت حوادث هزلية، كما حدث في 17 فبراير 2016، عندما عاقبت محكمة غرب القاهرة العسكرية الطفل أحمد منصور قرني البالغ من العمر ثلاث سنوات وخمسة أشهر بالسجن المؤبد.
وذلك في القضية التي عرفت إعلاميا بـ"اقتحام مبنى المخابرات العامة ومديرية الصحة" بالفيوم مع 115 آخرين.
حينها وجهت المحكمة اتهامات للطفل المذكور، بقتل أربعة مواطنين، والشروع في قتل ثمانية آخرين، وتخريب ممتلكات عامة أثناء مظاهرة شارك فيها عام 2014 بمحافظة الفيوم جنوب القاهرة.
ورغم تقديم المحامين شهادة ميلاد الطفل للمحكمة قبل جلسة الحكم، والتي تؤكد أن الطفل الذي أدانته المحكمة لم يتم عامه الرابع وأن تاريخ ميلاده هو 10 سبتمبر/ أيلول 2012، فإن المحكمة العسكرية لم تأخذ بها، وحكمت بالسجن المؤبد على الطفل، الذي كان عمره سنتين فقط وقت المظاهرة.
واستمر الوضع خلال السنوات التالية، التي لجأت فيها عناصر الشرطة وقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية إلى الاعتقال التعسفي وإساءة المعاملة والتعذيب، بحق عشرات الأطفال.
ثم فاقم أعضاء النيابة والقضاة هذه الانتهاكات عبر خرق إجراءات التقاضي السليمة والمحاكمات الجائرة.
وفي 23 مارس 2020، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية، تقريرها عن الطفل كريم حميدة.
وقالت: "هو مجرد واحد من الأطفال ضحايا حملة الحكومة القمعية، التي أضعفت سيادة القانون في مصر إلى درجة محوها تماما".
وذكرت أنه بينما يحظر القانون الدولي والمصري استخدام عقوبة الإعدام ضد الأطفال، لكن السلطات القضائية المصرية حكمت حكما ابتدائيا على كريم بالإعدام في أبريل/ نيسان 2019.
وذلك بناء على جرائم يُزعم ارتكابه إياها وهو في سن 17 عاما، أثناء مظاهرة أضرت بواجهة فندق دون أن تؤدي إلى إصابات أو وفيات.
وأوردت المنظمة الحقوقية، أن عناصر الأمن احتجزوا كريم لأكثر من شهر سرا، ولم تعرف أسرته بمكانه، وعذبوا الفتى حتى اعترف.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بعد حملة استنكار واسعة، ألغى القاضي عقوبة الإعدام، بدعوى أنه لم يكن يعرف بأن المدعى عليه طفل، وحكم عليه بدلا من الإعدام بالسجن 10 سنوات.
صعق بالكهرباء
ووثقت مؤسسة "بلادي جزيرة الإنسانية" التي يديرها الحقوقي المصري خلف بيومي، في أبريل/ نيسان 2020، انتهاكات ارتكبها مسؤولو الأمن ضد 20 محتجزا من الأطفال.
وذكرت أنه تم توقيفهم جميعا وملاحقتهم قضائيا بزعم مشاركتهم في مظاهرات أو في أحداث عنف سياسي.
وبحسب المنظمة، احتجزت سلطات النظام الأطفال في مواقع بمختلف أنحاء مصر، منها الإسكندرية والقاهرة ودمياط والجيزة والإسماعيلية والمنصورة وشمال سيناء والقليوبية والشرقية.
وفي حالة شمال سيناء، قالت: إن عناصر الأمن قاموا بإخفاء عبد الله بومدين البالغ من العمر 12 عاما طيلة ستة أشهر، وعرضوه للتعذيب بمحاكاة الإغراق والصعق بالكهرباء، ثم وضعوه في الحبس الانفرادي نحو 100 يوم.
وذكرت المؤسسة أنه على ما يبدو كان السبب الرئيس لما حدث للطفل السيناوي، أن أخاه الأكبر انضم إلى جماعة "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم الدولة.
وسبق أن وثقت منظمات حقوقية ووسائل إعلامية، ارتكاب قوات الأمن في شمال سيناء جريمة الإعدام خارج نطاق القانون بحق طفل.
ففي مايو 2018، تداول ناشطون مقطع فيديو وصف بـ"الصادم"، يزعم فيه من قالوا إنهم أفراد من الجيش المصري، يعدمون طفلا في سيناء بإطلاق الرصاص عليه.
ونشرت صفحة "سيناء بلس" على منصة “إكس” أن "ضابط احتياط يدعى محمد عامر يعترف بتصفيته الصبي الذي ظهر في الفيديو الذي نشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي".
وقتها علق الناشط الحقوقي والمذيع هيثم أبو خليل، عبر برنامجه بقناة “الشرق” الفضائية، قائلا: "إلى كل العالم أجمع.. نعرض لحضراتكم تسريب العار للجيش المصري، اللي كان مصري، وهو يقتل طفلا من أهالي شمال سيناء".
وتمثل جميع هذه الانتهاكات خرقا للقواعد الأساسية للقانون الدولي ونصوص رئيسة في الدستور المصري وقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الطفل.
إضافة إلى القوانين الدولية التي وقعت عليها القاهرة مثل "الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل" الموقعة عليه عام 2001، واتفاقية "حقوق الطفل" الموقعة عليها في 1990.
سياسات إجرامية
واستدعت ظاهرة اعتقال وتعذيب وقتل الأطفال في مصر حقوقيين للبحث والتحقيق، منهم مصطفى عز الدين فؤاد، الذي قال "لا يوجد تفسير واضح لقيام النظام بارتكاب هذه الجريمة المروعة تحديدا، إلا أنها جاءت ضمن سياق انتقام أعمى بدأ منذ 2013".
وأوضح فؤاد لـ"الاستقلال"، أنه "عندما تتحول الأنظمة إلى وحشية تصل لدرجات جنونية من الانتقام، مثلما حدث مع نظام بشار الأسد البائد في سوريا، ولننظر كيف كان يعتقل ويعذب ويقتل الأطفال بجنون، حتى إن أيقونة الثورة السورية الطفل حمزة الخطيب، تم قتله والتمثيل بجثته".
ولفت إلى أن “ظاهرة اعتقال وتعذيب الأطفال في مصر لا يمكن التعامل معها بصفتها مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء إجرائية، بل هي انعكاس مباشر لغياب سيادة القانون، وتحول مؤسسات العدالة والأمن إلى أدوات ترهيب".
ورأى فؤاد أنه "عندما يزج بأطفال لا يملكون من أدوات الوعي ولا من مقومات الدفاع عن أنفسهم في غرف التحقيق والسجون، وعندما يتعرضون لانتهاكات جسدية ونفسية ممنهجة، فإننا لا نتحدث فقط عن جريمة قانونية، بل عن عدوان على المجتمع نفسه".
واستطرد: "الطفل الذي يعتقل ويعذب، لا يعذب وحده، بل تعذب معه أمه وأسرته ومجتمعه، الخوف الجماعي، الصدمة المجتمعية، وانهيار الثقة في المؤسسات تصبح نتائج حتمية تتوارثها الأجيال".
وأوضح الحقوقي المصري، أن "هذه الممارسات لا تصنع الأمن، بل تنتج جيلا مهزوما، مهزوز الثقة، مكسور الانتماء".
وعلق: "هي سياسات إجرامية قصيرة النظر، تحاول خنق المعارضة في مهدها، فتزرع بدلا منها كراهية، وغضبا مؤجلا، وشرخا عميقا بين الدولة والمواطنين".
وشدد فؤاد على أنه "في القانون الدولي، اعتقال الأطفال دون ضمانات، وتعذيبهم، يعد جريمة حرب، وفي الضمير الإنساني، هو سقوط أخلاقي، وفي وعي الشعوب، هو جرح لا يشفى، ونقطة سوداء لا تمحى".