ثلاثة أبعاد.. لماذا تعهدت سوريا الجديدة بتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية؟

مصعب المجبل | منذ ٢٠ يومًا

12

طباعة

مشاركة

تبدي الدولة السورية الجديدة تعاونا كبيرا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، للسير سريعا في تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الذي جرى تطويره زمن نظام بشار الأسد البائد.

وتعهد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بالتزام سوريا بالتخلص سريعا مما تبقى في البلاد من إرث نظام الأسد من الأسلحة الكيميائية، وذلك خلال اجتماعات مغلقة خلال الدورة الـ 108 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي في 5 مارس/ آذار 2025.

تدمير الكيماوي

وقال الشيباني الذي شارك في تلك الاجتماعات كأول وزير خارجية سوري يتحدث للمنظمة المعنية بنزع السلاح الكيميائي، إن سوريا “مستعدة لحل هذه المشكلة المستمرة منذ عقود والتي فرضها علينا النظام السابق”.

وأضاف أن "الالتزامات القانونية الناتجة عن الخروقات هي إرث ورثناه ولم نقم به، ومع ذلك، فإن التزامنا هو تفكيك ما تبقى منها، ووضع حد لهذا الإرث المؤلم، وضمان أن تصبح سوريا دولة متوافقة مع المعايير الدولية".

وذكر الشيباني أن التخطيط للتخلص من الأسلحة الكيميائية "بدأ بالفعل، لكن مساعدة المجتمع الدولي ستكون حاسمة".

وأشار إلى أن سوريا "ستحتاج إلى المساعدة الفنية واللوجستية، وإلى بناء القدرات وتوفير موارد وخبراء على الأرض".

ولم يعلن نظام بشار الأسد المخلوع عن طبيعة البرنامج الكيميائي الكامل الذي عمل عليه منذ عقود، لا سيما أنه استمر في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في البلاد لقمع الثورة آنذاك، على الرغم من الانضمام إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية في عام 2013.

وفي أعقاب هجوم نظام الأسد البائد بغاز السارين على ريف دمشق، أدى إلى مقتل مئات الأشخاص في عام 2013 ، انضمت سوريا حينها إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وذلك بموجب صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا حليفة الأسد وقتها، وقد جرى تدمير 1300 طن من الأسلحة الكيميائية والمواد الأولية.

إذ أجبر القرار الدولي 2118 الصادر في سبتمبر 2013 سوريا على العمل على تفكيك كامل ترسانتها الكيميائية بإشراف بعثة مشتركة من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن ثلاثة تحقيقات دولية خلصت إلى أن قوات الأسد استخدمت غاز الأعصاب السارين وقنابل الكلور في هجمات متفرقة على مناطق سورية إبان سنوات الثورة، أسفرت عن مقتل وإصابة الآلاف.

وأجرى التحقيقات الثلاثة آلية مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وفريق التحقيق والتحديد التابع للمنظمة، وتحقيق الأمم المتحدة في جرائم الحرب.

وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود 400 ضابط من نظام بشار الأسد المخلوع، متورطين في استخدام السلاح الكيماوي المحرم دوليا، حيث وثقت الشبكة شن 184 هجوما كيماويا بعد توقيع نظام الأسد على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وتقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد قتلى الهجمات الكيماوية في سوريا هو 1510 أشخاص، هذا عدا عن مقتل ربع مليون مدني بأسلحة أخرى.

وارتكب نظام الأسد في السابع من أبريل/نيسان 2018، مجزرة بالأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في مدينة دوما بريف دمشق، على بعد 10 كيلومترات من العاصمة دمشق، راح ضحيتها عشرات المدنيين.

وقد كانت أكبرها مجزرة بالأسلحة الكيماوية التي ارتكبها نظام الأسد البائد كانت في الغوطة الشرقية في أغسطس/ آب 2013 التي راح ضحيتها أكثر من 1400 مدني، ثم مجزرة خان شيخون بريف إدلب في أبريل/ نيسان 2017 وقُتل فيها 100 مدني على الأقل.

كما أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 8 أبريل تقريرا حملت فيه قوات الأسد المخلوع مسؤولية هجمات بالأسلحة الكيميائية على قرية اللطامنة في شمال سوريا عام 2017.

وبحسب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أسقطت طائرتان سوريتان قنبلتين تحتويان على غاز السارين على قرية اللطامنة في 24 مارس و30 مارس عام 2017.

كما أسقطت مروحية عسكرية سورية أسطوانة تحتوي على غاز الكلور في القرية في 25 مارس من نفس العام، ما أدى إلى إصابة 106 اشخاص.

"أبعاد ثلاثة"

وكان من المفترض أن تخضع سوريا لعمليات تفتيش كجزء من عضويتها بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لكن الأخيرة منعت لأكثر من عقد من الزمان من الكشف عن النطاق الحقيقي لبرنامج نظام الأسد للأسلحة الكيميائية.

إلا أن التحول السياسي في سوريا بسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 كان بمثابة "فرصة جديدة وتاريخية للحصول على توضيحات بشأن نطاق برنامج الأسلحة الكيميائية"، وفق ما قال رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فرناندو أرياس في 5 مارس 2025.

لا سيما أن مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلصوا إلى أن مخزون سوريا المُعلن عنه لم يعكس الوضع على الأرض بدقة، ويرغبون الآن في زيارة نحو 100 موقع يحتمل ارتباطها ببرنامج الأسد للأسلحة الكيميائية الذي استمر عقودا.

وأمام ذلك، تجد الدولة السورية الجديدة فرصة التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خطوة، لطي 11 عاما من العراقيل التي فرضها نظام الأسد، والوفاء بالتزامات سوريا بموجب الاتفاقية.

ومن شأن ذلك التعاون أن يسهم في حماية الشعب السوري من تكرار استخدام هذه الأسلحة ضده، فضلا عن محاسبة مرتكبي استخدام الأسلحة الكيميائية الذين يتم تحديدهم، إضافة إلى تعزز سمعة سوريا كعضو موثوق به في المجتمع الدولي.

وقد قدمت الأمانة العامة للمنظمة خطة عمل بشأن سوريا والمكونة من تسع نقاط إلى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجية أسعد الشيباني.

وتحدد خطة عمل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تستند إلى الخبرة الواسعة التي اكتسبتها الأمانة الفنية، الخطوات التالية:

إعداد جرد للمواقع والمعدات والذخائر والمواد الكيميائية والوثائق والأشخاص والمرافق؛ والإعلان عن جميع عناصر برنامج الأسلحة الكيميائية السوري؛ وضمان القضاء عليه بشكل يمكن التحقق منه.

بصفتها الهيئة التنفيذية لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، تهدف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تضم 193 دولة عضوا، إلى القضاء على الأسلحة الكيميائية بشكل دائم.

ومنذ دخول الاتفاقية حيز النفاذ في عام 1997، كانت الاتفاقية الأكثر نجاحا في مجال نزع السلاح على الإطلاق؛ إذ نجحت في القضاء على فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل.

وفي عام 2023، تأكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من أن جميع مخزونات الأسلحة الكيميائية التي أعلنت عنها 193 دولة طرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية منذ عام 1997 قد تم تدميرها بشكل لا رجعة فيه بموجب نظام التحقق الصارم الذي تتبعه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وبفضل جهودها المكثفة في القضاء على الأسلحة الكيميائية، حصلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على جائزة نوبل للسلام عام 2013.

وأكدت الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو خلال إحاطة لمجلس الأمن في 7 مارس 2025 أن الواقع السياسي الجديد في سوريا يمثل فرصة للحصول على توضيحات طال انتظارها بشأن برنامج الأسلحة الكيميائية السوري.

وتخليص البلاد من جميع هذه الأسلحة، وتطبيع العلاقات مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وضمان امتثال البلاد على المدى الطويل لاتفاقية الأسلحة الكيميائية.

 وأكدت ناكاميتسو أن سوريا "بدأت في اتخاذ خطواتها نحو هذا الهدف"، مبينة أن التزام دمشق مع المنظمة في التخلص من بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية يسهم في "تحقيق العدالة للضحايا، وضمان امتثال سوريا للقانون الدولي".

وضمن هذا السياق، قال المتخصص السوري في ملف الأسلحة الكيميائية أحمد الأحمد، إن تعاون الدولة السورية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لها ثلاثة أبعاد “الأول قانوني يظهر التزام سوريا بالمعاهدات الدولية بشكل كامل، خاصة بما يتعلق بالأسلحة الكيميائية”.

وأضاف لـ"الاستقلال" "أما البعد الإنساني الذي يعني رغبة الحكومة السورية في ملاحقة مجرمي الحرب من نظام الأسد وذلك بالتعاون حتى مع الجماعات والكيانات والجهات الدولية التي صدرت الأسلحة الكيماوية إلى سوريا".

ولفت الأحمد إلى أن "البعد الثالث هو البعد الاقتصادي حيث ترغب الدولة السورية الجديدة في إزالة الذرائع كافة التي من الممكن أن تكون عثرة أمام التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار ودفع الاستقرار بسوريا نحو الأمام".

وأشار الأحمد إلى أن "الدولة السورية تريد اليوم إعادة قطاع صناعة الأدوية بسوريا لسد الناتج المحلي وإعادة التصدير لكن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هي المنظمة الوحيدة القادرة على دفع هذا القطاع إلى الأمام لا سيما بعد حظر تصدير المواد مزدوجة الاستخدام إلى سوريا والتي تستخدم في صناعة الأدوية والأسلحة الكيماوية".

ورأى الأحمد أن "تأكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من خلو سوريا من الأسلحة الكيماوية وتفتيش مواقع الإنتاج تعد خطوة لسد ذريعة لأي محاولات إسرائيلية لاتخاذ هذا البرنامج ذريعة لشن أي هجمات على سوريا تحت أي حجة".

"إعادة الثقة"

في السنوات السابقة تذرع نظام بشار الأسد في عرقلة من وصفهم بـ "المجموعات الإرهابية المسلحة" يقصد بها فصائل المعارضة، باستهداف المواقع التي تحوي المواد الكيميائية والشحنات التي تقل هذه المواد في طريقها إلى مرفأ اللاذقية على البحر المتوسط تمهيدا لنقلها بحرا إلى متن سفينة أميركية ليتم تدمير هذه المواد عليها.

إلا أن الولايات المتحدة أكدت سابقا أن أقل من خمسة بالمئة من العناصر الكيميائية السورية الأكثر خطورة نقلت حتى الآن من سوريا.

فقد كان يفترض أن تنقل سوريا مع نهاية 2013 كل المواد الكيميائية الأكثر خطورة وتصل إلى 700 طن.

وقد جرى نقل القسم الأكبر من السلاح الكيميائي الذي أعلن نظام الأسد البائد عن وجوده الى خارج البلاد لتدميره، في ضوء الاتفاق الأميركي الروسي آنذاك.

وحملت المواد عام 2014 على متن سفينة شحن نروجية ترافقها قطع حراسة بحرية من الصين والدنمارك والنروج وروسيا. 

وأمام ذلك، يبدو واضحا أن الدولة السورية الجديدة، تريد المضي قدما في جعل سوريا خالية من الأسلحة الكيميائية بالتعاون مع المجتمع الدولي، خاصة في هذه المرحلة الحساسة من عهد البلاد الجديد.

وضمن هذه الجزئية يشير الأحمد إلى أن “هذا التعاون من قبل الدولة السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية سيؤدي إلى تغيير وجهة نظر المجتمع الدولي تجاه الدولة السورية الجديدة”.

وأضاف: "سينظر المجتمع الدولي إلى أن التعامل مع الإدارة الجديدة هو الخيار الوحيد لدفع هذا الملف نحو الأمام بدون كذب ومراوغة كما فعل في نظام الأسد لا سيما بعد إبداء الحكومة الجديدة دورا كبيرا في وقف تصدير المخدرات من سوريا التي كان ينتجها نظام الأسد".

وأدرف الأحمد قائلا: "الدولة السورية الجديدة بعد إسقاط الأسد تمكنت من حماية المواقع والمواد المتعلقة بالأسلحة الكيميائية التي تركها نظام الأسد البائد".