200 مليار دولار.. هكذا تتحرك ليبيا لاسترجاع أموالها المنهوبة بالخارج

الانقسامات السياسية لا زالت تعيق اعتماد نهج موحد تجاه الأموال الليبية المنهوبة
منذ سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا قبل أكثر من عقد من الزمن، لا تزال أصول ليبية مجمدة في الخارج حبيسة العقوبات الأممية والخلافات القانونية.
فبينما تسعى المؤسسة الليبية للاستثمار برئاسة علي محمود حسن، لاستعادة سيطرتها على هذه الأموال، تصطدم جهودها بعوائق سياسية وقضائية تجعل الطريق نحو استردادها مليئا بالتحديات.
وفي ظل هذا الوضع القائم، حققت المؤسسة نجاحا جزئيا لدى لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، يوم 16 يناير/ كانون الثاني 2025، عندما منحت حق تقديم طلبات إلى لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، لاسترجاع الأموال المنهوبة، على أساس كل حالة على حدة، بينما تحتفظ اللجنة بحق الموافقة عليها أو رفضها.
وهي خطوة متقدمة في محاولة إزالة منعها من الوصول إلى أصول ليبيا المجمدة في الخارج منذ سقوط القذافي عام 2011.
وفي حال التوصل إلى اتفاق مع لجنة العقوبات، سيسمح للمؤسسة الليبية باستثمار احتياطياتها النقدية المجمدة فقط في "حسابات لأجل محدد" وأدوات "منخفضة المخاطر" أو في سندات حكومية ذات أسعار فائدة ثابتة.
لكن الأرباح المكتسبة من هذه الاستثمارات ستظل مجمدة، وتنص لجنة العقوبات على عدم جواز إعادة استثمار هذه الأموال إلا في نفس البلدان الموجودة فيها حاليا.
وتبرز هنا مجموعة من التساؤلات حول المؤسسة الليبية للاستثمار التي تخوض معركة استرداد أموال ليبيا المنهوبة؟ وما العوائق التي تواجهها؟ وكم يبلغ حجم أموال ليبيا المجمدة؟ وأين توجد تلك الأموال؟
كنز مجمد
إبان سقوط نظام القذافي بات المجهول هو العنوان الأبرز لنحو 200 مليار دولار من أموال الشعب الليبي التي تم تجميدها بقرار من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في مارس/ آذار 2011.
حيث فشلت معظم جهود الدولة على رأسها مؤسسة الاستثمار في استعادة هذه الأموال.
وتقلل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي المستمرة التي تمر بها ليبيا من فرص استعادة تلك الأموال المجمدة، لاسيما في ظل وجود حكومتين متنازعتين، الأولى في طرابلس والأخرى في بنغازي، مع انقسام المصرف المركزي الليبي بين الشرق والغرب.
وبدأت قصة التجميد عندما اندلعت الأحداث في شرق ليبيا ضد معمر القذافي في 17 فبراير 2011، وقتها أعلن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو" الذين ساعدوا في المعارك ضد القذافي، أن أنصار النظام يمكن أن يستولوا على الأموال الليبية في الخارج لتوظيفها ضد ثورة الشعب.
حينها اجتمع مجلس الأمن مرتين من أجل تجميد الأموال الليبية في الخارج، في الجلسة الأولى أصدر القرار رقم 1970 الذي نص فيه على تجميد جميع الأموال، والأصول المالية، والموارد الاقتصادية الأخرى التي يملكها أو يتحكم فيها نظام القذافي.
وقد وضع في مقدمتها تجميد كل الأموال التابعة لمعمر القذافي، وابنته عائشة، وأبنائه سيف الإسلام، والمعتصم بالله، وهانيبال، وخميس، أو الذين يعملون باسمهم، أو بتوجيه منهم، أو الكيانات التي يملكونها أو يتحكمون فيها.
وذلك مع التشديد على التزام سائر الدول الأعضاء في مجلس الأمن بعدم إتاحة أي أموال، أو أصول مالية، أو موارد اقتصادية بواسطة رعاياها أو بواسطة أي كيانات أو أشخاص موجودين في أراضيها للكيانات أو الأشخاص الليبيين المفروض عليهم هذه العقوبات.
بالإضافة إلى تجميد مجلس الأمن أصول 5 مؤسسات وكيانات مالية ليبية، وهي مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الليبية للاستثمار، والمصرف الليبي الخارجي، ومحفظة الاستثمار الإفريقية الليبية، ومؤسسة النفط الليبية.
وفي 17 مارس/ آذار 2011 صدر القرار رقم 1973 ليؤكد ما جاء في قرار 1970.

أين الأموال؟
وتوضح تقارير محلية ليبية أن الأرقام المعلنة عن الأموال المجمدة في الخارج والتي تصل إلى 200 مليار دولار هي أقل من حجم الأموال الحقيقة.
وذلك بناء على بعض المؤشرات منها دخول الدولة من مصادر الطاقة مثل النفط والغاز على مدار عقود من حكم القذافي، والتي قد تصل إلى 500 مليار دولار.
وفي 2 أغسطس/ آب 2024، نشرت صحيفة "بوابة الوسط" الليبية، أن بعض الدول الكبرى كانت ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة بنظام القذافي وكان بها أموال ومشروعات ليبية عملاقة لم تعلن عن أي أموال ليبية مجمدة لديها.
وأضافت: "لهذا فإن حجم الأموال التي طلب مجلس الأمن من الحكومات الأجنبية تجميدها هي فقط الأموال السيادية التي تصل قيمتها إلى 150 مليار دولار، إضافة إلى 144 طنا من الذهب، أما باقي الأموال والأصول الأخرى حول العالم فلا يعرف عنها أحد أي شيء".
ثم ذكرت: "أن الولايات المتحدة تحتل الصدارة في ترتيب الدول التي تحتفظ بالأموال الليبية المجمدة بنحو 34 مليار دولار تابعة لهيئة الاستثمار الليبية، وموزعة على مجموعة من المحافظ المالية، كل محفظة بها 500 مليون دولار".
وتابعت: "تأتي بعدها بريطانيا التي جمدت نحو 19.2 مليار دولار خاصة بالأفراد والكيانات الليبية، وتأتي إيطاليا في المرتبة الرابعة بنحو 8 مليارات دولار، فيما جمدت ألمانيا أصولا وسندات وأموالا ليبية تقدر بنحو 8 مليارات دولار".
وأشارت إلى أن "فرنسا أيضا التي قادت جهود الناتو ضد القذافي، جمدت نحو 11 مليار دولار كانت تابعة لمؤسسات ليبية في البنوك الفرنسية، ثم أعلن البنك المركزي النمساوي أنه جمد ما يقارب 1.2 مليار يورو من الأموال الليبية التي كانت مودعة لدى مؤسسات نمساوية".
وكذلك كشفت كندا في مارس 2011 أنها جمدت نحو مليار دولار وفق وكالة رويترز.
كما أن تقرير معلومات إدارة مؤسسة الاستثمار الليبية، كشف أن لديها محفظة استثمارية بلغت في نهاية عام 2010، أي قبل الثورة نحو 64.19 مليار دولار، إضافة إلى أنه كان لديها ودائع خارجية بلغت قيمتها 20.2 مليار دولار، ونحو 17.32 مليار دولار من الودائع لدى البنك المركزي الليبي.
مؤسسة الاستثمار
وتعد المؤسسة الليبية للاستثمار هي الجهة الحكومية المخولة بخوض معركة استرداد الأموال الخارجية، وخوض النزاعات القضائية مع الدول والشركات والبنوك المعنية.
وقد تأسست المؤسسة الليبية للاستثمار في 28 أغسطس/ آب 2006 بموجب القرار رقم 208 الصادر عن اللجنة الشعبية العامة سابقا (التي حل محلها الآن مجلس الوزراء).
وتغطي المحفظة الاستثمارية للمؤسسة الليبية للاستثمار مجموعة واسعة من القطاعات وفئات الأصول، بما في ذلك، قطاعات: "الزراعة، النفط والغاز، العقارات، المواصلات، الاستثمارات المالية ومشتقاتها، الصناعة والإنتاج، التكنولوجيا، الإعلام والاتصالات، الكيماويات، المرافق، الترفيه، المركبات، الاستشارات، والضيافة".
وبحسب الموقع الرسمي للمؤسسة، فهي تعد أكبر صناديق الثروة السيادية في إفريقيا، إذ تدير أصولا تتجاوز قيمتها 68.4 مليار دولار أميركي في كل من إفريقيا وأوروبا وآسيا وأميركا الشمالية (بحسب آخر تقييم تم إجراؤه في عام 2019).

معركة الـ15 مليار دولار
وترفع مؤسسة الاستثمار الليبية، مجموعة من الشعارات، عبر من منصتها الإلكترونية، منها "أن مهمتنا تتمثل في الحفاظ على ثروات الشعب الليبي المناط للمؤسسة إدارتها وتنميتها لتأمين مستقبل مزدهر للأجيال القادمة".
وفي مسعاها نحو ذلك، نجحت في 24 يناير 2025، باستعادة بعض الأموال المجمدة.
وذلك بصدور حكم من محكمة استئناف بروكسل يقضي برفع جميع الحجوزات القضائية المفروضة على أموال المؤسسة ومجموعتها لدى بنك "يوروكلير بروكسل" للخدمات المالية في بلجيكا.
وتتعلق تلك المحاولة الأولى بمبلغ قدره 15 مليار يورو مودعة لدى البنك.
وحرص حسن علي، رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار، على وضع ملف الأصول المودعة في حسابات البنك البلجيكي، على رأس جدول أعمال المؤسسة، حيث يحرص حسن على تحريك هذا الملف كأولوية.
ويشكل هذا الطلب جزءا من المعركة القانونية الجارية بين المؤسسة الليبية للاستثمار، وبلجيكا أمام محكمة المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار منذ ديسمبر/ كانون الأول 2023.
أصل المشكلة
ومازالت الأصول الليبية تحت الحجز القضائي بعد قرار من محكمة الاستئناف في بروكسل في يوليو/ تموز 2023، حيث عُين بنك "يورو كلير بروكسل" منذ ذلك الحين كوصي عليها، ويتطلب رفع الحجز صدور حكم من قاضي التحقيق بول جيرارد الذي تولى القضية من سلفه ميشيل كليز.
وفرض هذا الحجز كجزء من نزاع بين وزارة الزراعة الليبية و"صندوق التنمية المستدامة العالمي (GSDT)"، والأخير منظمة غير ربحية أسسها الأمير البلجيكي لوران شقيق الملك فيليب.
وتعود القضية إلى عام 2010 (خلال عهد القذافي)، عندما قامت وزارة الزراعة الليبية بإنهاء عقد بإعادة زراعة أشجار خاص بالصندوق المؤسس من قبل الأمير البلجيكي.
بعدها طالب "صندوق التنمية GSDT" بمبلغ إجمالي قدره 45 مليون يورو كتعويض، مستندا إلى حكم نهائي صادر عن المحاكم البلجيكية في عام 2015.
وعلى جانب آخر تخوض المؤسسة الليبية للاستثمار معركة لا تقل شراسة مع بنك HSBC في لوكسمبورغ؛ حيث تستعد لتقديم طلب لإعادة استثمار الأموال المحتفظ بها في حسابات الفرع السويسري من البنك في لوكسمبورغ، رغم ما يواجهها من مشكلات داخلية.

عوائق سياسية
وفيما يعد استرداد الأصول المجمدة في الخارج منذ عام 2011 أولوية رئيسة للمؤسسة الليبية للاستثمار وسلطات طرابلس، إلا أن الانقسامات السياسية في البلاد مازالت تعيق اعتماد نهج موحد تجاه هذا الملف.
حيث لا يعترف مجلس نواب طبرق في شرق ليبيا (غير معترف به دوليا)، بشرعية رئاسة علي محمود حسن للمؤسسة.
كما تابع المدير العام لمكتب استرداد أموال الدولة الليبية وإدارة الأصول المستردة محمد رمضان المنسلي هذه الملفات.
وذلك قبل إلقاء جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب التابعة للحكومة الليبية (المعترف بها دوليا) في طرابلس، بقيادة رئيس الوزراء عبدالحميد الدبيبة، القبض عليه في أوائل يناير 2025 وتمديد اعتقاله منذ ذلك الحين.
ويتهم المنسلي الذي يحمل جنسية بريطانية بالفساد وتوقيع العقود دون تصريح حكومي، بينما يزعم رفاقه أن اعتقاله له دوافع سياسية، بسبب تقاربه مع الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، الذي يحاول عرقلة عمل المؤسسة الليبية للاستثمار، ويسعى لتقويض دورها داخليا وخارجيا.
وهو أمر يحفز الجهات الدولية والحكومات الغربية في اتخاذ الحجة لاستمرار تجميد الأموال، والسعي للاستيلاء على أصول الدولة.