أزمة غير مسبوقة.. هل تقود "منطقة القبائل" إلى قطيعة بين الجزائر والإمارات؟

"الإمارات تجاوزت هذه المرة كل الخطوط الحمراء"
الأزمة بين الجزائر والإمارات مستمرة في التصاعد؛ إذ تكاثرت أحاديث مصادر جزائرية في الأيام الأخيرة عن احتمال انتقالها في الفترة المقبلة إلى قطيعة دبلوماسية.
صحيفة "الخبر" المقربة من الرئاسة الجزائرية، ذكرت في تحليل نشرته في 3 يناير/كانون الثاني 2026، أن “هذه القطيعة ممكنة في الأيام المقبلة”.
وأرجعت ذلك إلى "تصرفات إماراتية عدائية ودعم حركات انفصالية في الجزائر"، في إشارة إلى حركة "ماك" التي تسعى لاستقلال منطقة القبائل شرقي البلاد.
ونقلت "الخبر" ما وصفتها بـ "معلومات رسمية" عن وجود تحقيقات جارية في فرنسا حول تمويل الإمارات حركة "ماك" التي تصنفها السلطات الجزائرية على لائحة الإرهاب.
ولم توضح الصحيفة ما إذا كانت هذه التحقيقات تقوم بها السلطات الفرنسية، أم تجريها الجهات الجزائرية.
سلسلة أزمات
وقالت الصحيفة أيضا: إن "الإمارات تمارس نشاطات غير مسبوقة تهدف إلى زعزعة استقرار الجزائر، من خلال دعم عناصر معادية للوحدة الوطنية، والتدخل لدى فرنسا لتسهيل إقامتهم هناك. بما يشكّل محاولة واضحة للتأثير على سيادة الجزائر".
وكانت الصحيفة نفسها نشرت في السابق تقريرا مفاده بأن السفير الإماراتي في الجزائر بات شخصا غير مرغوب فيه ولا تتعامل معه أية جهة في الجزائر.
ونقلت الصحيفة عما وصفتها "مصادر مطلعة" قولها: إن "ما تقوم به الإمارات من أفعال، لا تمُتّ إلى التوافق أو الإجماع العربي بصلة، بل تعرض مصالح الأمة العربية للخطر وتخدم أجندات تفكيكية". في إشارة إلى التطورات الجارية في اليمن ودعم الإمارات المجلس الانتقالي الانفصالي.
وقالت الصحيفة: إن دور الإمارات الأخير في اليمن تسبَّب في "امتعاض جزائري كبير من ممارسات أقل ما يقال عنها إنها عدائية ولا تمت إلى الأخوة العربية أو إلى روابط التاريخ والمصير المشترك".
وسبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن هاجم الإمارات واتهمها باستخدام الأموال لإثارة القلاقل في السودان وليبيا واليمن والساحل، وحذرها من الاقتراب من بلاده.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال تبون: إن علاقات بلاده مع "دول الخليج جيدة، ما عدا دولة واحدة لا أذكر اسمها، (يقصد الإمارات)".
وأضاف في لهجة بدت كأنها تشير إلى الإمارات: "المشكلة مع من يسعى لتخريب بيتي لأسباب مشبوهة، ويحاول التدخل في شؤون داخلية لم نسمح حتى للدول العظمى بالتدخل فيها، يجب أن يُحافظ على موقعه ونبقى أشقاء دون مشاكل".
وقبل ذلك في مايو/أيار 2025 رأت الجزائر عبر التلفزيون الرسمي أن الإمارات "تجاوزت هذه المرة كل الخطوط الحمراء، وكل الحدود التي يمكن للجزائر أن تغض الطرف أو أن تسكت عنها". وأضاف التلفزيون أن "الجزائر لن تقف باكية على أطلال، لكنها ستردّ الصاع صاعين".
وبعد تصريحات للمؤرخ والباحث الجزائري في التاريخ محمد الأمين بلغيث كان قد أدلى بها لقناة سكاي نيوز عربية، رأى فيها أن "الأمازيغية هي مشروع صهيوني فرنسي"، صعدت الجزائر ضد الإمارات، رغم أن المتحدث قال: إن التصريح يخصه ويعبر عن رأي شخصي.
غير أنه في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أدانت الغرفة الجزائية (محكمة الاستئناف) بمجلس قضاء الجزائر بالعاصمة، محمد الأمين بلغيث بالسجن لمدة 5 سنوات، منها سنتان موقوفتا التنفيذ.
وقبل ذلك كان بيان لمجلس الأمن القومي في الجزائر، قد اتهم أبوظبي تلميحا (وصفها في البيان ببلد عربي شقيق)، بلعب دور في توترات المنطقة وسلوك عدائي اتجاه الجزائر.
حيث تتهم الجزائر أبو ظبي بتمكين المغرب من أجهزة للتجسس على الجزائر، وتمويل حملات هدفها تشويه دور الجزائر في الساحل الإفريقي، وإفساد العلاقات بين الجزائر ومالي والنيجر.
وجاءت الاتهامات بشكل رسمي حين اتهم تبون في أبريل/نيسان 2024 دولة عربية لم يُسمّها بتوظيف أموالها "في بؤر التوتر في العالم" في إشارة إلى الإمارات.
لكن في يونيو/حزيران 2024 اجتمع تبون برئيس الإمارات محمد بن زايد على هامش قمة الدول الصناعية السبع في إيطاليا وجرى بين الرجلين حوار قصير أمام عدسات المصورين.
وبلغ الخلاف حد تغيب الرئيس الإماراتي عن القمة العربية في الجزائر عام 2022، ثم تأزمت العلاقات أكثر حين أصدر وزير النقل الجزائري نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تحذيرا لمسؤولي الجزائر من المرور بمطارات الإمارات.

السيادة خط أحمر
هذا الخبر دفع بمنابر جزائرية أخرى للتساؤل إن اقتربت بلادهم من هذه القطيعة مع الإمارات، وترى أن ما يجرى أعاد تصاعد التوتر الإقليمي إلى الواجهة.
وفي هذا الصدد، رأى موقع "أخبار الجزائر" في منشور بتاريخ 03 يناير 2026، أن التحليلات القائمة تشير إلى امتعاض رسمي متزايد من سياسات أبوظبي، وعدها ممارسات لا تنسجم مع منطق الأخوة العربية ولا مع مبدأ احترام سيادة الدول.
وأضاف الموقع، الطرح الجزائري واضح، ويقوم على أن "السيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة، ورفض أي تدخل خارجي يمسّ وحدة البلاد واستقرارها، والتحذير من دعم أطراف أو شبكات تعمل على زعزعة الأمن أو تغذية مشاريع انفصالية".
وفي هذا السياق، نقل المصدر ذاته تأكيد الرئيس عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة أن "الجزائر لا تعادي أحدا، لكنها لا تتهاون مع الاستفزازات أو محاولات فرض الأمر الواقع". مؤكدا أن "الصبر له حدود".
وأبرز الموقع أن "الجزائر التي اختارت منذ عقود دبلوماسية هادئة ومستقلة، ترفض منطق المحاور والوصاية، وتصرّ على معالجة الأزمات بالحوار لا بالمال أو الإعلام أو شبكات التأثير"، وترى أن هذا الخيار جعلها "هدفا لحملات تشويش ومحاولات ضغط خارجية".
ورغم غياب إعلان رسمي عن القطيعة، يقول المصدر ذاته: "إلا أن استمرار هذه السياسات قد يدفع العلاقات إلى نقطة اللاعودة، بما فيها احتمال القطيعة الدبلوماسية، إذا لم يحدث تغيير جذري في التعاطي مع الجزائر وسيادتها".
في المقابل، قال موقع "LEMED24" المتخصص في الشأن المغاربي: إن النظام الجزائري يستعد لإضافة أزمة دبلوماسية جديدة إلى سجله المثقل بالإخفاقات، مع اقتراب الإعلان الرسمي عن قطع العلاقات مع الإمارات. وفق تعبيره.
ورأى في تحليل بتاريخ 04 يناير 2026، أن قرار القطيعة يجرى التحضير له داخل أروقة قصر المرادية، بمشاركة الجنرالات وأجهزة المخابرات، في خطوة لا يمكن وصفها إلا بأنها مغامرة غير محسوبة العواقب، ستدفع الجزائر ثمنها سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا.
وذكر الموقع أن "هذا التوجه العدائي لا يستند إلى أي استفزاز إماراتي مباشر، فأبوظبي لم تبادر بإهانة الجزائر، ولم تتدخل في شؤونها الداخلية، ولم تتخذ مواقف عدائية تجاهها".
واسترسل: "كل ما في الأمر أن الإمارات تمارس سيادتها الكاملة في بناء تحالفاتها الإقليمية، وفي مقدمتها شراكتها الإستراتيجية مع المغرب، وهو ما يبدو كافيا في نظر النظام الجزائري لتحويل دولة خليجية وازنة إلى خصم".
وأردف، "الخطير في هذا القرار أنه لا يعكس فقط عقلية انتقامية ضيقة، بل يؤكد مرة أخرى أن النظام لا يحسب أي حساب لمصلحة الجزائريين، سواء داخل البلاد أو خارجها".
وأضاف: حيث إن "آلاف الجزائريين المقيمين في الإمارات مهددون بأن يكونوا أول ضحايا هذه القطيعة، دون أي تقدير لأوضاعهم القانونية أو المعيشية، وكأنهم مجرد أرقام بلا قيمة".
القرار، كما تشير المعطيات، يقول الموقع، "حُسم بالفعل، ولا نية للتراجع عنه. هو قرار يعكس ذهنية نظام يخلط بين الكرامة الوطنية والعناد الأعمى، وبين السيادة والعزلة، ويظن أن قطع العلاقات رسالة قوة، بينما هو في الحقيقة إعلان ضعف جديد، يدفع ثمنه بلد بأكمله".
قراءة إماراتية
لم يصدر أي تفاعل رسمي إماراتي مع هذه التحليلات إلى الآن، لكن يمكن الرجوع إلى تقرير سابق نشره "البيت الخليجي للدراسات والنشر"، والذي توقف عند موقف أبوظبي من الأزمة مع الجزائر.
وأوضح الموقع في تقريره المنشور بتاريخ 24 مايو/أيار 2025، أن التلاسن الإعلامي والتوتر الدبلوماسي بين البلدين لا يكاد يفتر حتى يعاود الاشتعال، خاصة منذ صعود الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الحكم عام 2019 بعد الإطاحة بعبد العزيز بوتفليقة.
وبحسب المصدر ذاته، فقد عدّت دوائر مقربة من الإمارات ردود الفعل الجزائرية بأنها "مسيئة وخارجة عن اللياقة الدبلوماسية" و"تستند على أوهام وتصورات مغلوطة".
ويرى الموقع أن من أسباب هذا الوضع، إعلان شركة "مبادلة" الإماراتية عن توقيع اتفاقية مع الرباط للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل المغرب، مطلع 2025.
ورأى أن "هذا الأمر يزعج الجزائر المنتج الكبير للنفط، لا سيما بعد استئناف الإمارات محادثاتها لشراء أكبر حصة في شركة الغاز الإسبانية "ناتورجي" بعد أن أوقفتها في وقت سابق نتيجة تهديد جزائري بوقف شحنات الغاز إذا باعت ناتورجي أسهمها إلى جهة أخرى".
وفي مايو 2025، يردف الموقع، "أعلنت الرباط الانتهاء من دراسات الهندسة الأولية لمشروع أنبوب الغاز العملاق الذي سيربط بين نيجيريا والمغرب من مدينة الداخلة بالصحراء المغربية كاشفة أن الإمارات من بين الممولين الرئيسين لهذا المشروع".
ومن المتوقع أن يربط أنبوب الغاز الضخم 15 دولة بأوروبا بكلفة تناهز 25 مليار دولار، فيما سيصل إنتاجه إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.
هذا المشروع يمثّل منافسة مغربية مباشرة للجزائر. مشيرة إلى أن عدة مراقبين يرون أن الهجوم الجزائري على الإمارات سببه المباشر هذا المشروع بالذات.
وقال الموقع: إن الإمارات لا تميل إلى الردّ المباشر أو الانجرار إلى حرب تصريحات، وتفضل الاحتفاظ بمواقفها ضمن أطر دبلوماسية واقتصادية.
واسترسل؛ إذ ترى أن الاستثمار في المغرب أو التعاون مع دول الساحل لا يشكل تحديا للجزائر، بل يدخل ضمن إستراتيجيتها الأوسع لتعزيز حضورها واستثماراتها الإستراتيجية في إفريقيا ومناطق النفوذ الجديدة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وفي ملف الصحراء الغربية، يردف المصدر، "تنفي الإمارات أن يكون موقفها موجها ضد الجزائر تحديدا"، وتؤكد أن "فتح قنصلية لها في العيون المغربية جاء ضمن إطار دعم الحلول السياسية الواقعية والمتوافق عليها تحت مظلة الأمم المتحدة"، وهو موقف لا يختلف عن مواقف العديد من الدول العربية والإفريقية.
وبحسب هذا المنظور، يقول الموقع: "فإن الإمارات لا ترى مصلحة في التصعيد، بل تدعو إلى ضبط النفس وتغليب منطق المصالح المشتركة، وتذكّر بأن الخلافات السياسية يمكن احتواؤها بالحوار، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين".

أمن قومي
في ظل هذه التفاعلات، نقل موقع "الصندوق الأسود" الناطق بالفرنسية، تأكيدات نقلها من مصادر مطلعة قريبة من دوائر الحكم بالجزائر، بأن القيادة الجزائرية لم تعد تنظر إلى الخلاف مع أبوظبي على أنه مجرد تباين في المواقف السياسية، بل تعده قضية تمس الأمن القومي ومبدأ السيادة الوطنية.
وأوضح الموقع في تقرير بتاريخ 06 يناير 2026، أن "أجهزة مختصة تمكنت من جمع أدلة تفيد بتقديم دعم مالي ولوجستي لأفراد وشبكات مرتبطة بحركة "ماك" المصنفة بالجزائر بأنها إرهابية".
واسترسل: "إلى جانب محاولات لنقل نشاطها نحو المنصات الأوروبية لإضفاء طابع دولي عليها".
ويؤكد مسؤولون في الجزائر، وفق المصدر، أن "تتبع مسارات هذه الأموال قد يكشف عن خيوط شبكة تدخل أوسع نطاقا، تستهدف استقرار البلاد من الخارج".
وترى الجزائر أن بعض التحركات التي تُنسب إلى الإمارات تمثل تجاوزا لكل ما هو مألوف في العلاقات العربية، لا سيما ما يتعلق بدعم جهات تصفها الجزائر بأنها تسعى إلى المساس بسلامة أراضيها.
وقال التقرير: إن "الجزائر تعتقد أن أبوظبي مارست ضغوطا عبر قنوات دبلوماسية في باريس لتسهيل منح إقامة قانونية لنشطاء مرتبطين بتحركات انفصالية، وهو ما تعده الجزائر محاولة غير مباشرة لإضعاف مؤسساتها الوطنية عبر استغلال الأطر القانونية الأوروبية".
وأشارت مصادر الموقع إلى أن "قنوات الاتصال الرسمية بين الجزائر وأبوظبي ما تزال مفتوحة من حيث الشكل، لكنها تكاد تكون مُجمّدة عمليا".
وخلص إلى أن "السلطات الجزائرية تدرس خيارات متعددة، منها خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي أو الوصول إلى القطيعة الكاملة، وهي خطوة ستكون – إن اتُخذت – بمثابة إعلان عن نفاد صبر الجزائر حيال ما تصفه بـ "الخروقات الإماراتية الممنهجة".
وتحرص القيادة الجزائرية، بحسب المقربين منها، على التأكيد أن أي تصعيد محتمل سيُبرر كإجراء دفاعي وليس هجومي، وأن الهدف منه حماية السيادة الوطنية لا المساس بالعلاقات العربية.














