من ميغ-25 إلى سو-57.. لماذا لا ترى الجزائر في السلاح الغربي خيارا آمنا؟

"الجزائر تخطط لإنفاق 25 مليار دولار على الجيش عام 2026"
تحت عنوان "الجزائر أول دولة في العالم تحصل على مقاتلات الشبح الروسية من الجيل الخامس.. لماذا تتجاوز هذه الصفقة كونها مجرد شراء أسلحة باهظة الثمن"، كتب موقع ألماني عن تفاصيل صفقة بيع موسكو طائرات مقاتلات “سو-57” إلى الجزائر.
وكانت الخطوط الجوية الجزائرية قد أعلنت في فبراير/ شباط 2025 أن الطيارين يخضعون حاليا للتدريب في روسيا، على أن تبدأ عملية تسليم الطائرات خلال عام 2026.
من جانبها، أكدت موسكو على لسان رئيس شركة "روسوبورون إكسبورت" الحكومية الروسية، ألكسندر ميخييف، أن الجزائر أول زبون أجنبي سيحصل على مقاتلة "سو-57".

استقلال عسكري
ويرى موقع "تيليبوليس" أن هذا القرار "يمثل نقطة تحول لافتة؛ إذ تشكل هذه الصفقة أول تصدير عالمي لطائرة مقاتلة من الجيل الخامس لا تأتي من الولايات المتحدة".
وأوضح أنه "بالنسبة للجزائر، فإن هذه الخطوة تعد تتويجا مرحليا لإستراتيجية ممتدة منذ عقود، تهدف إلى ترسيخ الاستقلال العسكري عبر الاعتماد على منظومات تسليح روسية".
وأشار الموقع إلى أن "الجزائر تنتهج منذ حقبة الحرب الباردة مسارا ثابتا وواضحا: اقتناء تكنولوجيا عسكرية متقدمة من روسيا بهدف تحييد الضغوط السياسية الغربية".
ففي عام 1978، كانت الجزائر أول دولة أجنبية تحصل على طائرة الاعتراض "ميغ-25"، واليوم يُنتظر أن تحل "سو-57" محلها في سلاح الجو الجزائري.
وبحسبه، "يكمن سبب هذا النهج المتواصل في معادلة بسيطة: من يشتري مقاتلات أميركية أو أوروبية لا يستورد العتاد العسكري فقط، بل يستورد معه شكلا من أشكال التبعية السياسية".
وعزا ذلك بالقول: "ففي أوقات الأزمات، يمكن تأخير قطع الغيار، أو تعطيل إمدادات الذخيرة، أو تجميد عقود الصيانة والدعم الفني".
ولفت موقع "تيليبوليس" إلى أن "دولا مثل مصر وتركيا اختبرت هذه الإشكالية بشكل عملي".
في المقابل، قدر أن "الثمن السياسي للأنظمة الروسية يُدفع أساسا عبر الالتزام طويل الأمد والعلاقة المستقرة مع موسكو، وليس من خلال ضغوط مباشرة في المحافل الدولية، أو فرض مواقف تصويتية في الأمم المتحدة، أو القبول بوجود قواعد عسكرية أجنبية".
من الناحية التقنية، أوضح الموقع أنه "عند تصميم مقاتلة (سو-57)، أُعطي أولوية خاصة لخفض تكاليف التشغيل وسهولة الصيانة، ما يجعل هذه الطائرة، مقارنة بغيرها من مقاتلات الجيل الخامس، أكثر قدرة على تحمل الأعباء المالية".
مضاعفة الإنفاق
وإضافة إلى ذلك، "تمتلك الجزائر بنية تحتية تراكمت على مدى عقود لخدمة الطائرات السوفييتية والروسية، تشمل قواعد جوية مجهزة، وأجهزة محاكاة، ومراكز صيانة، وبرامج تدريب متخصصة".
وهو ما يراه التقرير "يعزز من جاهزيتها السريعة لاستيعاب هذا الجيل المتقدم من المقاتلات دون أعباء لوجستية معقدة".
بهذا المعنى، يعتقد أن "صفقة (سو-57) لا تمثل مجرد تحديث لسلاح الجو الجزائري، بل تعكس خيارا إستراتيجيا طويل الأمد، يربط بين الاستقلال العسكري، وتخفيف الضغوط السياسية، وبناء قدرة ردع قائمة على قرار سيادي مستقل".
"وما يمنح الجزائر قدرة على اقتناء أسلحة عسكرية فائقة التطور من دون الحاجة إلى موافقات خارجية، هو جهودها السياسية والاقتصادية الكبيرة خلال السنوات الماضية". يقول الموقع.
وتابع: "فبعد أن كادت البلاد تنهار خلال تسعينيات القرن العشرين تحت وطأة الديون الخارجية وبرامج التكييف الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي، استغلت الجزائر طفرة أسعار المواد الأولية في العقد الأول من الألفية الجديدة لسداد ديونها وإعادة بناء استقلالها المالي".
وأضاف: " وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الجزائر قد أوفت بالتزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، وسددت ديونها لنادي باريس من الدائنين قبل مواعيدها المقررة".
وأردف: "وبدلا من إعادة جدولة القروض القديمة أو استبدالها بأخرى جديدة، ركزت على بناء احتياطيات مالية قوية، وأبقت المقرضين الدوليين على مسافة آمنة من قرارها السيادي".
ووفقا له، أسهمت هذه السياسة في "مضاعفة الجزائر إنفاقها العسكري أكثر من مرتين منذ عام 2020، مع التخطيط لإنفاق ما يعادل 25 مليار دولار على الجيش عام 2026".

رد مباشر
على الصعيد السياسي يرى الموقع أن "صفقة (سو-57) تُفهم في المقام الأول كرد مباشر على وتيرة التسلح المتسارعة لدى خصمها الإقليمي المغرب".
فمنذ عام 2019، تعهدت الولايات المتحدة بتزويد الرباط بـ25 مقاتلة من طراز (F-16C/D Block 72) المطور، وشرعت في تحديث الأسطول المغربي الحالي إلى معيار (F-16V).
"وإلى جانب ذلك، يعتمد المغرب على طائرات مسيرة وصواريخ موجهة إسرائيلية تُستخدم في إقليم الصحراء الغربية". على حد تعبيره.
كما أوضح الموقع أن الرباط "وقعت مع تل أبيب عقودا جديدة تشمل أنظمة دفاع جوي وتعاونا فضائيا".
واستطرد: "بل إن تقارير متداولة تشير إلى نية الرباط شراء 32 مقاتلة من طراز (إف-35) من الولايات المتحدة".
وتوقع الموقع الألماني أنه "في حال تحقق ذلك، فإن المغرب لن يندمج بشكل أعمق في المنظومة الأمنية الأميركية الإسرائيلية فحسب، بل سيثير أيضا قلق دول الجوار".
علاوة على ذلك، لفت إلى أن "تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام 2011، والذي يُنظر إليه من قبل دول المنطقة بوصفه حربا عدوانية غير مبررة، شكل عاملا إضافيا دفع الجزائر إلى زيادة استثماراتها في سلاحها الجوي وتعزيز قدراته".
ومع ذلك، شكَّك الموقع في "قدرة الرباط على تمويل هذه المشتريات في ظل كلفة لا تقل عن 100 مليون دولار للطائرة الواحدة".
ورأى أنه "حتى مع تخطيط المملكة لزيادة ميزانيتها الدفاعية لعام 2026 بنسبة إضافية قدرها عشرة بالمئة، لتصل إلى نحو 15.7 مليار يورو، فإن تأمين الموارد اللازمة لاقتناء هذا العدد من المقاتلات المتقدمة لا يزال تحديا ماليا كبيرا".
المنافس الصيني
وحول فرص وتحديات تصدير المقاتلات الروسية إلى الجزائر، عقد الموقع الألماني مقارنة بين الأسلحة الروسية والصينية.
وقال: “تتنافس المقاتلة (سو-57) مع الطائرة الصينية FC-31، وهي مقاتلة من الجيل الخامس منافسة تُعد أكثر تقدما من حيث تقنيات التخفي والإلكترونيات الطيرانية”.
وأشار إلى أنه "بحسب صحيفة (أوراسيا تايمز) فإن الدفعات الأولى من هذه الطائرات ستُسلم قريبا إلى باكستان".
وفي الوقت نفسه، ذكر الموقع أن الصين "تواصل توسيع صادراتها العسكرية إلى الجزائر؛ حيث تشمل هذه الصفقات طائرات مسيرة من طرازي (CH-4) و(WJ-700)، ومنظومات راجمات صواريخ (WM-80)، ومدافع هاوتزر ذاتية الحركة من طراز (PLZ-45)".
فضلا عن أنظمة صواريخ مضادة للدروع من نوع (HJ-12)، ومنظومات الحرب الإلكترونية (CHL-906)، وصولا إلى كورفيتات شبحية متقدمة.
وإلى جانب ذلك "زوَّدت بكين الجزائر بدبابة (VT-4)، لتكون أول دبابة في الخدمة الجزائرية لا تأتي من روسيا، وأول دبابة أيضا مزودة بنظام حماية نشط، ما يمثل تحولا نوعيا في تنويع مصادر التسليح الجزائرية". وفق تعبيره.
في المقابل، أوضح الموقع أن "تقارير أميركية تشير إلى أن قدرة روسيا على مواصلة تطوير مقاتلاتها المتقدمة، وفي مقدمتها (سو-57)، تواجه تحديات متزايدة بفعل العقوبات المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا".
وبحسب رأيه، "تكتسب هذه التقارير قدرا من المصداقية، في ضوء الصعوبات المثبتة التي واجهتها روسيا في تلبية بعض التزاماتها التصديرية، ولا سيما فيما يتعلق بمنظومة الدفاع الجوي (S-400)".














