عقب خروجها من اليمن وهروب الزبيدي.. كيف تخطط الإمارات لتفجير المشهد الجنوبي؟

استخدام الحوثيين كورقة ضغط على السعودية عبر تشجيعهم على استهداف مصالحها الحيوية
تشهد الساحة اليمنية تحولات متسارعة في ضوء تبدل موازين القوى المحلية والإقليمية، وتغير مواقع الفاعلين الرئيسين في الصراع، على نحو يعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري، لا سيما في المحافظات الجنوبية.
وفي هذا السياق، يبرز تصاعد الخلاف بين طرفي التحالف السعودي–الإماراتي، وما ترتب عليه من تراجع ملموس في النفوذ الإماراتي داخل اليمن، وانعكاس ذلك مباشرة على وضع المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولا إلى هروب رئيسه عيدروس الزبيدي وعدد من قياداته إلى دولة الإمارات.
وتثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشهد السياسي الذي يتشكل في الجنوب، وحجم النفوذ الإماراتي المتبقي. فضلا عن الأدوات التي قد تلجأ إليها أبوظبي لإعادة خلط الأوراق أو إعادة تشكيل المعادلات في المحافظات الجنوبية.

موازين القوة
برزت قوات "درع الوطن" كأحد أبرز التحولات العسكرية والأمنية في المرحلة الراهنة، بوصفها قوة مدعومة سعوديًا تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني في المناطق الجنوبية والشرقية.
وتُقدَّم هذه القوات بصفتها بديلًا أكثر انضباطًا للفصائل المحلية المتنازعة، ووسيلة لإعادة ضبط الأمن بما يخدم رؤية الرياض في الحفاظ على وحدة القرار العسكري، والحد من النفوذ الإماراتي داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وتمكنت قوات "درع الوطن" من بسط سيطرتها على معظم المحافظات الجنوبية، من عدن إلى المهرة، باستثناء محافظتي لحج والضالع اللتين تمثلان المعقل الأبرز لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي.
وأسهم هذا الانتشار في إضعاف نفوذ التشكيلات المسلحة المرتبطة بالمجلس الانتقالي، وإعادة ترجيح كفة موازين القوة على الأرض لصالح الحكومة الشرعية.
وفي موازاة ذلك، عززت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا اصطفافها إلى جانب المملكة العربية السعودية، مستفيدة من التحولات الإقليمية والدعم السياسي والعسكري المباشر، في مسعى لاستعادة زمام المبادرة السياسية، وإعادة تقديم نفسها بوصفها الإطار الجامع والشرعي الوحيد لإدارة المرحلة الانتقالية.
وفي سياق تقليص دور المجلس الانتقالي وتعزيز سلطة الشرعية، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي حزمة قرارات شملت عزل عدد من قادة المجلس الانتقالي من مناصبهم السياسية والعسكرية، إلى جانب توجيه تهمة الخيانة العظمى لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن اليمن يتجه نحو مرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية، وفي هذا الإطار، تبدو الإمارات أمام خيارين رئيسين: الأول، الانكفاء النسبي وترك إدارة الملف اليمني للرياض.
أما الثاني فيتمثل في السعي للحفاظ على موطئ قدم عبر مقاربة بديلة تقوم على التأثير غير المباشر، وإدارة الصراع باستخدام أدوات غير تقليدية.
وترجّح مؤشرات عدة أن تميل أبوظبي إلى الخيار الثاني، من خلال ما يمكن توصيفه بـ"إدارة الفوضى المحدودة"، أي تعطيل مسارات الاستقرار دون الانخراط المباشر، بما يسمح لها بإعادة خلط الأوراق وفرض معادلات تفاوضية جديدة.

خيارات الإمارات
يُعد حوار الرياض أحد أبرز المسارات السياسية الرامية إلى إعادة ترتيب البيت اليمني، ومعالجة القضية الجنوبية، وتوحيد القوى المناهضة للحوثيين.
ورغم مشاركة وفد من المجلس الانتقالي في الحوار المرتقب، فإن الإمارات، في حال شعرت بأن مخرجات هذا الحوار ستقوض نفوذها أو مصالحها، قد تلجأ إلى تعطيله بشكل غير مباشر، عبر استخدام أدوات إعلامية وسياسية للتشكيك في جدواه أو حياديته، فضلا عن دعم أطراف سياسية وعسكرية ترفض مخرجات الحوار، وفي مقدمتها جناح عيدروس الزبيدي الذي فضّل عدم المشاركة.
ومن بين الخيارات المتاحة أمام أبوظبي أيضًا، العمل على إرباك المشهد السياسي الجنوبي من خلال تحريك ملفات خلافية، أو إعادة إحياء قضايا مؤجلة ذات طابع سياسي أو مناطقي، إضافة إلى دعم شخصيات أو كيانات سياسية بديلة، وإعادة تنشيط فصائل مسلحة أو شبكات نفوذ محلية.
كما تشمل هذه الخيارات استثمار هشاشة الوضع الأمني لفرض ترتيبات جديدة، وتوظيف التناقضات المناطقية والقبلية بما يؤدي إلى تشتيت جهود الخصوم، ومنعهم من توحيد الشارع الجنوبي أو تحقيق تطلعاته.
وفي حال نجح مؤتمر الرياض ودفع الجنوب اليمني نحو مسار سياسي سلمي، بما في ذلك معالجة القضية الجنوبية، فإن ذلك سيشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الإستراتيجية الإماراتية، ما قد يدفعها إلى العمل على إبطاء هذا المسار أو عرقلته عبر التشكيك في شرعية الأطراف المشاركة، أو دعم مسارات موازية، أو ممارسة ضغوط عبر حلفاء إقليميين ودوليين لإعادة صياغة أولويات التسوية.

حرب الأوراق
ومع تصاعد المواجهة السياسية اليمنية والسعودية مع أبوظبي، وتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، يبرز توجه متزايد نحو الاعتماد على ما يمكن تسميته بـ"الأوراق غير التقليدية" كوسائل ضغط وابتزاز إستراتيجي، قد تلجأ إليها الإمارات بهدف خلط الأوراق في الجنوب اليمني، أو الدفع نحو تفجيره أمنيًا واجتماعيًا، بما يفرض واقعًا تفاوضيًا جديدًا.
وتشير توقعات إلى احتمال توظيف الإمارات أربع أوراق رئيسة في الجنوب اليمني: تنظيم القاعدة، مليشيات المجلس الانتقالي، جماعة الحوثي، والورقة الإسرائيلية.
1. تنظيم القاعدة
تُعد جماعة القاعدة من أخطر الأوراق الأمنية في اليمن، وغالبًا ما جرى توظيفها إقليميًا كعامل ابتزاز أمني. وفي هذا السياق، أكد وزير النقل اليمني السابق صالح الجبواني وجود أدلة حكومية تثبت علاقة الإمارات بتنظيمي القاعدة وداعش في اليمن.
ولا يفترض توظيف هذه الورقة وجود تحالف مباشر، بل إدارة مستوى التهديد عبر الإيعاز بتحركات محدودة لخلايا التنظيم في بعض المحافظات، بما في ذلك مهاجمة قوات الشرعية، لإبقاء الجنوب في حالة هشاشة أمنية دائمة، وتشويه صورة السعودية كقائد للتحالف في مكافحة الإرهاب، والإيحاء للشركاء الدوليين بأن تقليص الدور الإماراتي فتح المجال لعودة التنظيمات المتطرفة.
2. مليشيات المجلس الانتقالي
ورغم التراجع السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي، لا تزال الإمارات تحتفظ بنفوذ فعلي داخل بنيته العسكرية والأمنية، عبر تشكيلات تضم أكثر من 180 ألف مقاتل يتلقون الدعم والتمويل منها.
ويمكن توظيف هذه الورقة عبر إعادة تنشيط هذه التشكيلات في عدن وأبين ولحج والضالع، لخلق بؤر توتر موضعية، والدفع نحو تمردات أمنية محدودة تستنزف قوات "درع الوطن" والحكومة الشرعية، وتحول الجنوب من حليف للسعودية إلى عبء أمني عليها، مع تعطيل أي مشروع استقرار طويل الأمد.
ولا يقتصر خطر هذه التشكيلات على اليمن فحسب، بل يمتد إلى السعودية، في ظل تهديدات سابقة أطلقها قادة في المجلس الانتقالي باستهداف منشآت حيوية مثل أرامكو والبقيق بالطائرات المسيّرة.
3. الحوثيون
رغم التناقض المعلن بين الإمارات وجماعة الحوثي، تشير التجربة اليمنية إلى وجود قنوات تواصل غير مباشرة تُستخدم لإدارة المصالح المرحلية.
ويمكن توظيف هذه الورقة عبر تشجيع الحوثيين على استهداف المصالح السعودية الحيوية، وإبقاء الحدود الجنوبية في حالة تهديد دائم، وتعطيل أي تسوية شاملة تُنهي الحرب، إضافة إلى السماح بتمدد نفوذ الحوثيين اقتصاديًا واستخباراتيًا في بعض المناطق المحررة.
4. إسرائيل
أضفت اتفاقيات التطبيع بعدًا جديدًا للدور الإماراتي في الإقليم، وفي الحالة اليمنية، يمكن توظيف هذه الورقة عبر ربط الجنوب اليمني، لا سيما السواحل والموانئ، بمنظومة أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
ويشمل ذلك تعزيز الحضور الاستخباراتي والتقني تحت غطاء التعاون الأمني البحري إلى جانب استخدام البعد الإسرائيلي كرافعة ضغط سياسية لدى الولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين، لخلق مسارات إقليمية لا تكون الرياض مركزها، بما يقلص هامش القيادة السعودية للملف اليمني.
ويرى مراقبون أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن اليمن مقبل على مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية. ورغم تراجع بعض أدوات النفوذ الإماراتي، فإن أبوظبي لا تزال تمتلك هامشًا للمناورة عبر شبكاتها السياسية والأمنية.
غير أن أي محاولة لخلط الأوراق أو تفجير الصراع تنطوي على مخاطر عالية، وقد تسهم في إطالة أمد الأزمة وتعميق معاناة اليمنيين. وعليه، فإن نجاح أي مسار سياسي مستقبلي سيظل مرهونا بقدرة الفاعلين الإقليميين على تغليب منطق التسوية على منطق الصراع.















