الجامع الأموي في دمشق.. رمز تاريخي شاهد على تحولات السلطة والثورة

داود علي | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

شكّل دخول قوى الثورة السورية للجامع الأموي في دمشق ورفع الأذان والصلاة فيه، حالة رمزية كبيرة بشّرت ببداية عهد جديد انتهى فيه حكم آل الأسد إلى غير رجعة.

ففي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، كتب فصل جديد من تاريخ الشام، عندما دخلت قوات الثورة السورية المسلحة العاصمة دمشق، وسيطرت عليها، لتنهي بذلك 61 عاما من حكم نظام حزب البعث و53 عاما من سيطرة عائلة الأسد.

الجمعة الأولى 

كانت المشاهد الأولى الواردة من دمشق، هي رفع الأذان من الجامع الأموي الكبير، بعد تحريره من قبضة النظام البائد. 

وفي ذلك اليوم دخل القائد العام لإدارة العمليات العسكرية أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، إلى العاصمة واخترق أحياءها حتى وصل إلى الجامع الأموي. 

ومن هناك أطلق رسائله الأولى بعد التحرير، والتي أراد من خلالها التأكيد على رمزية الجامع الأموي للسوريين، ورمزية دمشق للعرب.

وفي أول خطبة له اتهم رئيس النظام المخلوع بشار الأسد بجعل سوريا "مزرعة لأطماع إيران"، وأكد أن الانتصار عليه هو انتصار "للأمة الإسلامية".

وشهد يوم 12 ديسمبر 2024، إقامة أول صلاة جمعة بالجامع الأموي بعد سقوط حكم الأسد. 

وأدى عشرات الآلاف من السوريين الصلاة، تحت إمامة رئيس الحكومة المؤقتة محمد البشير.

وقدرتهم وسائل إعلام سورية محلية بنحو 60 ألف مصلٍّ، انتشروا في باحات المسجد والساحات الخارجية. 

وتحدث البشير في الخطبة عن الظلم الذي لحق بالسوريين والدمشقيين تحديدا، وعن المرحلة القادمة ودعا إلى ضرورة التلاحم والوحدة الوطنية.

بينما شهدت الجمعة الثانية في 20 ديسمبر، إزالة اسم رئيس النظام الأسبق حافظ الأسد من على اللوحة الرخامية للجدار الخارجي للجامع باستخدام مطرقة.

حسينية شيعية

وللتاريخ، انطلقت أول شرارة للثورة السورية في دمشق بالقرب من الجامع الأموي.

ففي 15 مارس/ آذار 2011، بدأت أول مظاهرة نظمها ناشطو المجتمع المدني في سوق الحميدية وسط دمشق.

حينها ردد المتظاهرون شعارات تنادي بالحرية منها "الله، سوريا، حرية وبس"، فسارعت قوات الأمن وعناصر المخابرات إلى مهاجمة المظاهرة وفضها واعتقال عدد من الناشطين المشاركين فيها. 

منعت بعد ذلك الصلاة في الجامع الأموي، على مدار 13 عاما، بما فيها الجمع والجماعات. 

ومع ذلك فقد شهد الجامع الذي يمثل أهمية خاصة لأهل السنة، انتهاكات متعددة على يد المليشيات الشيعية الداعمة لنظام الأسد. 

وذلك مثلما حدث في 13 فبراير/ شباط 2015، عندما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لـ "حسينية" أقامها شيعة في قلب الجامع الأموي.

وفي ذلك اليوم طغت أعلام إيران وحزب الله اللبناني، حيث رُفع العلمان، دون سواهما، فوق بوابة الجامع الرئيسة.

كان كل ذلك على وقع الصرخات واللطميات الزينبية والحسينية، وسط حشود أتباع المذهب الشيعي من السوريين والإيرانيين واللبنانيين.

وكان المشاركون يرددون ألفاظ شتم للصحابة، عند خروجهم من سوق الحميدية ووصولهم ساحة الجامع، وفق ما نقلت سابقا مواقع محلية وعربية.

وقال شهود لقناة العربية السعودية إن هذه الألفاظ والشتائم كانت بحضور شيوخ النظام، والقائمين على المسجد، وبعضهم كان موجودا “يسمع ويرى ويضحك”.

سنوات الأسد

وشهد الجامع الأموي خلال سنوات حكم الأسد الطويلة إهمالا وصل إلى وقائع تبديد وفساد بحق مقتنياته العتيقة والنادرة. 

ففي عام 2009 نشر الصحفي السوري أيمن الشوفي تحقيقا عن "سرقة السجاد العجمي من الجامع الأموي وساعة المرجة".

ومما ذكره أن كل سجاد الجامع القديم والثمين والذي يعود إلى قرون الإسلام الأولى، قد جرى استبداله بآخر جديد عام 2004، واختفى القديم. 

كذلك أثار الصحفي سامي مروان مبيض، القضية عام 2017 عبر مقال في جريدة "الوطن" المحلية، بعنوان "مفقودات دمشق تحولها إلى ذكرى في الكتب.. مخطوطات ثمينة وثريات فاخرة وسجاد الأموي النادر، أين المصير؟".

وبين الصحفي المقرب من السلطة البائدة في مقاله أن 400 مخطوطة عثمانية مُخزنة في صناديق بقيت في غرفة مؤذني الجامع الأموي، جرى إتلافها، بالإضافة إلى الثريات القديمة الفاخرة التي لم يبق منها في المستودعات إلا واحدة فقط.

واكتفى بالتساؤل عن مصير هذه المقتنيات، التي لا تقدر بثمن على حد قوله. 

وبدوره، تحدث الصحفي السوري، عمار السمر، عن عرض قديم أقيم وقت افتتاح متحف خاص بمقتنيات الجامع الأموي عام 1989.

وأورد في مقال على تلفزيون سوريا في 26 نوفمبر 2022، أنه كان عبارة عن قاعة واحدة فقط ضمت نماذج من تلك المقتنيات الثمينة، ومنها: مصاحف مخطوطة ومذهبة يعود بعضها للعصر المملوكي.

وكذلك كتب مخطوطة مزخرفة متنوعة، وبعض الأحجار والسجاد ولوحات خط عربي، ومصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات كبيرة وثريات. 

وتساءل عن "ما مصير هذه الكنوز؟" وهو السؤال الذي لم يجد إجابة حتى الآن.

تاريخ الجامع

ويعد الجامع الأموي الذي شيد في السنوات الأولى للفتح الإسلامي لمدينة دمشق من المواقع التاريخية التي تحمل دلالة ورمزية كبيرة لدى سكان العاصمة وعموم السوريين وسائر المسلمين.

وهناك روايات مختلفة ومتضاربة حول بداية وضع اللبنات الأولى للجامع، ومن أشهرها تلك التي ذكرها المؤرخون بأن المسجد أقيم مكان معبد وثني قديم للإله "جوبتير"، حوله الإمبراطور "ثيودور" إلى كنيسة عام 379 عرفت باسم كنيسة القديس يوحنا.

فلما دخل الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح إلى دمشق خط المسجد على جزء من المعبد.

وعندما تولى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك أرسى مسجده مكان المعبد والجامع والكنيسة معا.

وقد حشد الوليد لبناء المسجد حرفيين وعمالا من الفرس والهنود وفنانين من اليونان، واستمر البناء 10 سنوات واكتمل بعد وفاة الوليد.

ولطالما تغنى بالجامع أدباء وفقهاء الإسلام، وكتبوا عنه في كتبهم وخلدوه في أشعارهم.

ووصف الرحالة والشاعر الأندلسي ابن جبير الجامع بأنه "أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين". 

وقال عنه الفقيه والأديب السوري علي الطنطاوي: "ذهبت أمية بمالها وسلطانها، ولبث وحده يخلد في الدنيا اسم أمية، فكان أبقى من كل ما نالت أمية من مال ومن سلطان".

ومما يتفرد به الجامع الأموي من بين سائر الجوامع، أنه يعرف بتقليد "الأذان الجماعي" أو "أذان الجوقة". 

وهو أن تؤدي جماعة كاملة من المؤذنين، الأذان في وقت واحد ليصل صوته إلى أبعد مسافة ممكنة.

ومع أن مكبرات الصوت وجدت قديما، فإن فرق الإنشاد أصبحت تتولى تأدية الأذان الجماعي في باحة المسجد، بتقدير ذلك تقليدا تاريخيا خاصا بالجامع الأموي دون غيره.

استرداد الهوية 

وفي تعليقه على رمزية الجامع الأموي وارتباط دخوله بانتصار الثورة، يرى الباحث السوري سعيد العمري أن هذا المشهد سيخلده التاريخ.

وقال في حديث لـ “الاستقلال”، إن هناك مشهدين سيخلدهما التاريخ في الثورة السورية، الأول اقتحام الثوار لسجن صيدنايا وتحرير المحتجزين، فكان ذلك بمثابة سقوط الاستبداد ودولة الظلم والقهر". 

وأضاف: "أما المشهد الثاني فكان دخول الثوار والشعب السوري إلى ساحات الجامع الأموي مهللين ومكبرين، وكان ذلك بمثابة استرداد هويته التي ظلت مسروقة بيد آل الأسد والطائفية". 

وأكمل العمري: "لم يكن الجامع الأموي مجرد مكانا للعبادة فقط، بل كان جامعة فكرية وعلمية جمعت كبار علماء أهل السنة ومفكريهم من مختلف التخصصات".

وأتبع: “لعب الجامع قبل حكم حزب البعث، دورا أساسيا في نشر العلوم الإسلامية والأدب والفقه، وظل شاهدا على مراحل تاريخية مهمة في تاريخ سوريا والمنطقة منها الثورة العربية الكبرى (عام 1916 للاستقلال عن الدولة العثمانية) على سبيل المثال”، وفق تعبيره.

واستطرد الباحث السوري: "لكن مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، تغيرت الأوضاع الدينية والاجتماعية بشكل كبير في سوريا، عندما فرض نظامه سيطرة صارمة على كافة مظاهر الحياة، بما في ذلك الأماكن الدينية والمؤسسات الإسلامية".

وأوضح: "بطبيعة الحال لم يسلم الجامع الأموي من هذه السياسات، إذ حاول النظام تقويض الدور الديني والثقافي الذي يمثله من خلال فرض رقابة مشددة على الخطب والأنشطة الدينية التي كانت تقام فيه، وصولا إلى المنع الكامل واعتقال رواده أحيانا". 

وذكر أن ما حدث خلال سنوات قمع وانحسار الثورة في الجامع الأموي مثل إهانة بالغة للسوريين تحديدا أهل السنة، عندما دخلت المليشيات الإيرانية الشيعية وأقامت الزينبيات واللطميات فيه.

وكانت هذه بمثابة رسالة سياسية، لما هو معلوم من عداء تاريخي بين الشيعة وبني أمية، وقد أرادوا إرسال رسالة تفيد بانتصارهم سياسيا ودينيا، وفق قوله. 

وعقب: "لكن الآن الجامع عاد للسوريين كما كان، وسقطت صور الأسد وتاريخه، وبدأ عهد جديد كما تبدأ سوريا كلها عهد جديد، فإنما دولة الظلم ساعة وإن طالت".