أحداث أمستردام.. كيف كشفت نفاق الغرب ووفاء الشعوب العربية لفلسطين؟

داود علي | منذ ٥ أشهر

12

طباعة

مشاركة

يبدو أن عاصفة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة ولبنان، والذي خلف عشرات الآلاف من الضحايا، تصل شرارتها إلى قلب أوروبا وتحديدا العاصمة الهولندية أمستردام. 

وشهدت أمستردام يومي 7 و8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أحداث فوضى عارمة، على وقع أعمال شغب وعنف قام بها مشجعو فريق كرة القدم الإسرائيلي، “مكابي تل أبيب”.

وكان فريق دولة الاحتلال يخوض مباراة في دوري أبطال أوروبا، ضد نادي أياكس أمستردام الهولندي.

هزيمة ثقيلة

وبدأت الأحداث من جانب الجماهير الإسرائيلية المتحفزة، من داخل ملعب المباراة، عندما رفضوا الوقوف دقيقة حدادا على ضحايا فيضانات مدينة فالنسيا الإسبانية.

وفي وقت الحداد أطلقوا الألعاب النارية مع صافرات استهجان، احتجاجا منهم على موقف إسبانيا الرافض للعدوان الإسرائيلي على غزة، واعتراف حكومتها أخيرا بدولة فلسطين.

بعد انتهاء المباراة خرج مشجعو الفريق الإسرائيلي، الذي تلقى هزيمة ثقيلة على أرض الملعب بخمسة أهداف دون رد لصالح النادي الهولندي، وأطلقوا هتافات نابية معادية للعرب.  

وهتفوا: "فلينتصر الجيش الإسرائيلي.. اللعنة على العرب"، كما أظهرت مشاهد أخرى مصورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ترديد عبارة: “لا توجد مدرسة في غزة لأنه لم يعد هناك أطفال”.

ثم انطلقوا بعد ذلك إلى قلب المدينة لإثارة الشغب، حيث هاجموا الأعلام الفلسطينية ومزقوها، وأنزلوها من واجهات المنازل، بعد أن تسلقوا الجدران. 

وقاموا بسب وقذف سائقي سيارات الأجرة الهولنديين من ذوي الأصول العربية، وأدوا لتعطيل حركة المرور في  بعض الأماكن. 

وهو ما أدى إلى انفجار ردة فعل غاضبة من قبل السكان المحليين خاصة المسلمين وذوي الأصول العربية الذين اشتبكوا مع مثيري الشغب الإسرائيليين.

وانتشرت مقاطع على منصات التواصل الاجتماعي، لأشخاص يطالبون الإسرائيليين بهتاف "الحرية لفلسطين".

وتم تداول مشاهد أخرى لبعض جماهير نادي الاحتلال وهم يلقون بأنفسهم في المجاري المائية بالمدينة، هربا من المواطنين الغاضبين.

وأسفرت تلك المواجهات عن إصابة 10 إسرائيليين، حسبما أعلنت الحكومة الهولندية، بينما أطلقت حكومة إسرائيل "مهمة إنقاذ" وأرسلت طائرتين لإجلاء المشجعين.

وشملت الإجراءات الإسرائيلية، إرسال وحدات أمنية من الدائرة المسماة "مكافحة الإرهاب" إلى أمستردام.

كما أعلن جيش الاحتلال استعداده لإرسال قوة إلى هولندا للمساهمة في الإجلاء، ثم تراجع عن هذه الخطوة فيما بعد.

وأعلن الجيش أيضا حظر سفر جميع أفراده إلى هولندا بغرض السياحة، حتى إشعار آخر.

بعدها أعلنت شرطة أمستردام اعتقال 62 شخصا، وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية بقيادة الوزير الجديد جدعون ساعر، قد زعمت في بيان فقدان الاتصال بثلاثة.

لكن شرطة أمستردام أعلنت أنه لا مؤشرات على وجود مختطفين أو مفقودين في الأحداث. 

وذكرت رئيسة شرطة أمستردام، بيتر هولا، خلال مؤتمر صحفي، أن “المشاهد المتداولة تؤكد أن مشجعي نادي مكابي تل أبيب هم من افتعلوا أحداث الشغب”.

عملاء الموساد

وأعلن رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، تواصله مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وقال "إن أعمال العنف التي استهدفت إسرائيليين غير مقبولة، وسيتم محاسبة المتورطين".

وأشار إلى أن "القمة الأوروبية ستبحث تأثير أحداث الشرق الأوسط على أماكن أخرى بالعالم كما حدث بأمستردام".

يذكر أن سخوف هو رئيس الحكومة اليمينية الجديدة، وكان رئيسا سابقا للاستخبارات الهولندية.

فيما قالت عمدة أمستردام، فيمكا هالسيما، إنه "رغم الوجود المكثف للشرطة، أصيب مشجعون إسرائيليون".

وفي نفس اليوم، التقى جدعون ساعر، بعد وصوله إلى هولندا، مع وزير العدل دافيد فان فيل، إضافة إلى زعيم اليمين المتطرف خيرت فيلدرز، لمناقشة الهجوم الذي تعرض له المشجعون الإسرائيليون في المدينة.

وكان فيلدرز قد كتب عبر حسابه على موقع "إكس"، فور وقوع الأحداث: "لماذا لم يكن هناك عدد كاف من الشرطة؟ لماذا لم يكن هذا متوقعا؟ لماذا لا ترسل هذه الحثالة خارج البلاد؟ أين مقترحات تجريد المسلمين المجرمين من جنسيتهم؟ لماذا لا يوجد مجلس وزراء إضافي اليوم؟ أين الاستعجال؟.

يذكر أن هولندا، تضم عددا كبيرا من السكان المسلمين، وحسب مركز الإحصاء الهولندي "سي بي إس" لعام 2019، فإن عدد المسلمين في هولندا يقارب 850 ألف نسمة، وهو ما يمثل نحو 5 بالمئة من عدد السكان، البالغ نحو 17 مليون نسمة. 

ومع ذلك، كانت هناك تساؤلات عن بعض القرارات المرتبطة بالأحداث، حتى من قبل وقوعها.

منها القرار الذي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، في 5 نوفمبر 2024، بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" قرر إرسال عملائه للانضمام إلى مشجعي فريق مكابي تل أبيب، بالإضافة إلى أفراد الأمن العاديين، لتوفير أقصى قدر من الحماية.

فما الذي يمكن أن يفعله عملاء الموساد زيادة عما يفعله عناصر التأمين، خاصة أنه لم يكن هناك تهديدات أو أزمات خاصة بالبعثة. 

كذلك بدأت شخصيات عالمية في التفاعل مع الحدث، منها الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي تورطت حكومته في دعم العدوان على غزة ولبنان، وتسبب في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين.

وغرد بايدن عبر حسابه على “إكس” قائلا إن "الهجمات المعادية للسامية على مشجعي كرة القدم الإسرائيليين في أمستردام، هي هجمات حقيرة وتذكر بلحظات مظلمة في التاريخ عندما تعرض اليهود للاضطهاد".

أما المستشار الألماني أولاف شولتس، فأفاد بأن "الهجوم على اليهود هو هجوم علينا جميعا، لا يمكننا قبول هذا، يجب أن يشعر اليهود بالأمان في أوروبا". 

كيل بمكيالين

وتناولت صحف وشخصيات عالمية الأحداث بشكل متباين، حيث نشرت صحيفة “لو ميديا” الفرنسية، أن المشجعين الإسرائيليين هم من قاموا بالاستفزاز من خلال تمزيق الأعلام الفلسطينية المعلقة على الشرفات.

وقاموا بهتافات عنصرية ضد العرب تحت حماية الشرطة، ولم يكتفوا بهذا فبسبب غضبهم من إسبانيا التي اعترفت بدولة فلسطين.

قاموا بعدم احترام ضحايا فيضانات فالنسيا، خلال الدقيقة المخصصة لهم، وهو الأمر الذي صدم الجميع.

فيما كتب الإعلامي المصري باسم يوسف، عبر صفحته على "إكس": "لقد أهان الصهاينة في أمستردام لحظة الصمت على ضحايا الفيضانات في إسبانيا، وهتفوا (الموت للعرب) وهتفوا (لم يتبق مدارس ولا أطفال في غزة)". 

وأضاف: "كما مزقوا الأعلام الفلسطينية وهاجموا المارة في الشوارع، وعندما تلقوا المعاملة المناسبة التي يستحقونها، كالعادة، بكوا وتظاهروا بأنهم ضحايا".

ثم أتبع: "وغطت عليهم وسائل الإعلام الغربية كالعادة وركزت على رد الفعل وتجاهلت عدوانهم، وكان بعض هؤلاء (مشجعي كرة القدم) من جنود الاحتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي ومن الحمقى الذين خدموا لقتل الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين".

وأكمل: "إن الصهاينة مجرد جبناء، ولن يلعبوا دور المتنمرين إلا إذا دعمتهم الأموال والأسلحة الأميركية، لكن بدون ذلك لن يكون لديك سوى مجموعة من الجبناء الذين يبكون ويبكون ويتظاهرون بأنهم ضحايا".

واختتم: "بدون وسائل الإعلام الغربية لن يكون لديك غطاء وبدون الأسلحة الأميركية لن تكون شيئا على الإطلاق، لذا دعني أبكِ بحرقة.. إلى البحر".

من جهته، نشر نجم المستديرة المغربي حكيم زياش، صورة عبر حالة "إنستغرام"، وكتب معلقا على الأحداث: "حين لا يتعلق الموضوع بالنساء والأطفال، يفرون مسرعين، ستظل فلسطين حرة".

فيما قالت البرلمانية المغربية السابقة، إيمان اليعقوبي، إن "الجمعيات المغربية في هولندا تحتاج لتأسيس لجنة من الحقوقيين والمحامين للدفاع عن المغاربة الذين يمكن أن تتم متابعتهم في الأحداث، مع باقي العرب والمسلمين".

وأضافت عبر منشور لها على "فيسبوك" في 8 نوفمبر: "يجب إفشال التوجه نحو المظلومية التي سيحاول الطرف المعتدي الدفاع عن نفسه بها".

ومما يعزز فكرة الكيل بمكيالين التي تتبناها المؤسسات الغربية، بما فيها الرياضية، أن الأندية الإسرائيلية تشارك في الدوري الأوروبي والبطولات الدولية، رغم جرائم الحرب التي ارتكبتها دولة الاحتلال في غزة والضفة الغربية ولبنان. 

وهو ما لم يحدث مع روسيا التي منعت أنديتها في المشاركة بأي فعالية دولية، على خلفية عدوانها على أوكرانيا. 

ففي فبراير/ شباط 2022، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، تعليق مشاركة فرق كرة القدم الروسية وفرق الأندية من المنافسة حتى إشعار آخر.

وقال بيان مشترك للاتحادين: "كرة القدم موحدة تماما هنا وفي تضامن كامل مع جميع المتضررين في أوكرانيا. يأمل كل من رئيسي فيفا ويويفا أن يتحسن الوضع في أوكرانيا بشكل ملحوظ وسريع حتى تصبح كرة القدم مرة أخرى قوة دافعة للوحدة والسلام بين الناس".