المعركة 233.. الفاشر تتحول إلى عقدة عسكرية تحدد شكل مستقبل السودان

داود علي | منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تتجه أنظار السودانيين نحو الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي البلاد؛ حيث تدور معركة حامية الوطيس بين الجيش وقوات الدعم السريع المتمردة، في مواجهة توصف بأنها الأعنف منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. 

الفاشر ليست مجرد مدينة كبرى في دارفور، بل عقدة إستراتيجية يتوقف عليها ميزان القوة في الإقليم؛ إذ إن صمودها يعني بقاء الجيش على الخريطة العسكرية والسياسية في الغرب.

كما أن سقوطها يعني عمليا إخضاع دارفور بالكامل لسيطرة الدعم السريع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الصراع وتمدد رقعته نحو كردفان والوسط.

وعلى الأرض، يدرك الطرفان أن معركة الفاشر أكبر من كونها مواجهة ميدانية، فهي معركة وجود وشرعية، يعدها الجيش آخر حصونه في دارفور، ورمزا لصموده بعد عامين من القتال المرير. أما الدعم السريع، فيرى فيها بوابة النصر الإستراتيجي الذي سيمنحه اليد العليا في أي تسوية قادمة.

وبين السقوط والصمود، يبقى المدنيون المحاصرون في قلب المعركة يدفعون الثمن الأكبر، فيما ترسم على أنقاض الفاشر ملامح المرحلة الأخطر في حرب السودان.

المستجدات الميدانية 

ومنذ 11 أغسطس/ آب 2025، تحوّلت شوارع الفاشر إلى ساحة مفتوحة لاشتباكات متواصلة، وسط حصار خانق يفرضه الدعم السريع منذ أكثر من عام.

وهو ما جعل حياة مئات الآلاف من المدنيين جحيما يوميا؛ حيث يطاردهم الجوع والخوف، ويضطر بعضهم لتناول أعلاف الماشية وأغصان الأشجار من أجل البقاء على قيد الحياة.

ورغم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2736 الصادر في يونيو/ حزيران 2024، والذي دعا صراحة إلى رفع الحصار ووقف الهجمات وسحب المقاتلين من محيط الفاشر، فإن الوقائع على الأرض لم تتغير.

إذ وثقت منظمات محلية ودولية أكثر من 309 هجمات استهدفت المدينة ومحيطها خلال عام واحد، معظمها وقع ضد المدنيين مباشرة.

وعندما شنّت الدعم السريع المدعومة إماراتيا، الهجوم الحالي على مخيم أبو شوك للنازحين في ضواحي المدينة والذي يضمّ ما يزيد عن 190 ألف نازح، أسفر الأمر عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصا وإصابة 19 آخرين، بينهم نساء وأطفال. وفق غرفة طوارئ المخيم. 

وأكدت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر أن بعض الضحايا جرت تصفيتهم ميدانيا داخل صفوف المدنيين، في مشهد يجسد حجم الانتهاكات التي ترتكب بحق الأبرياء.

كما حذّرت منظمة أطباء بلا حدود من تزايد الخطر الذي يهدد مجتمع الزغاوة، الذي يشكل العمود الفقري للقوة المشتركة التي تقاتل إلى جانب الجيش في الدفاع عن المدينة. 

ومع اشتداد المعارك، بدأت قوات الدفاع الذاتي، التي جندت من أبناء الزغاوة، بالانخراط المباشر في حماية الفاشر من الهجمات المتكررة.

وخلال تقرير نشرته المنظمة في 3 يوليو/ تموز 2025 عن الفظائع الجماعية في مخيم زمزم، تقول إحدى النساء: "لم يكن بمقدور أحد أن يخرج من الفاشر إذا قال إنه من الزغاوة". 

ويضيف رجل آخر في الإفادة ذاتها: "كانت قوات الدعم السريع وحلفاؤها يسألون الناس عن انتمائهم، فإذا أجابوا بأنهم من الزغاوة، كان مصيرهم القتل فورا".

لكن الاستهداف لم يتوقف عند الزغاوة وحدهم، فالمليشيا توسعت في ممارساتها ضد مختلف القبائل الإفريقية. 

ففي مقطع فيديو تداوله ناشطون، ظهر رجل من عرقية البرتي يعلن أصوله، قبل أن يقتل بدم بارد على يد أحد عناصر الدعم السريع، في مشهد يلخص وحشية الانتهاكات التي تتعرض لها المكونات الإفريقية في دارفور.

233 معركة

في المقابل، أعلنت الفرقة السادسة مشاة بالجيش السوداني في 25 أغسطس 2025، تمكنها من صدّ الهجوم نفسه، بعد معركة وُصِفت بأنها من الأعنف منذ بداية الحرب. 

جرى تنفيذ العملية عبر ثلاثة محاور رئيسة (الجنوبي الشرقي، والجنوبي الغربي، والشرقي) بمشاركة "مرتزقة كولومبيين"، إلى جانب استخدام الدعم السريع لمسيرات انتحارية ونيران كثيفة في محاولة لاختراق دفاعات المدينة.

وأكَّد الجيش أنه كبَّد المهاجمين خسائر فادحة تجاوزت 254 عنصرا، واستولى على عشرات المركبات القتالية، فيما انسحبت فلول القوات المهاجمة تاركة جثث قتلاها في محيط الفاشر.

وبحسب بيان القوات المسلحة، فإن المعركة الأخيرة كانت رقم 233 منذ اندلاع القتال في المنطقة، ما يعكس كثافة المحاولات المتكررة لاختراق المدينة والسيطرة عليها. ويؤكد الجيش أن عملياته ستتواصل لتأمين الفاشر وحماية المدنيين من أي هجمات جديدة.

وكانت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح المتحالفة مع الجيش، قد أكدت خلال بيان في 21 أغسطس/آب 2025، أن قوات الدعم السريع حاولت منذ ساعات الفجر الأولى اختراق خطوط الدفاع عبر قصف مدفعي عشوائي واستخدام الطائرات المسيرة، غير أنها اصطدمت بـ"مقاومة صلبة وإرادة لا تلين" من المدافعين عن المدينة.

وأشار البيان إلى أن المهاجمين تكبّدوا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، تاركين وراءهم جثث قتلاهم وآلياتهم المدمرة.

كما أعلنت القوة المشتركة أنها تمكنت من الاستيلاء على 15 عربة قتالية وتحييد قائد الهجوم، المدعو محمدين حبيب موسى، بينما تفرقت بقية القوات المهاجمة في حالة ارتباك وتشتت.

وختم البيان بالتأكيد على أن "النصر في هذه المعركة يبرهن من جديد أن وحدة الصفّ وصلابة الإرادة قادرتان على دحر المعتدين وإفشال مخططاتهم، وأن الفاشر ستظل عصية على الغزاة، حصنا للوطن وقلعة للصمود".

عوامل الصمود

وبحسب تقارير نشرها موقعا "سودان تربيون" و"دارفور 24"، فإن الفاشر ظلت عصية على السقوط، بسبب عدة عوامل إستراتيجية. 

أبرزها أن قوات الدعم السريع لم تستطع إيجاد قاعدة شعبية داخل المدينة، ما جعل تحركاتها عشوائية ودون حاضنة محلية، الأمر الذي حول الفاشر إلى ما يشبه المصيدة بالنسبة لها.

من جانب آخر، لعبت المطابخ الجماعية المعروفة محليا بـ"التكايا"، التي يديرها متطوعون لإطعام الفئات الأشد ضعفا، دورا محوريا في تعزيز الصمود؛ إذ كانت تحصل على تمويل عبر التحويلات المصرفية من السودانيين في الداخل والخارج. 

ورغم تواضع الغذاء، فإن هذا التضامن الشعبي دفع الجوعى إلى الثبات في وجه الحصار.

كما شهدت المدينة تدفقا لآلاف الشباب والنساء إلى صفوف المقاومة الشعبية، سواء تحت إمرة الجيش أو ضمن تشكيلات القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، إلى جانب مجموعات مسلحة محلية أخرى، وهو ما ضاعف من القدرة القتالية داخل الفاشر.

كذلك جاء انسحاب الجيش من قواعده ومقراته العديدة في بقية مناطق دارفور، بسبب صعوبة الإمداد، ليعزز من تركيز القوات داخل الفاشر، بحيث أصبحت مركز القيادة والسيطرة. 

وأسهم وجود كل القادة الميدانيين بالمدينة، في توحيد الجهود وتنظيم الدفاعات، ما مكن من إعداد المقاتلين بمختلف تشكيلاتهم لمواجهة الهجمات المتكررة.

وهكذا تحوَّلت الفاشر إلى معقل للصمود الإستراتيجي، ليس فقط بفضل السلاح، بل أيضا عبر شبكة من العوامل العسكرية والشعبية والإنسانية التي جعلتها حتى الآن تقف في وجه محاولات الدعم السريع لاختراقها.

أهمية الفاشر 

ولا تقتصر معركة الفاشر على كونها مواجهة عسكرية بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، بل تتجاوز ذلك لتشكل محطة فاصلة في تحديد موازين القوى داخل السودان والإقليم المحيط به. 

فالمدينة تمثل عمقا إستراتيجيا لإقليم دارفور، المتاخم لولايتي الشمالية وكردفان، كما ترتبط بشريط حدودي دولي ملتهب يمتد من تشاد غربا، إلى ليبيا شمالا، وصولا إلى جنوب السودان وإفريقيا الوسطى جنوبا.

وتنبع أهمية الفاشر من أنها حجر الزاوية للسيطرة على كامل دارفور، فالطرف الذي يمسك بها يكون في موقع متقدم يتيح له التحكم بالإقليم بأسره. 

فإذا أخضعتها قوات الدعم السريع المتمردة، فإنها ستتمكن من تأمين خطوط الإمداد بسهولة أكبر، وتعزيز مواقعها خارج دارفور، مما يمنحها القدرة على التمدد نحو كردفان، وربما ولايتي الشمالية ونهر النيل.

والأخطر أن السيطرة على الفاشر قد تفتح الطريق أمام قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لترسيخ مشروعه الخاص بإقامة كيان منفصل في غرب السودان، معتمدا على نفوذه وقاعدته القبلية هناك.

في المقابل، فإن نجاح الجيش والحركات المسلحة المتحالفة معه في الصمود بالفاشر سيمنحهم موقعا متميزا لاستعادة مدن شمال دارفور وبقية الولايات الأربع في الإقليم، إضافة إلى قطع أحد أهم مصادر الإمداد البشري واللوجستي للدعم السريع. 

كما سيمكنهم ذلك من الانفتاح شرقا نحو ولايتي الشمالية ونهر النيل، وربما المساهمة في تعزيز دفاعات الجيش النظامي في الخرطوم.

وتتجاوز معركة الفاشر حدود البلاد الداخلية، إذ إن موقعها الجغرافي يجعلها على تماس مباشر مع تشاد وليبيا، وعلى مقربة من حدود جنوب السودان وإفريقيا الوسطى. 

وبالتالي فإن الجهة المنتصرة بالمعركة ستكتسب ثقلا إقليميا كبيرا؛ إذ ستضطر الدول المجاورة للتعامل معها كأمر واقع، لما للفاشر من موقع مؤثر على طرق التجارة وحركة السكان عبر الحدود.

وتحضر مصر بدورها كطرف معني بمصير الفاشر، كونها تعتمد بشكل كبير على واردات اللحوم من دارفور، خصوصا الجمال، ما يعني تأثرها اقتصاديا بأي تغير في السيطرة على المدينة. 

ومن الناحية الأمنية، يثير سقوط الفاشر بيد الدعم السريع مخاوف مضاعفة من انفجار موجات لجوء جديدة قد تتجاوز المليون شخص، إلى جانب الفوضى الناجمة عن انتشار السلاح في المنطقة؛ حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 3 ملايين قطعة سلاح غير شرعية.

ومع تصاعد احتمالات تهريب الأسلحة عبر الحدود الصحراوية، ستجد مصر نفسها أمام تحديات أمنية متفاقمة على حدودها الجنوبية، ما يجعلها تتابع عن كثب مجريات المعركة، التي لا تؤثر فقط على مستقبل السودان بل على أمن واستقرار الإقليم بأسره.