جيش تحرير بلوشستان.. من حركة تمرد إلى تهديد إقليمي يثير اهتمام إسرائيل

منذ ١٢ يومًا

12

طباعة

مشاركة

تزايد اهتمام إسرائيل في الآونة الأخيرة بالصراع بين جيش تحرير بلوشستان الباكستاني وإسلام أباد، في ظل التوترات المستمرة في منطقة بلوشستان الحدودية التي تشهد هجمات متزايدة ضد المصالح الباكستانية والصينية.

وينبع هذا الاهتمام بشكل أساسي من التوترات الإقليمية المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، خاصة في ضوء القرب الجغرافي لبلوشستان من مضيق هرمز، الذي يشكل نقطة حيوية لإمدادات النفط العالمية، وفق ما تقول صحيفة معاريف العبرية.

وتشترك إيران وباكستان في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، مع إقليمي بلوشستان الباكستاني من جهة، وسيستان-بلوشستان الإيراني من جهة أخرى.

وتلفت “معاريف” النظر إلى أن جيش تحرير بلوشستان، المصنف كمنظمة إرهابية من قبل عدة دول، صعد من عملياته خلال السنوات الأخيرة، مستهدفا باكستان ومصالح صينية في المنطقة. 

وتمثلت أحدث هجماته في اختطاف قطار "جعفر إكسبريس" في منطقة بولان  جنوب غرب البلاد، ما أدى إلى مواجهة دامية مع الجيش الباكستاني. 

وإلى جانب ذلك، يأتي هذا التصعيد في ظل اتهامات متبادلة بين باكستان والهند بشأن دعم الجماعات المسلحة، إضافة إلى التوترات مع إيران التي شهدت عمليات عسكرية متبادلة بسبب النشاط البلوشي.

وفي سياق أوسع، تتابع قوى إقليمية ودولية تطورات الصراع، حيث يُنظر إلى التنظيم على أنه تهديد إستراتيجي متزايد، خاصة مع تضاعف هجماته منذ عام 2021.

الهجوم الأعنف  

وأنقذ الجيش الباكستاني، في 12 مارس/ آذار 2025، ركاب القطار الذي اختطفه جيش تحرير بلوشستان بعد سيطرته عليه في منطقة بولان.

وبحسب ما أعلنه المتحدث العسكري باسم الجيش، فإن جميع الخاطفين الـ 33 الذين كانوا على متن القطار قُتلوا.  

وأسفر الاشتباك عن مقتل 21 رهينة وأربعة جنود أمنيين، بينما زعم تنظيم جيش تحرير بلوشستان أن 50 رهينة قد أُعدموا.

وفي المقابل، صرح الجيش الأخير أن "المتحدث العسكري الباكستاني كذب بشأن إنهاء حادثة اختطاف قطار (جعفر إكسبريس)""، مؤكدا أن "القتال لا يزال مستمرا، وأنه لا يزال يحتجز رهائن".  

وفي هذا الإطار، تلفت الصحيفة إلى أن هذه أول عملية اختطاف بهذا الحجم ينفذها التنظيم، كجزء من الصراع المتفاقم بشكل كبير منذ عام 2004.  

وبالحديث عن تفاصيل الحادثة، أُبلغ عن تعرض قطار الركاب "جعفر إكسبريس" للهجوم أثناء رحلته من كويتا -عاصمة إقليم بلوشستان- إلى بيشاور، بعد أن فجر المتمردون قضبان السكك الحديدية.  

وبحسب المتمردين، فقد احتُجز 214 رهينة، في حين أفادت مصادر أمنية أن القطار كان يقل 425 راكبا، بينهم 80 عسكريا.  

وكما توضح الصحيفة، فإن الخاطفين هددوا بإعدام الرهائن خلال 48 ساعة ما لم يُفرج عن معتقلي التنظيم.

وفي اجتماع مع أعضاء البرلمان وكبار ضباط الجيش خلال إحاطة أمنية في كويتا، صرح رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، قائلا إنه "لم يحدث من قبل أي حادث كهذا في تاريخ باكستان".

ومن جانبه، زعم التنظيم أن الأشخاص الذين ادعت باكستان أنها "أنقذتهم" كان قد أُطلق سراحهم بالفعل من قبل المتمردين. 

وقال المتحدث باسم جيش تحرير بلوشستان، جاي أند بلوش: "الآن، بعدما تخلت الدولة عن رهائنها، فإنها تتحمل أيضا المسؤولية عن مقتلهم".

جذور التمرد  

وبالنظر إلى تاريخ التنظيم، تقول "معاريف" إن هذا الجيش أُنشئ لاستقلال إقليم بلوشستان، المنطقة الأكبر في باكستان والأقل كثافة سكانية في الوقت نفسه. 

وبدأ النضال القومي البلوشي فور تأسيس باكستان عام 1947. والبلوش، مجموعة عرقية منتشرة في باكستان وإيران وأفغانستان، يدعون أنهم يتعرضون للتمييز والقمع المستمر من قبل الدول الثلاث التي يقيمون فيها. 

ورغم ثراء إقليم بلوشستان بالموارد الطبيعية مثل الغاز والنفط والمعادن، فإنه لا يزال الإقليم الأفقر في باكستان، حيث يسجل أدنى معدلات لمحو الأمية وأعلى معدلات وفيات الرضع في البلاد.  

وفي هذا السياق، توضح الصحيفة أن النزاع الحالي اندلع عام 2004، وتصاعد مع اغتيال الزعيم البلوشي، نواف أكبر بوغتي، عام 2006. 

كما أسهمت حالات الاختفاء لناشطين بلوش على يد قوات الأمن الباكستانية في تأجيج الغضب داخل صفوف جيش تحرير بلوشستان.

ومن ناحية أخرى، تبرز الصحيفة الإسرائيلية أن أحد العوامل الرئيسة الأخرى التي دفعت إلى التمرد كان مشروع "ميناء جوادر"، الممول من الصين. 

ويدعي البلوش أن "المشروع نُفذ دون إشراكهم، وأن الأراضي بيعت بطرق غير قانونية، وأن المسؤولين الحكوميين استغلوا المشروع لتحقيق مكاسب شخصية على حسابهم".

وبوصف نشاطاته على أنها "أعمال عنف وإرهاب"، تتحدث الصحيفة عن أن "جيش تحرير بلوشستان نفذ سلسلة هجمات في العقد الأخير، خاصة ضد أهداف صينية". 

ففي 2018، هاجم التنظيم القنصلية الصينية في كراتشي، وفي 2020 استهدف مبنى البورصة في المدينة، الذي يمتلك جزءا منه اتحاد صيني.  

وتضيف "معاريف" أنه في عام 2022، وقع هجوم صادم بشكل خاص عندما فجرت معلمة، تبلغ من العمر 30 عاما وأم لطفلين، نفسها في كراتشي، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة معلمين صينيين.

علاوة على ذلك، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، نفذ التنظيم هجوما قاتلا في محطة قطار كويتا.  

وبشكل عام، تخلص الصحيفة الإسرائيلية إلى أنه منذ عام 2021، حدث ارتفاع دراماتيكي في عدد الهجمات. 

ووفقا لبيانات رسمية نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، “تضاعف تقريبا عدد الهجمات في بلوشستان خلال تلك السنة مقارنة بعام 2020”.

النظرة الدولية

وبالتأكيد على أن المجتمع الدولي في غالبيته يدين أعمال التنظيم، تشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة وباكستان والعديد من الدول صنفت جيش تحرير بلوشستان كتنظيم إرهابي، مما ينعكس على تدفقاته المالية. 

ومع ذلك، يُشتبه في أن الجالية البلوشية في أوروبا وأميركا الشمالية تمول التنظيم عبر شبكات مالية بديلة تتجاوز محاولات منع تحويل الأموال إلى جيش تحرير بلوشستان.  

"كما أن هناك قلقا بين الدول من تحويل الأموال إلى التنظيم، حيث تتهم باكستان الهند بدعم التنظيم سرا"، بحسب الصحيفة. 

وفي هذا الصدد، قالت المحللة في جامعة "جورجتاون الأميركية  كريستين فير": "سيكون من الخطأ تجاهل الطريقة التي ترى بها باكستان ما يحدث في منطقتها، خاصة أن مسؤولين هنودا اعترفوا في محادثات خاصة أنهم يرسلون أموالا إلى بلوشستان".  

ومن جهة أخرى، توضح الصحيفة أن "إيران، التي تعيش فيها أيضا أقلية بلوشية، تواجه تمردات مشابهة".

وبهذا الشأن، تابعت فير: “تكافح إيران، التي يعيش فيها أقلية بلوشية، أيضا في مواجهتها مع تمردات مشابهة”.

ففي يناير/ كانون الثاني 2024، تبادلت كل من إيران وباكستان الهجمات، بعد أن اتهمت كل منهما الأخرى بمنح اللجوء لجماعات المتمردين البلوشية التي تعمل ضدها.

وفي سبتمبر/ أيلول 2024، عبرت كل من الصين وإيران وباكستان وروسيا، في بيان مشترك، عن قلقهم العميق بشأن ”الجماعات الإرهابية العاملة في أفغانستان"، مع الإشارة بشكل صريح إلى جيش تحرير بلوشستان.

وشدد معهد "باكستان لدراسات السلام"، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، على أن تنظيم جيش تحرير بلوشستان يشكل تهديدا كبيرا للبلاد. 

وقال: إن تهديد التنظيم لا يقل عن تهديد حركة طالبان باكستان، وأنه يتبني تكتيكات الأخيرة ويحسن من أدائه.

ولفت إلى أن التنظيم نفذ 12 هجوما فقط في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مما أسفر عن مقتل 45 شخصا، وهو أكثر من ضحايا هجمات طالبان باكستان في نفس الشهر.  

ويرى الباحث والمحلل في معهد "باكستان لدراسات السلام" سبيدر سيال، أن التنظيم "ليس نفسه الذي كان قبل أربع أو خمس سنوات، إنهم ينفذون هجمات تكتيكية”.

وأردف: "الأهداف والتكتيكات تغيرت، وسيكون من الصعب على الحكومة التعامل مع التهديد المتطور". 

العلاقة مع إسرائيل

وفي النهاية، تسلط "معاريف" الضوء على أن "النضال البلوشي ذو صلة بإسرائيل بشكل رئيس في سياق الصراع مع إيران". 

إذ إن "التوترات بين إيران وباكستان حول بلوشستان تضغط على النظام الإيراني؛ مما قد يخدم المصالح الإسرائيلية". 

وفي هذا السياق، تبرز الصحيفة أن الزعيم البلوشي البارز المقيم في لندن هيبريار ماري، أعرب عن رأيه الإيجابي تجاه إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2024. 

وفي مقال نشره معهد دراسات الإعلام في الشرق الأوسط "MEMRI"، كتب ماري: "عندما يصبح البلوش أمة مستقلة، لن نسمح أبدا لأراضينا ومواردنا أن تُستخدم كقناة لعدوان ضد دول أخرى، بما في ذلك إسرائيل".  

وأضاف ماري: "تستخدم إيران موانئ بلوشستان لنقل الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن"، مشيرا إلى أن "البلوش والأكراد والعرب كانوا من أوائل ضحايا طهران". 

وفي تلميحه إلى تعاون محتمل في المستقبل مع تل أبيب، قال ماري: "إسرائيل، بخبرتها في الزراعة الدقيقة وتحلية مياه البحر، يمكن أن تساعد في تحويل بيئة جافة مثل بلوشستان إلى أخرى مزدهرة". 

وعلى الصعيد الإستراتيجي، تقول الصحيفة إن بلوشستان تقع على طول مضيق هرمز، الذي يربط بين خليج عمان في المحيط الهندي والخليج العربي، ويشكل طريقا حيويا تعبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية.

ونتيجة لذلك، تنوه إلى أن الاضطرابات في هذه المنطقة قد تؤثر على اقتصاد الشرق الأوسط بأسره، بما في ذلك إسرائيل.  

علاوة على ذلك، من منظور الصفائح التكتونية للشرق الأوسط، تقول الصحيفة إن "الصراع البلوشي يكشف عن تعقيد الجغرافيا السياسية في المنطقة، حيث تُستخدم النزاعات العرقية والدينية في صراعات القوة بين القوى الإقليمية". 

وتختتم “معاريف” بالتأكيد على أن "إسرائيل، كلاعب رئيس في المنطقة، تتابع هذه التطورات كجزء من تصورها الواسع للأمن القومي".