رجل إيران بالعراق يجري زيارة مفاجئة لصنعاء.. وحدة ساحات أم لوقف الهجمات؟

"الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت"
مع تكثيف أميركا عدوانها ضد جماعة الحوثي اليمنية لإيقاف إسنادها لغزة، برز اسم العراق كلاعب محتمل في جهود الوساطة، ما أثار تساؤلا عن مدى امتلاك الأخير النفوذ الكافي للنجاح في إيقاف هذا الصراع المعقد؟
وبعد الاتصال بين رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، وما تبعه من زيارة رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي إلى صنعاء، تزايد الحديث عن دور عراقي محتمل في تخفيف التوترات المتصاعدة في اليمن.
و"تضامنا مع غزة" في مواجهة الإبادة الإسرائيلية، باشر الحوثيون منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 استهداف سفن شحن مملوكة لإسرائيل أو مرتبطة بها في البحر الأحمر أو في أي مكان تطاله بصواريخ وطائرات مسيرة.
وأوقفت الجماعة استهدافاتها عقب سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس في يناير/ كانون الثاني 2025، لتعاود الهجمات مع استئناف تل أبيب الإبادة الجماعية في القطاع.

ظهور مفاجئ
مع الظهور المفاجئ لعبد المهدي في صنعاء، انطلق كثير من التكهنات بخصوص طبيعة الزيارة التي جاءت يوم 17 مارس/ آذار 2025، أي بعد يومين من بدء الهجمات الأميركية العسكرية على الحوثيين في اليمن، ردا على استهدافهم السفن في منطقة البحر الأحمر.
لكن عبد المهدي أعلن خلال بيان مقتضب في 21 مارس، أن زيارته الحالية إلى مدينة صنعاء اليمنية تأتي للمشاركة في المؤتمر الثالث "فلسطين قضية الأمة المركزية".
وفي اليوم التالي، صرّح عبد المهدي خلال كلمة له بالمؤتمر، أن "مفهوم وحدة الساحات قبل وبعد طوفان الأقصى، ترجم نفسه في منطقتنا بفتح جبهات الإسناد لغزة، فقام لبنان وحزب الله بدوره، وقدّم على هذا الطريق أغلى الشهداء لتختلط بدماء المجاهدين الشهداء في اليمن والعراق وإيران وبقية الساحات".
وأضاف عبد المهدي أن "لكل ساحة ظروفها المختلفة تخوض المعارك وفق أوضاعها، فهذه المعركة طويلة وتراكمية وشاملة، والساحات التي قد تخبو فيها المقاومة لإعادة تنظيم صفوفها، ستعود أشد بأسا وقوة".
وأوضح أن "الجيوش العربية تحولت الى قتال بعضها بعضا أو قتال شعوبها، لكنها تتوقف وتنهزم أمام اسرائيل، فمعظم قادة هذه الجيوش متبنين لمفاهيم وإطارات أنظمة سايكس بيكو".
وذكرت "وكالة سبأ اليمنية" التابعة للحوثيين، أن وزير الخارجية وشؤون المغتربين في حكومة الحوثي بصنعاء، جمال عامر، التقى عبد المهدي خلال مؤتمر "فلسطين" في صنعاء.
وكان عامر قد صرّح أخيرا بالقول: "في نهاية المطاف، نحن في حالة حرب مع أميركا"، مؤكدا أن المؤتمر يبرز "أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة لليمن"، مشيدا بقرار الحوثي بدء الهجمات على إسرائيل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وبتوسيع عملياتهم ضد السفن في البحر الأحمر.
ونشر عبد الرحمن الأهنومي، مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحوثية، مقطع فيديو لاستقبال عبد المهدي في 17 مارس، قائلا فيه: "مرحبا بالضيف العزيز، لقد أنرت صنعاء".
وكان موقع "شباب اليمن"، المناهض للحوثيين، أكد في 18 مارس، أن زيارة عبد المهدي تتماشى مع إستراتيجية "وحدة الساحات" التي تنسقها إيران بين حلفائها في المنطقة.
وساطة غامضة
ورغم توضيح عبد المهدي أسباب زيارته اليمن، لكن ذلك لم يمنع سياسيين عراقيين وحتى وكالات محلية وإيرانية إضافة للغربية من الحديث عن أن الأخير كان يحمل رسائل من الغرب إلى الحوثيين تتعلق بتهدئة التصعيد.
فكتب السياسي العراقي ليث شبر، عبر "إكس" في 21 مارس: "معلومة يجب التأكد منها، البريطانيون اتصلوا بعادل عبد المهدي لغرض نقل رسالة إلى الحوثيين مفادها: لكم البَر ولنا البحر، الملاحة مقابل السلطة".
وأضاف بشر: "الإيرانيون أعطوا الضوء الأخضر للوساطة، الأميركيون غضوا البصر، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت".
من جهته، قال السياسي العراقي، إبراهيم الصميدعي، إنه "إذا صدقت التسريبات وهي مهمة أن أميركا اختارت عادل عبد المهدي (تحديدا) رسولا إلى اليمن فهذا يعني أن العمق المحافظ الشيعي العراقي قد حسم خلافاته مع الأخيرة، والأمور تسير باتجاه التطبيع واستقرار الدولة".
وأضاف الصميدعي عبر "إكس" أن "ذلك يعني أيضا، أن إيران قد نقلت ملف الحوثي إلى العراقيين للوصول إلى تسوية مع (الصديق) الأميركي ولضمان بقاء وجود سياسي له في اليمن، ولكي تخفف العبء عليها في مفاوضاتها المزمعة مع ترامب".
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة "السومرية نيوز" العراقية في 20 مارس، عن مصادر (لم تسمها) أن "عبد المهدي وصل إلى صنعاء في إطار جهود وساطة دولية، تسعى إلى تخفيف التوتر المتصاعد في البحر الأحمر".
وأضافت المصادر أن "عبد المهدي يحمل رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط عمليات عسكرية أميركية مكثفة تستهدف اليمن، وتهديدات من واشنطن إلى طهران إن استمرت في دعم الحوثيين".
من جهتها، قالت وكالة "مهر" الإيرانية في 20 مارس: إن عبد المهدي وصل الأربعاء إلى العاصمة صنعاء، في إطار وساطة عراقية تهدف إلى تخفيف التوترات في المنطقة.
ونقلت الوكالة الإيرانية عن مصادر لحركة أنصار الله في اليمن (الحوثيين)، أن "هذه الزيارة تأتي ضمن جهود وساطة لنقل مقترحات أميركية تتعلق بالأوضاع في البحر الأحمر".
وبحسب "مهر"، فإن "الولايات المتحدة عرضت وقف الهجمات مقابل التزامها بعدم استهداف السفن والبوارج الأميركية في البحر الأحمر، وهو ما قد يكون ضمن الرسائل التي ينقلها عبد المهدي إلى قيادة صنعاء".
وعلى الصعيد نفسه، أفاد تقرير لموقع "الحرب الطولية" الأميركي، بأن رحلة عبد المهدي جاءت أيضا عندما بدأ الحوثيون هجمات صاروخية باليستية جديدة على إسرائيل يومي 18 و20 مارس/آذار الجاري.
ووفق التقرير الأميركي في 20 مارس، فإن "زيارة عبد المهدي تحصل في سياق دعم إيران التاريخي للحوثيين والدور الرئيس لطهران في دعم المليشيات العراقية والأحزاب السياسية خلال رئاسته للحكومة العراقية في عام 2018 إلى 2019".

"ضغط أميركي"
زيارة عبد المهدي تأتي مباشرة بعد اتصال وُصِف بـ"شديد اللهجة" لوزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، وجه فيه تحذير إلى الجانب العراقي بسبب ما يجرى في اليمن.
وذكرت صحيفة "العالم الجديد" العراقية في 20 مارس، أن "هيغسيث أبلغ السوداني، بأن أي تدخل للفصائل المسلحة العراقية، بشأن الاستهداف الأميركي ضد الحوثيين في اليمن، سيدفع واشنطن لرد عسكري سريع ضد تلك الفصائل داخل العراق، ولهذا يجب منعها من أي تدخل كما حصل سابقا في حرب لبنان وغزة".
وكشفت أن "وزير الدفاع الأميركي شدد على السوداني بضرورة الإسراع في حسم ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة والعمل على تفكيكها، وأن هذا الملف محل اهتمام كبير لدى الرئيس ترامب وإدارته".
وبحسب الصحيفة العراقية، فإن "السوداني أكد في اتصاله مع الوزير الأميركي، أن الحكومة تعمل على ذلك ولديها حوارات مع الأطراف المسلحة للوصول الى اتفاق بهذا الخصوص".
ووفق بيان رسمي للحكومة العراقية في 17 مارس، فإن رئيس الوزراء بحث مع وزير الدفاع الأميركي، التطورات الأمنية الإقليمية والشراكة الإستراتيجية بين البلدين لتحقيق الاستقرار بالمنطقة، واهتمامهما المشترك بالاستقرار والأمن الإقليمي.
وخلال الاتصال، أكد السوداني أن "التهدئة والحوار هما السبيلان الناجعان لمعالجة الأزمات في منطقة حساسة وحيوية مثل الشرق الأوسط"، وأن "هذا النهج يمثل الموقف الثابت للعراق في التعامل مع التحديات الإقليمية" وفق ما ذكرته وكالة الأنباء العراقية "واع".
وشدد الجانبان على "أهمية استمرار الحوار والتعاون لتعزيز المصالح المشتركة بين العراق والولايات المتحدة، والعمل معا للحفاظ على السلام والأمن في المنطقة".
وبحث الاتصال تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة، حيث استعرض وزير الدفاع الأميركي التطورات المتعلقة بالعمليات العسكرية في اليمن، وأشار إلى أن "الولايات المتحدة ستواصل عملياتها ما لم تتوقف الهجمات الحوثية على القوات الأميركية وتأثيرها على الملاحة في البحر الأحمر".
وأكد الوزير الأميركي أن "واشنطن لا تسعى إلى التصعيد (في اليمن)، وأن العمليات العسكرية ستتوقف فور توقف تلك الهجمات".
وتعليقا على ذلك، قال الباحث في الشأن العراقي، مؤيد الدوري لـ"الاستقلال": إن "عادل عبد المهدي غير مستبعد أن يكون مبعوثا إيرانيا بعد تهديدات أميركية للعراق، بالتالي يقود وساطة من طرف واحد لتجنيب بلده أي ردة فعل من الجانب الأميركيين ضد المليشيات العراقية".
وأضاف الدوري، أن "عبد المهدي رجل إيران في العراق، وبالتالي فهو ربما يكون مبعوثها إلى اليمن بدلا من أي شخصية عسكرية أو سياسية إيرانية في هذا الظرف، لكن استحالة أن يكون حاملا للرسائل الغربية؛ كونه محسوبا على الطرف الإيراني وليس العراقي".
وفي 22 مارس، أفادت صحيفة “الشرق الأوسط” بأن جماعة الحوثي اضطرت إلى إخلاء مقر لها في العاصمة العراقية بغداد، بعد رسالة تحذير إيرانية، وإجماع داخل تحالف الإطار التنسيقي الشيعي على تجنب التصعيد مع الأميركيين.
ونقلت الصحيفة السعودية عن مصادر (لم تسمها) أن "جماعة الحوثي أخلت مقرا إستراتيجيا في أحد الأحياء الراقية وسط بغداد، وقد تغلق مقرين آخرين بعد ضغوط من الإطار التنسيقي الشيعي".
وأضافت أن إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" الإيراني، حذر قادة فصائل عراقية من أن "هجمات الجيش الأميركي ضد منشآت تابعة لجماعة الحوثي قد ترتد سريعا على بغداد".
المصادر
- عادل عبد المهدي في اليمن.. ما أسباب الزيارة المفاجئة؟
- عادل عبد المهدي في صنعاء.. ماذا يجري؟
- في إطار وساطة عراقية.. عادل عبد المهدي يصل صنعاء
- عبد المهدي في اليمن تزامناً مع الضربة الأمريكية.. وسيط عراقي أم رسول إيراني؟
- العراق.. السوداني يبحث وزير الدفاع الأمريكي تطورات الأمن الإقليمي
- رسالة قاآني تجلي جماعة الحوثي من بغداد