مختبر التأثير.. تقرير ألماني يكشف كيف تتلاعب روسيا بالرأي العام في إفريقيا

منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

سلطت صحف غربية الضوء على تأثير روسيا في الإعلام والمجال السياسي في إفريقيا، وتحديدا كيفية استخدام موسكو للأساليب الإعلامية والتكنولوجيا الحديثة لتشكيل الرأي العام في القارة السوداء من أجل مصالحها.

وذكر موقع "دويتشه فيله" الألماني أن المنصات الإعلامية الروسية، مثل قناة "روسيا اليوم"، تعد جزءا أساسيا في نشر الرسائل الإيجابية عن روسيا في أوساط الرأي العام الإفريقي. 

وأضاف أن “موسكو تعتمد على نشر محتوى يروج لصور معينة عن علاقتها بالقارة، سواء من خلال التنسيق مع الحكومات المحلية أو عبر مؤسسات غير حكومية تدعم الأجندات الروسية”.

مؤشرات متزايدة

ومن ناحية أخرى، أشار الموقع إلى أن "روسيا تنشئ شبكات موالية من الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تُوزع رسائل دعائية تمجد سياساتها الخارجية وتعزز وجودها العسكري في القارة". 

وأفاد بأن “روسيا تستخدم تقنيات معقدة للتأثير في الأجيال الجديدة في إفريقيا، وتعتمد على كل من الإعلام التقليدي وغير التقليدي لتحقيق أهدافها الجيوسياسية”.

ووصف الموقع صورة نُشرت على موقع "فيسبوك"، حيث يقول: “فوق اليخوت البيضاء الفاخرة الراسية عند الرصيف، ترتفع ناطحات السحاب الزجاجية تحت ضوء ذهبي”، وتُظهر هذه الصورة “ما يُفترض أنه جمال موسكو”.

واستدرك: “لكنْ هناك تفصيل واحد غير صحيح ويمكن التحقق منه بسهولة من خلال البحث العكسي عن الصور، وهو أن هذه الصورة لم تُلتقط في العاصمة الروسية، بل في دبي الإماراتية”.

وبهذا الشأن، أوضح "دويتشه فيله" أن الحساب الذي نشر الصورة المزعومة لموسكو يُدار، وفقا لمعلومات الملف الشخصي، من دولة بوروندي الواقعة شرق إفريقيا. 

ولفت كذلك إلى أن الحساب يحمل اسم "فلاديمير بوتين"، وينشر بانتظام محتوى مؤيدا لروسيا. 

وتابع: “في المنشورات، تكررت الأكاذيب الواضحة مثل الادعاء بأن سلاح ليزر روسي دمر 750 طائرة حربية أميركية”. 

جدير بالإشارة إلى أن الحساب يتابعه أكثر من 180 ألف شخص، مقدما نفسه على أنه صفحة إخبارية.

وفي هذا الإطار، أبرز الموقع أنه "في العادة لا تكون كل المنشورات التي تهدف إلى التأثير السياسي على الجمهور بهذه الفجاجة أو الوضوح في زيفها". 

وأضاف أن "هناك مؤشرات متزايدة على أن روسيا تسعى إلى تحسين صورتها في الدول الإفريقية ذات الأهمية الإستراتيجية".

إمبراطورية واسعة

ولخدمة المحتوى المنشور، لا تقتصر روسيا على إنشاء شبكات خفية في وسائل التواصل الاجتماعي، بل تعتمد أيضا على قنواتها المباشرة، كما قالت "دويتشه فيله". 

وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، التي تعد بمثابة مختبر لتأثير روسيا في القارة، يُعد من الأسرار المكشوفة أن محطة الراديو "لينغو سونغو" قد أُسست عام 2018 بواسطة عملاء روس. 

وأضاف الموقع أنه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، نشرت عدة وسائل إعلام أوروبية تحقيقا استقصائيا عن مُبلغ مركزي إفريقي فر إلى الخارج وكشف كيفية عمله.

وأوضح أنه "كان ينسق بين المحطة وخبراء مؤيدين لروسيا، كما كان يكتب مقالات كصحفي في الصحف"، والتي غالبا ما كانت تُحدد محتوياتها بالتفصيل من قبل وسطاء روس.

ومن ناحية أخرى، أشار الموقع إلى أن “التلفزيون الحكومي الروسي RT (روسيا اليوم) يُستخدم أيضا لنشر السرديات المؤيدة لموسكو”. 

جدير بالذكر أنه في العديد من الدول الغربية، بما في ذلك ألمانيا والاتحاد الأوروبي، حُظرت أجزاء من قناة "روسيا اليوم". 

وبالحديث عن وجود القناة في القارة السوداء، قال الموقع إنه في عام 2022، أعلنت "روسيا اليوم" عن خطط لإنشاء مركز إعلامي ناطق باللغة الإنجليزية في جنوب إفريقيا.

ووفقا لتقرير صادر عن إذاعة "صوت أميركا"، أصبح الموقع حاليا قيد التشغيل، وتُبث قناة "روسيا اليوم" عبر الأقمار الصناعية في العديد من الدول الإفريقية.

بالإضافة إلى ذلك، تُبث قناة “روسيا اليوم” باللغة الفرنسية في دول إفريقيا الناطقة بالفرنسية. 

وبحسب الموقع، غالبا ما يظهر كخبراء في البرامج صحفيون بارزون من وسائل إعلام مالية مثل راديو إميرجنس أو “لي ليت”، الذين يشيدون بالسياسة الروسية في منطقة الساحل، وفي بعض الأحيان تربطهم علاقات مع المجلس العسكري الحاكم في مالي.

تأثير المبادرات

وفي هذا السياق، تبرز "دويتشه فيله" الألمانية أن وزارة الخارجية الأميركية اتهمت خلال فترة الرئيس السابق جو بايدن قناة “روسيا اليوم" بتشغيل صفحات سرية مثل "أفريكان ستريم".

كما اتهمتها بـ"تأسيس قنوات أخرى خصيصا للاستخدام في إفريقيا"، وأبرزها موقع الأخبار الإلكتروني “أفريكان إينيسياتيف"، الذي يعود أصله إلى إمبراطورية الشركات التابعة ليفغيني بريغوجين.

جدير بالإشارة هنا إلى أن بريغوجين، مؤسس مرتزقة فاغنر، أثار مواجهة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو/ حزيران 2023، وقُتل بعد أسابيع قليلة وفقا للسلطات الروسية في حادث تحطم طائرة.

وبالعودة إلى الحديث عن موقع الأخبار الإلكتروني، قال "دويتشه فيله": إن "أفريكان إينيسياتيف" يقدم نفسه كوكالة أنباء وجسر بين روسيا وإفريقيا. 

كما يدير حسابات على تطبيق "تلغرام" ووسائل التواصل الاجتماعي، بعضها علني وبعضها الآخر يعمل بشكل خفي. 

وفي مالي، تربط المبادرة علاقات مع مدرسة محلية للصحافة، حيث وُظف في ديسمبر/ كانون الأول 2024 الثلاثة الأوائل من خريجيها مباشرة كمراسلين، بحسب ما ذكره الموقع الألماني.

علاوة على ذلك، توجد مبادرة "أفريكان إينيسياتيف" أيضا في بوركينا فاسو بمكاتب خاصة بها، حيث تنظم فعاليات بين الحين والآخر. 

ولفت الموقع إلى أنه في مايو/ أيار 2024، عرضت المبادرة في العاصمة واغادوغو صورا تُظهر "انتصار روسيا على ألمانيا النازية" عام 1945 وصولا إلى "عشر سنوات من الحرب في دونباس"، التي تطالب بها روسيا من أوكرانيا.

ووفقا لمصدر محلي، نوه الموقع إلى أن سكان بوركينا فاسو "يتأثرون بشكل خاص بقصص الانتصارات العسكرية ضد الإرهابيين". 

وبخلاف ما سبق ذكره، ذكر الموقع أن القوة العسكرية الروسية تُروج أيضا في الثقافة الشعبية. 

فعلى سبيل المقال، في فيلم الأكشن الروسي "Tourist" الذي صدر عام 2021، يظهر البطل كجندي روسي من النخبة في جمهورية إفريقيا الوسطى.

وفي لعبة الفيديو "African Dawn" التي قدمتها مبادرة "أفريكان إينيسياتيف"، يمكن للاعبين اختيار اللعب بدور جيوش الساحل وحلفائها الروس، أو بدور قوات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس" المدعومة من فرنسا والولايات المتحدة.

رسالة ضمنية

وبهذا الشأن، ذهب الموقع الألماني إلى أن هذا النوع من “التسلية العسكرية” يهدف إلى "تعزيز الرسالة الأساسية التي تُنشر بشكل مباشر أو غير مباشر عبر جميع قنوات المعلومات".

وتفيد هذه الرسالة بأن "زمن الغرب الاستعماري قد انتهى، وأن روسيا تمثل شريكا أفضل".

وبالإشارة إلى أنه "توجد دائما مناسبات لدعم مثل هذه الرسائل"، ذكر الموقع أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 6 يناير/ كانون الثاني 2025، عندما أعرب عن استيائه من أن الحكومات الإفريقية "نسيت قول شكرا"، أثارت غضبا واسعا.

وبحسب الموقع، تناولت مبادرة "أفريكان إينيسياتيف" هذه التصريحات، وربطتها بتحليل عالم سياسي من سانت بطرسبورغ، استنتج منه أن هناك حاجة إلى ظهور "لاعبين بدلاء" مثل روسيا، الذين يعاملون الدول الإفريقية باحترام أكبر.

وأشار إلى أنه "بالفعل هناك نقاط ارتباط تاريخية من القرن العشرين تدعم هذا السرد".

وقالت الباحثة في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، بيفرلي أوتشينغ: "لا يمكن إنكار حقيقة أن روسيا دعمت الحكومات الناشئة في إفريقيا".

وبهذا الشأن، ذكر الموقع أن الاتحاد السوفيتي دعم حركات التحرير مثل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي "ANC" في جنوب إفريقيا، والحركة الشعبية لتحرير أنغولا "MPLA".

بالإضافة إلى الحكومات الشابة في دول مثل إثيوبيا والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية الحالية.

لكن أوتشينغ أضافت في حديثها مع “دويتشه فيله” أن "الأمر يُصور بشكل عاطفي ورومانسي على أن روسيا بقيت صديقة منذ البداية.. هذا ليس كذبا صريحا، لكنه تضخيم للتاريخ لتعزيز الغضب تجاه فرنسا والغرب".

وختم الموقع تقريره بالقول إن “هذه الرواية بدأت تؤتي ثمارها تدريجيا في العديد من الدول الإفريقية”.