رغم رفض المليشيات.. هل بات العراق مجبرا على التطبيع مع سوريا الجديدة؟

يوسف العلي | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

طيلة نصف قرن من الزمن مرت العلاقات العراقية- السورية بانعطافات كبيرة، لا سيما خلال تولي حزب البعث العربي السلطة في البلدين، منذ عقد الستينيات حتى الإطاحة به في العراق باحتلال أميركي عام 2003، وصولا إلى خلعه في سوريا بثورة شعبية.

العراق وسوريا تربطهما حدود طولها 599 كيلومترا، ورغم أن معظمها مناطق صحراوية، فإنها لا تخلو من ترابط عشائري بين مدن الحسكة ودير الزور وحمص السورية، ونينوى والأنبار العراقية، والتي استغلها تنظيم الدولة عام 2014 وأسس دولته المزعومة عليها حتى الإطاحة به في 2017.

وعقب الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تدور تساؤلات عدة عن مستقبل العلاقة بين بغداد ودمشق في ظل الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، والذي وُجِد في العراق سابقا ضمن صفوف تنظيم القاعدة.

"مبادرة الرافدين"  

وعلى ضوء الإطاحة بنظام الأسد، طرح حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق والقيادي في الإطار التنسيقي الشيعي، "مبادرة الرافدين" للتعاطي "بشكل إيجابي وتضامني مع التحوّل السياسي في سوريا الشقيقة". 

ودون الكشف عن تفاصيلها، أوضح العبادي عبر "إكس" في 16 ديسمبر، أن "مبادرة الرافدين" لمساندة الشقيقة سوريا إغاثيا وسياسيا، تأتي في صميم مسؤولية العراق، للمساعدة في بناء تحوّل سلس وإيجابي ومدني وديمقراطي، لخير البلدين والمنطقة.

ومن اليوم الأول لسقوط نظام الأسد، كتب العبادي على "إكس" قائلا: "يوم جديد في سوريا.. نأمل أن يكون يوم وحدة وحرية وعدالة وسلام لشعبها. قلت سابقا، وأعيد اليوم: كما لا يمكن للاستبداد أن يستمر، فلا يمكن للإرهاب أو الفوضى أو الاحتراب أن ينجح".

وأشار العبادي إلى أنه "بين العراق وسوريا مشتركات هائلة يمكن توظيفها لخير الشعبين، ولقد سئمت شعوبنا الحروب والصراعات، وهي ترنو لعهد السلام والبناء. لنعمل جميعا على إطفاء نيران الفتن والصراعات والحروب، لخير شعوبنا".

وفي اليوم نفسه، كتب نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق القيادي في الإطار التنسيقي الشيعي، تدوينة على منصة "إكس" قائلا: "نحترم إرادة الشعب السوري الشقيق في إجراء التغيير وبناء دولته بعملية سياسية تشترك فيها كل مكوناته دون تهميش وإقصاء".

وتابع: "بهذه المناسبة ندعو شعبنا العراقي كما دعونا شعبنا السوري إلى التماسك بكل مكوناته والحفاظ على سلامة البلاد والعملية السياسية ورفض أي محاولة للتعرض لوحدته الوطنية العراقية، وأن يضربوا مثالا بالحرص والالتزام بالدولة والنظام".

وعلى الصعيد الرسمي، قال المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، في بيان يوم سقوط نظام الأسد، إن بغداد "تؤكد ضرورة احترام الإرادة الحرة لجميع السوريين، وتشدد على أن أمن سوريا ووحدة أراضيها وصيانة استقلالها له أهمية قصوى، للعراق والمنطقة".

وأكد في بيانه أن الحكومة العراقية تدعم الجهود الهادفة إلى بدء "حوار شامل يضم جميع الفصائل والتوجهات في الساحة السورية بما يتفق مع مصالح شعبها، وصولا إلى إقرار دستور تعددي يحفظ الحقوق الإنسانية والمدنية للسوريين".

وحذر العوادي من أنه إذا حاولت جهات خارجية التدخل في الشؤون السورية، فإن ذلك “لن يؤدي إلا إلى تعميق الصراع والانقسامات في سوريا”.

وأشار إلى أن "الضحية الأولى لهذا التدخل سيكون الشعب السوري، الذي دفع بالفعل ثمنا باهظا". 

تطبيع حتمي

وعن مصير العلاقة بين البلدين في مرحلة ما بعد نظام الأسد، قال الباحث العراقي، لؤي العزاوي إن "العراق سيطبع العلاقة رسميا مع سوريا بإدارتها الجديدة التي يقودها أحمد الشرع، خصوصا أن المجتمع الدولي كله تقريبا يتطلع إلى بدء صفحة جديدة مع دمشق".

وأوضح العزاوي لـ"الاستقلال" أن "بعض المليشيات الموالية لإيران في العراق لا تزال حتى الآن لم تستوعب سقوط نظام الأسد، وتستمر بمهاجمة الإدارة السورية الجديدة وتصف أحمد الشرع بأنه إرهابي، رغم أن طهران نفسها تريد إعادة فتح سفارتها في دمشق".

ولفت إلى أن "معظم قادة المليشيات العراقية لا يزالون مصنفين على قوائم الإرهاب، وسبق أن اعتقلتهم القوات الأميركية في العراق بذات التهمة، بينما تفكر أميركا وبريطانيا في رفع أحمد الشرع من قوائم الإرهاب مع هيئة تحرير الشام التي يتزعمها".  

وبرأيه، فإن "هذه المليشيات التي ترفض التغيير في سوريا، ستبقى تصرح ضد تطبيع بغداد للعلاقات مع دمشق، كما تفعل مع الولايات المتحدة الأميركية، فهي تنتقد تعامل الحكومة العراقية معها، رغم أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ينتمي للإطار التنسيقي الشيعي".

وفي السياق ذاته، كتب الإعلامي العراقي، زيد الأعظمي على "إكس" في 17 ديسمبر: "للعراق مصالح في سوريا كباقي دول المنطقة فهما جوار له امتداد إستراتيجي واحد".

وأضاف: "كل الفواعل الإقليمية والدولية بدأت تتزاحم لحجز مكان في سوريا الجديدة لأغراض الاستثمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأي تأخر قد يمثل خسارة مركبة".

وفي المقابل، قال هاشم الكِندي، رئيس مجموعة "النبأ" للدراسات الإستراتيجية، إن "قسما من مجموعات المعارضة السورية (سابقا) كانوا قد قاتلوا في العراق قبل سنين، وإن عددا منهم كانوا سببا في قتل العراقيين، بل إن منهم من لا يزال موجودا على قوائم الإرهاب العالمية".

ونقل موقع "بي بي سي" في 11 ديسمبر، عن الكندي المقرب من المليشيات العراقية، قوله: "ربما يتوجب الانتظار قليلا لكي تتضح الصورة أكثر لمعرفة نوايا الحكام الجدد في سوريا، ورد فعل المجتمع الدولي بشأن البلاد قبل أن يشكّل العراق موقفا واضحا بشأن التغيير هناك".

وبدوره، انتقد زعيم مليشيا "بدر" العراقية هادي العامري موقف بلاده تجاه ما حدث ويحدث في سوريا، مشددا على ضرورة عدم السكوت على "احتلال" الأراضي السورية، في إشارة إلى رفضه سيطرة الإدارة الجديدة.

وفي كلمة له أثناء حضوره "منتدى الحوار السياسي" الذي أقامته مليشيا "بدر" بالعاصمة بغداد في 16 ديسمبر، قال العامري: "لدينا مخاوف في سوريا ويجب حساب كل شيء.. نخشى من أن تتحول إلى ليبيا ثانية".

انعطافات كبيرة

ولم تكن العلاقات السورية العراقية على وفاق تام طيلة 50 عاما مضت، إذ شهدت تقلبات مستمرة بدءا من ستينيات القرن العشرين مرورا باحتلال العراق عام 2003، وصولا إلى مرحلة الثورة ضد الأسد عام 2011.

فمنذ تدخل إيران وأذرعها للقتال إلى جانب النظام السوري ضد قوى الثورة عام 2012، سارع العراق في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي، إلى فتح جسر جوي بين البلدين، مدّ فيه السلطات الحاكمة في دمشق بالمال والسلاح، إضافة إلى آلاف العناصر من المليشيات.

وفي عام 2021، قال المالكي خلال مقابلة تلفزيونية إنه دعم نظام بشار الأسد في سوريا، وحرص على منع سقوطه.

وبين أنه كان إذا رأى الأسد سيسقط فإنه سيأخذ الجيش العراقي للقتال إلى جانبه، لأن سقوط دمشق يعني سقوط بغداد، وفق تعبيره.

وهو ما يظهر تضاربا في موقف المالكي نفسه خلال سنوات خلت خاصة عام 2009.

ووقتها اتهم المالكي سوريا بالوقوف وراء سلسلة تفجيرات استهدفت العاصمة بغداد وأسفرت عن مقتل نحو 95 شخصا وإصابة أكثر من ألف آخرين، لا سيما التي نالت منها وزارتي الخارجية والمالية في 19 أغسطس/ آب من العام نفسه.

وطلب المالكي رسميا من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إجراء تحقيق في هذه الحوادث التي جرت بشكل متسلسل في العاصمة العراقية بغداد، متهما سوريا بإيواء شخصيات من حزب البعث العراقي وتنظيم القاعدة يتهمهما بتدبير التفجيرات.

وقبل احتلال العراق عام 2023، شهدت العلاقة بين بغداد ودمشق تحسنا طفيفا، بعد مجيء بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، خلفا لوالده حافظ الذي حكم سوريا 29 عاما، ولم يكن فيها على وفاق مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

وقبل ذلك، وصلت العلاقة بين سوريا والعراق في عام 1978 إلى حالة من الانسجام عندما بدأ البلدان خطوات على طريق تحقيق وحدة سياسية بينها، وتم الاتفاق على أن يكون حافظ الأسد رئيس دولة الوحدة، وأن يصبح الرئيس العراقي في حينها أحمد حسن البكر نائبا له.

ولم يصل مشروع الوحدة ذاك إلى مراحله النهائية ففي عام 1979 استقال البكر، واستلم السلطة صدام حسين الذي بدأ ولايته بالإعلان عن وجود ما سماها مؤامرة ضد العراق تقودها سوريا، الأمر الذي وأد المشروع في مهده، لتبدأ مرحلة عداء وجفاء بين البلدين.

ومن أبرز صور الخلاف والتنافر بين نظامي حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق، وقوف حافظ الأسد ضد صدام حسين، ودعم طهران في الحرب الإيرانية العراقية (عام 1980 إلى 1988)، الأمر الذي أحدث قطيعة سياسية بين البلدين الجارين امتدت عقودا طويلة.