بعد انتخاب طارق رحمن.. كيف تضبط بنغلاديش علاقاتها مع دول الجوار؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

مرت بنغلاديش بفترة شديدة الحساسية في تاريخها الحديث؛ إذ شهدت انتخابات عامة في فبراير/ شباط 2026، عقب سنوات طويلة من الاضطرابات والانقسامات السياسية. 

وقد انتهت هذه الانتخابات بسلاسة ودون وقوع أعمال عنف واسعة النطاق، ما يشكّل خطوة هامة في مسار البلاد نحو النضج الديمقراطي.

وتعليقا على الوضع الراهن، نشرت صحيفة “يني شفق” التركية مقالًا للكاتب التركي عبد القادر أوكسوز، سلّط فيه الضوء على المرحلة الانتقالية الدقيقة التي تمر بها بنغلاديش بعد الانتخابات.

وحقق تحالف الحزب الوطني البنغالي فوزا ساحقا في الانتخابات البرلمانية، وهي الأولى منذ انتفاضة 2024 التي أطاحت برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة.

وحصد التحالف الذي يقوده الحزب الوطني البنغلاديشي 209 مقاعد من أصل 300 في البرلمان، ما يمنحه أغلبية الثلثين.

ويقود الحزب طارق رحمن، وهو نجل رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء والرئيس الأسبق ضياء الرحمن، ويعد أبرز المرشحين لتولي رئاسة الحكومة.

تطبيع مؤسسي

وأكد الكاتب أن تركيا تلعب دورًا متعدّد الأبعاد في هذه المرحلة، بوصفها شريكًا إستراتيجيًا يسهم في تعزيز استقرار داكا ودعم تحولها المؤسسي في مرحلة حاسمة من تاريخها.

وتشير التطورات الأخير إلى وجود سعي داخلي حقيقي نحو التطبيع المؤسسي، كما يمنح المجتمع الدولي مؤشرات إيجابية على قدرة داكا على إدارة التحولات السياسية الداخلية.

وتابع أن المشهد البرلماني في هذه المرحلة يكتسب أهمية خاصة؛ إذ إن تولّي زعيم حزب بنغلاديش القومي طارق رحمن منصب رئيس الوزراء يعكس الحاجة الملحّة إلى إعادة التوازن السياسي وتحقيق التوافق الوطني. 

فبعد سنوات من السياسات المتوترة، يترقّب المجتمع البنغلاديشي مرحلة من الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية الملموسة.

كما أشار إلى أن جماعة الإسلاميين ارتقت للمرة الأولى إلى موقع المعارضة الرئيسة، ما يعزز قدرتها على التمثيل البرلماني.

وأوضح أن هذا التوازن الجديد بين السلطة والمعارضة قد يلعب دورًا حاسمًا في ترسيخ السلام الداخلي، لا سيما بعد إعلان جماعة الإسلاميين قبول نتائج الانتخابات والتزامها بممارسة معارضة بنّاءة.

إضافة إلى زيارة طارق رحمن للزعماء المنافسين قبل توليه المنصب، في خطوة عُدّت مؤشرًا إيجابيًا على إمكان تطوير عمل سياسي قائم على التوافق. 

وبذلك، يشكّل تفعيل المؤسسات الديمقراطية وتحقيق تحول سياسي رصين مفتاح تجاوز هذه المرحلة الحساسة بنجاح.

دعم أنقرة لداكا

وأردف الكاتب التركي أن داكا مقبلة، على صعيد السياسة الخارجية، على مرحلة اختبار حقيقية ستحدّد ملامح تموضعها الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة. 

فشبكة علاقات بنغلاديش مع محيطها المباشر لن تكون امتدادًا تقليديًا لسياساتها السابقة، بل ركيزة أساسية لإعادة بناء منظومتها الاقتصادية والأمنية.

ومن المرجّح أن تسعى القيادة الجديدة إلى إعادة ضبط العلاقة المعقّدة مع الهند ضمن إطار يقوم على احترام السيادة وتوازن المصالح، بما يحدّ من الاختلالات التاريخية ويؤسس لمرحلة أكثر ندّية.

وفي الوقت نفسه، سيبقى الحفاظ على شراكة اقتصادية متوازنة مع الصين ضرورة إستراتيجية، من دون الانزلاق إلى تبعية مفرطة، وبالتوازي مع إدارة التحديات الأمنية على الحدود مع ميانمار، لا سيما في ظل تداعيات ملف اللاجئين والتوترات الحدودية. 

ويعكس ذلك توجهًا نحو سياسة خارجية براغماتية تهدف إلى تعظيم المصلحة الوطنية وتجنّب الاصطفاف الحاد ضمن محاور القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق الانتقالي الحساس، يكتسب الدعم التركي لبنغلاديش بعدًا يتجاوز المجاملات الدبلوماسية التقليدية. 

فقد أشار الكاتب إلى أن الحضور التركي الكثيف في مراقبة الانتخابات؛ حيث جاءت تركيا في المرتبة الثانية من حيث عدد المراقبين الدوليين، يشكّل مؤشرًا واضحًا على حجم اهتمام أنقرة بالمسار الديمقراطي في داكا.
ولا يقتصر هذا الدور على البعد الإجرائي، بل يعكس انخراطًا فعليًا في دعم ترسيخ التجربة الديمقراطية، ورغبة تركية في مواكبة التحول السياسي من موقع الشريك الفاعل لا المراقب من الهامش.

وأضاف أن الدعوة الخاصة التي وُجهت لتركيا لحضور مراسم تسلّم القيادة الجديدة مهامها تُقرأ بوصفها رسالة سياسية واضحة بشأن طبيعة الشراكات التي تعتزم داكا ترسيخها في المرحلة المقبلة. 

فهذه الخطوة لا تعبّر عن تقدير رمزي فحسب، بل تكشف عن إدراك بنغلاديشي لأهمية تنويع الشركاء وتعزيز العلاقات مع قوى إقليمية متوسطة تمتلك خبرة في إدارة التحولات السياسية والتنموية. 

ومن شأن هذا الدعم الدبلوماسي أن يخفف من الضغوط الدولية التي ترافق عادة الفترات الانتقالية، ويمنح القيادة الجديدة هامشًا أوسع للحركة وثقة خارجية تسند الاستقرار الداخلي.

ولم يقتصر الدعم على المستوى البيروقراطي، بل تجلّى أيضًا في النشاط الميداني لمجموعة الصداقة التركية–البنغلاديشية في البرلمان، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين على مستوى الشعوب والمؤسسات. 

وبذلك، قدّمت تركيا دعمًا مباشرًا لبنغلاديش من خلال ضمان عمل الآليات الديمقراطية بصورة صحيحة من دون التدخل في الشؤون الداخلية، في مساهمة بنّاءة وفاعلة.

وقد تُوّج هذا الدعم خلال حفل أداء القسم؛ حيث دعا طارق رحمن تركيا خصيصًا لحضور الحفل، في إشارة واضحة إلى رؤية داكا لأنقرة شريكًا إستراتيجيًا في المرحلة الجديدة. كما يؤكد حضور نائب وزير الخارجية التركي بريس إكينجي التزام تركيا بدعم الإدارة الجديدة وتعزيز الثقة بين الطرفين.

زيارة رمزية

ولفت الكاتب إلى أن الدعم التركي لا يقتصر على الجوانب السياسية والدبلوماسية، بل يمتد إلى البعد الإنساني والثقافي، وقد تجلّى ذلك بوضوح في الأيام الأولى من شهر رمضان. 

فقد قام وفد ضمّ رئيس مجلس إدارة مؤسسة إيليم يايما نجم الدين بلال أردوغان، ورئيس تيكا عبدالله إرين، ولاعب كرة القدم السابق مسعود أوزيل بزيارة إلى كوكس بازار، حيث يعيش لاجئو الروهينغا. 

وأقام الوفد أول إفطار رمضاني في المخيمات، مسلطًا الضوء على معاناة اللاجئين الذين غابت قضيتهم عن اهتمام المجتمع الدولي.

ومن خلال هذه الزيارة، أكدت تركيا التزامها بمشاركة بنغلاديش عبء اللاجئين ودعم المظلومين، إضافة إلى فتح آفاق للتعاون الثقافي والاقتصادي في إطار الدبلوماسية الإنسانية.

وختم الكاتب بأن بنغلاديش تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تاريخها، وقد اختارت تركيا ألا تكتفي بالمراقبة، بل أن ترافق الشعب البنغلاديشي في هذه المرحلة عبر خبرتها الدبلوماسية، وقنوات الحوار البرلماني، والمؤسسات الإنسانية. 

وتُظهر هذه الشراكة أنها قائمة على الثقة المتبادلة والعمل الميداني المستمر، بعيدًا عن التباهي الإعلامي. 

ففي العلاقات الدولية، لا تكمن الأهمية فيما يُعلَن من وعود، بل في من يرافقك في الأوقات الحرجة، وقدرة هذا التعاون على الاستمرار. 

وقد وضعت تركيا نفسها إلى جانب داكا بطريقة إستراتيجية متزنة، تعكس وعيًا دبلوماسيًا هادئًا في إدارة الأزمات، بعيدًا عن الضجيج والمظاهر.