"تحدد مستقبل السلطة الفلسطينية".. كيف تنظر إسرائيل لعملية أبو مازن بجنين؟

"محمود عباس يلعب هذه المرة على كل شيء أو لا شيء"
في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2024، قال وزير الداخلية الفلسطيني، اللواء زياد هب الريح، إن العملية التي تشنها السلطة في مدينة جنين ومخيمها ستستمر حتى تحقيق أهدافها بـ"فرض الأمن والنظام وبسط القانون".
وأطلقت السلطة الفلسطينية قبل نحو أسبوعين حملة أمنية واسعة، في جنين شمال الضفة الغربية، ضد عناصر المقاومة، في بداية تحرك هو الأقوى والأوسع منذ سنوات طويلة.
من جانبها، ترى إسرائيل أن ما يحدث في مخيم جنين يشكل "سابقة لم تحدث من قبل، وأن محمود عباس أبو مازن يلعب هذه المرة على كل شيء أو لا شيء".
في هذا الإطار، يحلل موقع "زمان" العبري، أسباب قيام أبو مازن بهذه العملية في هذا الوقت تحديدا، مستعرضا المخاوف الإسرائيلية بشأن تطورات هذه الحملة.

وضع غير مسبوق
يستهل الموقع حديثه برصد الواقع الحالي في مخيم جنين، قائلا: يشهد مخيم اللاجئين في جنين منذ أكثر من أسبوعين، عملية مكثفة مصحوبة بإطلاق نار وعبوات ناسفة".
وأردف: "هذه المرة، تقف قوات النخبة التابعة للسلطة الفلسطينية في مواجهة الشباب الذين يطلقون على أنفسهم اسم كتائب جنين".
بدورها، يوضح الموقع أن إسرائيل تراقب عن كثب" هذه العملية المستمرة.
ورأى الموقع أن ممارسات أجهزة أمن السلطة في جنين تحاكي ممارسات جيش الاحتلال، فيقول: "تشبه ممارسات القوات الأمنية في كثير من النواحي غارات الجيش الإسرائيلي، مثل عمليات الدخول بمركبات مدرعة، والاستيلاء على مواقع إستراتيجية، ونشر القناصين والهجوم من منزل إلى منزل".
ونقل عن مصدر أمني قوله: “هذه المرة، أبو مازن يلعب بكل شيء أو لا شيء، الأمر ليس فقط أنه يوجد على أطراف مخيم اللاجئين، بل إنه يسيطر على أجزاء من الأحياء هناك. والآن يبقى السؤال: هل سينجح؟”

انعكاسات الثورة السورية
ويشرح الموقع ملابسات هذه الأحداث، حيث "بدأ الأمر حين نفذت الأجهزة الأمنية الفلسطينية عملية اعتقال في مخيم اللاجئين، وفي رد فعل على ذلك، اقتحم الشباب مركز الشرطة في المدينة واستولوا على شاحنتين تابعتين للسلطة".
وتابع: "عقب ذلك، أصدر أبو مازن تعليماته شخصيا بتنفيذ العملية الواسعة، التي اتسعت وتعززت بعد سقوط النظام في سوريا".
فقد كان للأحداث الإقليمية دور في هذا التحرك من قبل السلطة، كما يوضح الموقع، إذ يبدو "أن السلطة الفلسطينية أدركت أن مشاهد الشاحنات والأسلحة من نوع "كلاشنيكوف" التي خرجت من إدلب، ودخلت بعد أيام إلى دمشق قد تنعكس بشكل خطير على الوضع في الضفة الغربية".
وأكمل: "بمجرد أن حاصرت القوات المخيم، أدرك المسلحون أن السلطة تتعامل بشكل مختلف هذه المرة، وطلبوا التفاوض لإنهاء الحدث، إلا أن السلطة رفضت العرض وبدأت في اقتحام المخيم".
ورأى المقدم (احتياط) ألون أفيتار، الخبير في الشأن الفلسطيني أن ما يحدث يعد "اختبارا مهما لأبو مازن"، ناعتا إياه بأنه اختبار "استثنائي".
وتابع أفيتار: "السؤال الرئيس بالنسبة لأبو مازن، ليس فقط مدى نجاح العملية التي بدأها، ولكن أيضا ما إذا كانت ستستمر في مناطق أخرى بالضفة الغربية، مثل طولكرم وطوباس".

خوف من السقوط
وحول احتمالية امتداد هذه العملية للمناطق الأخرى، أفاد الموقع بأن المقاومين أعلنوا بالفعل استعدادهم لدخول قوات السلطة الفلسطينية.
ولفت الموقع إلى وجود اختلافات داخلية في السلطة بشأن عملية التصعيد ضد المقاومين، فوفقا لما نشره باراك رافيد على موقع "واللا" العبري، عارض بعض قادة الأجهزة الأمنية، تصعيد الحملة الأمنية في جنين، ليهددهم أبو مازن في المقابل بإقالتهم.
ويعزو الموقع إصرار عباس على مواصلة العملية الأمنية إلى خشيته من حدوث تمرد مسلح ضده.
وفي ذات السياق، حذر مصدر أمني إسرائيلي من أن "كل الدول في المنطقة والمنظمات الإرهابية تراقب جنين، وإذا لم ينجح أبو مازن في التغلب على 50 مسلحا في جنين، فسيكون هناك من يقول: دعونا ننفذ انقلابا، هذا أمر خطير الآن".
وزعم الموقع أن "إسرائيل لا تخشى من انهيار السلطة في حد ذاتها، لكن التخوف الحقيقي من سيطرة أحد التنظيمات المسلحة على السلطة، وهو ما قد يكون له تداعيات خطيرة للغاية".
من زاوية أخرى، يتحدث الموقع "عن صعوبة فصل هذه العملية النادرة عن الأحداث الإقليمية والانهيار السريع للنظام في سوريا". موضحا: "ففي كثير من الجوانب، هناك أوجه تشابه بين وضع السلطة الفلسطينية ونظام الأسد".
وأردف: "حيث تحكم السلطة منذ ثلاثة عقود دون انتخابات، كما أنها متهمة بالفساد، وتفتقد للشرعية في نظر الكثير من المواطنين".
وأوضح أن جيل الشباب في مخيمات اللاجئين لا يعدون السلطة الفلسطينية جهة شرعية، وهو ما يبرز خطر تكرار ما حدث في سوريا.
"لكن في المقابل، ترى إسرائيل أيضا خوفا كبيرا في الضفة الغربية من مشاهد غزة ولبنان"، يقول الموقع.
ويضيف: "الأجواء تتأرجح بين هذين المسارين؛ الكراهية للسلطة، والخوف من تدهور يقود إلى عملية عسكرية إسرائيلية".

بين نارين
بدوره، علق العميد (احتياط) أورين أبمان، القائد السابق للواء جنين في لواء كفير، على الوضع في الضفة الغربية قائلا: "الجيل الذي نشأ في الأراضي الفلسطينية هو جيل لا يتذكر عملية السور الواقي".
وهي عملية عسكرية نفذتها إسرائيل في الضفة الغربية في عام 2002، للسيطرة على النشاط المسلح للفصائل الفلسطينية، خاصة حركة فتح والجهاد الإسلامي.
وخلال هذه العملية، قامت القوات الإسرائيلية باجتياح مدن الضفة الغربية وتطويقها، وتمركزت في العديد من القرى والمدن الفلسطينية لتدمير بنية المقاومة الفلسطينية.
ويكمل الجنرال حديثه: "يبدو لي أن ما تفعله السلطة الفلسطينية الآن ليس أكثر من اللازم فعله، بل إن ذلك متأخر جدا".
وأضاف: "لقد فقدوا المنطقة خلال السنوات التي لم يعملوا فيها هناك، ومن المشكوك فيه للغاية أن ينجحوا الآن، لذا فمن الأفضل أن نعتمد فقط على الجيش الإسرائيلي".
"ورغم نفي إسرائيل أن يكون الجهاز الأمني الإسرائيلي قد قدم أي مساعدة للسلطة الفلسطينية، لكن يمكن الافتراض بدرجة عالية من الاحتمال أن هذه التحركات تم تنسيقها مسبقا"، يقول الموقع.
ويتابع: "فبحسب ما نُشر في "واللا"، كان الأميركيون منخرطين في العملية، بما في ذلك الخطط التفصيلية التي تم تقديمها لهم، ومتطلبات التسليح التي كان على إسرائيل الموافقة عليها".
ويعقب الموقع قائلا: "في هذه الأثناء، لا يوجد رد أو تأكيد من الجانب الإسرائيلي على طلبات التسليح للسلطة الفلسطينية، لكن من الواضح تماما مدى التعقيد السياسي الذي يواجهه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فبالنسبة إلى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، فإن نقل الأسلحة إلى السلطة الفلسطينية هو خط أحمر".
وختم الموقع قائلا: "إذا كان هناك بالفعل طلبات تم تمريرها عبر الأميركيين، سيكون نتنياهو مضطرا لاتخاذ قرار فيما إن كان سيستجيب لواشنطن ويمنح السلطة الفلسطينية قبلة الحياة في وضعها الهش، أو أنه سيتجاهل ذلك لأسباب سياسية ويخاطر بإضعاف السلطة الفلسطينية مرة أخرى وربما حتى انهيارها".