تحالف مع الإسلاميين وتعاون مع باكستان.. كيف وجهت بنغلاديش ضربة قاصمة للهند؟

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

بعد انقطاع دام خمسين عاما، رست سفينة شحن باكستانية في مدينة "شيتاغونغ" الساحلية في بنغلاديش، خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما مثّل تحولا كبيرا في علاقات دكا بإسلام أباد التي انفصلت عنها في عام 1971. 

وكذلك، عززت دكا شراء الأسلحة والذخائر من إسلام أباد، وألغت ممارسة التفتيش الكامل للبضائع المستوردة منها، وفق ما ترصده مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

وتوالت هذه التطورات سريعا منذ أن تولت الحكومة المؤقتة في بنغلاديش السلطة قبل بضعة أشهر.

وكان الزعيم محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، هو المرشح التوافقي بعد الإطاحة برئيسة الوزراء البنغالية، الشيخة حسينة، تحت ضغط الشارع في أغسطس/آب 2024.

وخلال ولايتيها الأخيرتين في الحكم، عملت "حسينة" بشكل وثيق مع حكومة الهند، كما حصلت على اللجوء في نيودلهي بعد خلعها، وطلبت دكا أخيرا من الإنتربول (الشرطة الدولية) إصدار نشرة حمراء لاعتقالها.

صدمة للهند

وفي هذا السياق، أكد سوميت جانجولي، وهو كاتب عمود في مجلة “فورين بوليسي” وأستاذ في العلوم السياسية مختص في الثقافات والحضارات الهندية، أن نيودلهي قد تجد أن قدرتها على تشكيل آفاق السياسة الخارجية لـ"دكا" أصبحت أكثر محدودية من أي وقت مضى.

وفي مقال نشرته المجلة الأميركية، قال "جانجولي": "لقد كان رحيل حسينة في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية بمثابة صدمة للهند، التي كانت علاقاتها مع الحزب الوطني (حزب المعارضة الرئيس) فاترة".

نتيجة لذلك، تجد نيودلهي نفسها الآن شبه معزولة في بنغلاديش، على الرغم من تأكيد "يونس" رغبته في الحفاظ على علاقات ثنائية جيدة.

ومع ذلك، فإن انفتاح الحكومة المؤقتة على باكستان يلقي بظلال ثقيلة على مخاوف الهند بشأن مستقبل علاقاتها مع بنغلاديش.

وأضاف: “في بنغلاديش، تواجه الهند ما يُعرف في أوساط دراسات العلاقات الدولية بإعادة ترتيب الأولويات في السياسة الخارجية”.

وعادةً ما تنبع هذه التحولات من مصدرين: تغييرات بالبيئة الخارجية تُجبر دولة ما على إعادة تقييم أولوياتها وإستراتيجياتها، أو تغييرات بالسياسة الداخلية.

ويبدو أن العامل الأخير يلعب دورا محوريا في إعادة تشكيل السياسة الخارجية لـ "دكا"، مما يترتب عليه تداعيات كبيرة بالنسبة لنيودلهي، بحسب الكاتب.

وقال إنه “في ظل قيادة حسينة، التي استمرت لأكثر من 15 عاما في حكم بنغلاديش، تمتعت الدولتان بعلاقة تكاملية”.

إذ نجحت حسينة بإبقاء القوى الإسلامية في بنغلاديش تحت السيطرة، ولم تمنح الأمان للمنظمات الانفصالية الهندية، ورحبت باستثمارات نيودلهي.

ومن جانبها، أبدت نيودلهي استعدادا لتجاهل أوجه القصور الديمقراطي في ظل حكم حسينة، ووفرت وصولا إلى السوق الهندية، وعززت الروابط عبر السكك الحديدية والطرق العابرة للحدود.

وأوضح الكاتب أنه “على الرغم من هذه الترتيبات، ظلت هناك توترات كامنة -بعضها ثنائي والآخر مرتبط بالسياسة الداخلية في بنغلاديش- تؤثر في العلاقة بين البلدين”.

ومع رحيل حسينة، بدأت هذه الخلافات تظهر إلى السطح، مما يرجح أن يعيد الطرفان تقييم أولوياتهما في المرحلة المقبلة.

ملفات خلافية

واستعرض بعض المشكلات البينية بين بنغلاديش والهند. فمن منظور نيودلهي، كان موضوع الهجرة غير النظامية من دكا دائما قضية حساسة، بغض النظر عن الحكومة القائمة، لكنه أصبح أكثر تعقيدا بعد وصول حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي إلى السلطة عام 2014.

وحتى في ظل قيادة حسينة، أبدت دكا عدم استعدادها لمعالجة هذه القضية، وبدوره، استغل حزب "بهاراتيا جاناتا" الأمر سياسيا، خصوصا قبيل الانتخابات العامة لعام 2019 في الهند؛ حيث يُعزى تشدد الحزب في هذا الملف بشكل كبير إلى عوامل تتعلق بالهوية الدينية ومعاداة الإسلام.

علاوة على ذلك، تصاعدت التوترات مؤخرا؛ فبعد اعتقال راهب هندوسي ببنغلاديش في نوفمبر 2024، والاحتجاجات التي تبعت ذلك، تبادل البلدان الاتهامات بالتقصير في حماية حقوق الأقليات الدينية داخل حدودهما.

وإذا سعى هندوس بنغلاديش للجوء إلى الهند -وفق الكاتب- فقد تأخذ قضية الهجرة منحى أكثر تعقيدا، حيث من المتوقع أن تمنح حكومة حزب "بهاراتيا جاناتا" هؤلاء المهاجرين حق اللجوء، مع توجيه انتقادات شديدة لـ "دكا".

وقال الباحث: "عند تضييق الخناق على دكا، من المؤكد أنها ستهاجم نيودلهي بسبب معاملة المسلمين في الهند، مما قد يؤدي إلى تصاعد الخصومة بين الطرفين".

وتزداد هذه الخصومة سوءا بفعل انتشار المعلومات المضللة؛ حيث قدمت بعض التقارير الهندية صورة مشوهة عن الوضع في بنغلاديش، ووصفت الأحداث هناك بأنها "إبادة جماعية".

وهناك قضية أخرى تعثرت فيها جهود التوافق بين الجانبين وهي اتفاقية تقاسم مياه "نهر تيستا"، على الرغم من قدرتهم على حل النزاع حول "نهر الغانج" عام 1996.

وهذه القضية شائكة إلى حد كبير -وفق الكاتب- إذ إن حكومة حزب "بهاراتيا جاناتا" كانت مستعدة لحل المسألة، لكنها لم تتمكن من الحصول على موافقة حكومة ولاية البنغال الغربية المجاورة لبنغلاديش.

وقد تصبح هذه القضية بمثابة "هراوة سياسية" في يد القوى المعادية للهند داخل بنغلاديش، بحسب تقييم الكاتب.

وأضاف: "ظلت بعض ملامح السياسة الداخلية في بنغلاديش مصدر قلق للهند منذ فترة طويلة، بغض النظر عن الحزب الذي يتولى السلطة في نيودلهي".

“من بين هذه الملامح، تنامي نفوذ المتشددين الإسلاميين في بنغلاديش وتداعياته السلبية على الأقلية الهندوسية، مع العلم أن الأطراف التي أسهمت في إسقاط حسينة تضمنت إسلاميين ومجموعات مناهضة للهند”.

نتائج عكسية

وأردف أنه "على الرغم من التزامها الخطابي بحقوق الأقليات، فقد فشلت الحكومة المؤقتة في دكا حتى الآن في معالجة المخاوف والشكوك التي تنتاب الهندوس في بنغلاديش".

وأشار الكاتب إلى أن "الهند تخشى من تأثيرات عدوى محتملة قد تمتد إلى مجتمعاتها المسلمة، خاصة تلك التي تقطن المناطق الحدودية مع بنغلاديش".

وقد تابع جناح البحث والتحليل الهندي (RAW)، الوكالة الهندية الرئيسة للاستخبارات المضادة، هذه التطورات عن كثب.

"وبالنظر إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة لحزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي، فهو لا يستطيع أن يظهر أي نوع من اللامبالاة تجاه مصير الهندوس في بنغلاديش".

ومع ذلك، في الوقت الراهن، لا يمكن للهند سوى الإشارة إلى الحكومة المؤقتة باللوم، حيث إن أي تصعيد قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وأضاف الكاتب أن "حزب رابطة عوامي" بقيادة حسينة أصبح الآن في حالة من عدم الثقة في المستقبل المنظور في بنغلاديش.

ومن المتوقع أن يصبح الحزب الوطني البنغلاديشي قوة سياسية مؤثرة في الحكومة الجديدة بمجرد إجراء الانتخابات.

"وبالنظر إلى التاريخ المضطرب لنيودلهي مع هذا الحزب، فإن نفوذ الهند في بنغلاديش قد يكون في أدنى مستوياته منذ عقود.

ويرى الكاتب أن الخيارات الأخيرة للحكومة المؤقتة في السياسة الخارجية تشير إلى أن الهند قد تجد قدرتها على تشكيل نظرة بنغلاديش محدودة أكثر من أي وقت مضى.

وقال إنه إذا تحالف الحزب الإسلامي الرئيس في بنغلاديش، "الجماعة الإسلامية"، مع الحزب الوطني كما حدث في الماضي، فإن التغيير في السياسة الخارجية قد يصبح واقعا ملموسا، وعندها، ستتحقق مخاوف الهند حيال جارٍ يزداد عدوانية أمام أعينها".

وأكد أن "نيودلهي لا تملك أدوات كثيرة في يدها لتجنب هذا السيناريو المحتمل.

إذ إن اعتمادها المفرط على حسينة وحزبها "رابطة عوامي" إلى حد استبعاد الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني البنغلاديشي قد وضعها في هذا الموقف الذي يصعب التعايش معه.