سوريا تعيد ترتيب أوراقها مع موسكو.. ماذا يحدث في حميميم وطرطوس؟

شدوى الصلاح | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خطوة تكسر بعض قوالب النفوذ التي صاغتها الحرب، وتعيد رسم معالم السيادة على الساحل السوري بعد نحو عقد من الوجود العسكري الروسي، كشفت دمشق رسميًا عن توصلها إلى تفاهم إستراتيجي يعيد صياغة طبيعة الوجود الروسي في البلاد، وذلك بعد نحو عام ونصف من المفاوضات المكثفة بين الجانبين.

وأعلنت وزارة الخارجية السورية، في 9 أغسطس/آب 2026، التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا تقضي ببدء عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، لتنهي بذلك جانبًا كبيرًا من الجدل الذي أحاط بمصير قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.

وأوضحت الوزارة أن الطرفين اتفقا على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجيًا ضمن منظومة الإدارة المدنية.

وحول القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، أفادت الوزارة باتفاق الطرفين على "إعادة صياغة وظيفتها وتحويلها من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة سورية-روسية، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة".

وأوضحت أن مذكرة التفاهم "حددت سقفًا زمنيًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ".

ورأت الوزارة أن هذه الخطوة "تُعد الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات السورية الروسية".

في السياق ذاته، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أن الاتفاق يقضي بتسلم الجانب السوري المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي ضمن مرفأ طرطوس، بما في ذلك الرصيف رقم (4) والمستودعات والمنشآت التابعة له.

ودعمت روسيا النظام السوري المخلوع، برئاسة بشار الأسد (2000-2024)، عسكريًا وسياسيًا خلال الحرب التي شنها على المعارضة بين عامي 2011 و2024.

ويرتبط الوجود العسكري الروسي في سوريا أساسًا بالتدخل العسكري الذي بدأته موسكو في سبتمبر/أيلول 2015، عندما تدخلت روسيا مباشرة في الحرب السورية دعمًا لنظام الأسد، وأصبحت قاعدة حميميم في ريف اللاذقية مركزًا رئيسا للعمليات الجوية الروسية.

وكان لروسيا وجود في ميناء طرطوس منذ الحقبة السوفييتية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منشأة إستراتيجية روسية في البحر المتوسط.

وفي عام 2017، وقعت موسكو ودمشق اتفاقات منحت روسيا حق استخدام قاعدة حميميم والمنشأة البحرية في طرطوس لمدة 49 عامًا، ما رسخ وجودها العسكري في الساحل السوري حتى عام 2066 وفق تلك الترتيبات.

ومكّنت القاعدتان روسيا من الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري مهم في شرق المتوسط، كما أصبحت طرطوس مركزًا لوجستيًا مهمًا للأسطول الروسي، فيما استخدمت حميميم قاعدة رئيسة للطائرات الروسية خلال الحرب السورية.

وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تمكنت فصائل المعارضة السورية من دخول العاصمة دمشق، معلنة إسقاط نظام بشار الأسد الذي ورث الحكم عن والده حافظ الأسد (1971-2000)، ووصول الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع إلى السلطة، ليتغير منذ ذلك الحين وضع الوجود الروسي في البلاد.

وجاء الاتفاق المعلن أخيرا ليعيد صياغة خطوط العلاقة العسكرية والسياسية بين دمشق وموسكو، والتي حكمتها لسنوات طويلة صيغة الاتفاقيات التي أبرمت خلال ذروة الحرب السورية.

وتعد مذكرة التفاهم تحولًا مهمًا في طبيعة الترتيبات الدفاعية بين البلدين؛ إذ تنقل العلاقة، وفق الصيغة المعلنة، من ترتيبات عسكرية طويلة الأمد إلى صيغة جديدة تقوم على الشراكة والتنسيق تحت إدارة الدولة السورية، بما يعكس توجه دمشق نحو تعزيز سيطرتها على المنشآت والمرافق ذات الطابع السيادي.

ويتزامن الإعلان عن الاتفاق مع مساعي الدولة السورية لإعادة دمج الاقتصاد الوطني في محيطه الإقليمي، وتنشيط حركة التجارة والملاحة الدولية عبر موانئها ومطاراتها، عقب سنوات من العزلة والاضطرابات.

كما أن وضع سقف زمني لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية إعادة تنظيم المنشآت يعكس، وفق مراقبين، رغبة في الانتقال سريعًا من التفاهم السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض، وهو ما قد يمنح الحكومة السورية هامشًا أوسع في إدارة ملفات إعادة الإعمار وتعزيز سيطرتها على المرافق الحيوية.

حميميم وطرطوس

تعد قاعدة حميميم الجوية، الواقعة في ريف محافظة اللاذقية، المقر الرئيس للعمليات العسكرية الروسية في سوريا منذ تدخل موسكو عام 2015.

وتضم القاعدة مهابط مخصصة لطائرات النقل العسكري والمقاتلات، إلى جانب منظومات دفاع جوي ومراكز قيادة وسيطرة، ما جعلها إحدى أهم نقاط الارتكاز الجوية لروسيا على الساحل السوري وفي منطقة شرق المتوسط.

أما ميناء طرطوس، فيمثل نقطة الارتكاز البحري الأهم لروسيا على الساحل السوري، ومنشأة لوجستية وإستراتيجية مهمة للأسطول الروسي في البحر المتوسط.

ويضم الميناء أرصفة مخصصة لاستقبال السفن، فيما يمثل الرصيف الرابع محورًا للحركة التجارية والاقتصادية التي ستعود، بموجب الاتفاق الحالي، إلى الإدارة المدنية السورية.

وبدأت السيطرة العسكرية الروسية الفعلية على الموقعين في سبتمبر/أيلول 2015، عقب توقيع اتفاقية نشر القوات الجوية الروسية، قبل أن تعقبها في عام 2017 ترتيبات طويلة الأمد بشأن استخدام ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا، وفق الاتفاقات الموقعة بين الجانبين.

ومنحت تلك الاتفاقات السابقة القوات الروسية مساحة واسعة لإدارة المنشأتين واستخدامهما لأغراض عسكرية ولوجستية، ما رسخ خلال السنوات الماضية حضورًا روسيًا بارزًا في الساحل السوري، وجعل حميميم وطرطوس ركيزتين أساسيتين للإستراتيجية الروسية في المنطقة.

وبموجب التفاهم الجديد، يبدو أن دمشق تسعى إلى الانتقال من مرحلة الوجود الروسي العسكري المباشر إلى صيغة أكثر تنظيمًا، تجمع بين الحفاظ على مستوى من التعاون الدفاعي مع موسكو واستعادة الإدارة السورية للمرافق ذات الطابع المدني والتجاري.

ويضع هذا التحول مستقبل العلاقة السورية الروسية أمام مرحلة مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال يتركز فقط على بقاء روسيا في الساحل السوري، وإنما على طبيعة هذا الوجود وحدوده ووظائفه، ومدى قدرة دمشق على تحقيق توازن بين الاستفادة من الخبرات والدعم الروسيين وبين ترسيخ سيادتها على منشآتها الحيوية.

بسط السيادة

وتباينت ردود فعل الناشطين على منصات التواصل حول إعلان دمشق التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا لإعادة تنظيم الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس؛ إذ عبّر فريق عن تفاؤل كبير، مستخدماً لغة حماسية تصف الخطوة بأنها إنجاز سيادي تاريخي يعيد الهيبة للمؤسسات الوطني.

ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #حميميم، #طرطوس، #سوريا، #روسيا، وغيرها، أن الاتفاق يؤكد قدرة الدولة السورية على استرداد قرارها واستعادة مرافقها الحيوية بعد سنوات صعبة من النزاع وبسط سيادتها على المنشآت المدنية والعسكرية. 

تشكك وحذر

في المقابل، أعرب آخرون عن تفاؤلهم الحذر الذي امتزج ببعض التساؤلات المشككة؛ حيث ركّزوا على أهمية مراقبة التنفيذ الفعلي على الأرض خلال مهلة الثلاثة أشهر، معربين عن مخاوفهم من وجود عقبات لوجستية قد تعيق تسليم القواعد أو تفرغ بنود الاتفاق من مضمونها السيادي الفعلي.

وأبدى هؤلاء الناشطون الذين تتسم تغريدات بعضهم بمعارضة الإدارة السورية الجديدة، شكوكاً صريحة في الرواية الرسمية، معتبرين أن ما يُعلن إعلامياً قد يختلف عن الواقع الباطني للاتفاق، متسائلين عن قدرة الجانب السوري على فرض سيادته الكاملة، وعن ما إذا كانت روسيا قد تنازلت فعلياً أم أعادت صياغة وجودها بطريقة تحفظ مصالحها الأساسية.

دبلوماسية وبرغماتية

بدورهم، دافع إعلاميون وناشطون وخبراء عن سياسات الإدارة السورية الجديدة عن مذكرة التفاهم المعلنة مع روسيا، وعدوها إنجازاً سيادياً يُعيد السيطرة المدنية السورية على المنشآت الحيوية ويحول القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة دون قطع العلاقات أو الدخول في مواجهة مباشرة.

وأثنوا على الرئيس أحمد الشرع لـ"دبلوماسيته البراغماتية" و"ذكائه السياسي" في الحفاظ على توازن دقيق (يشبه ما يُسمى "شعرة معاوية")، أي استعادة السيادة تدريجياً مع الحفاظ على المصالح المتبادلة وعدم إتلاف العلاقة مع موسكو، عادين ذلك دليلاً على مهارة إدارته السياسية في مرحلة ما بعد الأسد.

وأشاد ناشطون بأداء الدبلوماسية السورية التي أدارت مفاوضات صامتة وشاقة استمرت 18 شهراً، مقدرين أن الصبر والتفاوض الهادئ نجحا في تحقيق توازن دقيق يحفظ الصداقة مع موسكو ويصون السيادة الوطنية.

صفعة للفلول

ووصف ناشطون يوم توقيع مذكرة التفاهم السورية الروسية بأنه "يوم أسود" على فلول نظام الأسد في الساحل السوري باستعادة ما فرط فيه الأسد، مؤكدين أن هذه الخطوات رمزاً لتغير الهوية والسيادة في معقل النظام السابق، حيث يرون فيها انتصاراً رمزياً وعملياً يُضعف نفوذ الفلول ويُعزز الطابع الوطني الجديد للمنطقة.