من المقاطعة إلى التواصل.. قراءة في التحول المصري تجاه حكومة الدبيبة في ليبيا

الاستمرار في التعاطي مع ليبيا من زاوية طرف واحد لم يعد يحقق المصالح الاستراتيجية المصرية
بعد سنوات من الفتور والاصطفافات الصلبة، عاد اسم العاصمة الليبية طرابلس إلى الواجهة في الحسابات المصرية، لا بوصفها مجرد ساحة نفوذ متنازع عليها، بل كعنوان محتمل لإعادة ترتيب التوازنات في غرب ليبيا، وربما في الإقليم ككل.
وقد تجلّى هذا التحول مع زيارة وفد رفيع من جهاز المخابرات العامة المصرية إلى طرابلس في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، في خطوة حملت رسائل سياسية وأمنية متعددة الاتجاهات.
ورغم أن أول زيارة لجهاز المخابرات المصرية إلى طرابلس تعود إلى مطلع عام 2021، فإن الزيارة الأخيرة اكتسبت دلالة خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، وما أفرزته من إعادة تموضع في مواقف عدد من الفاعلين الإقليميين.
واستقبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، اللواء خالد حسين، نائب رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، على رأس وفد رسمي، في لقاء وصفته مصادر ليبية ومصرية بأنه تجاوز الطابع البروتوكولي، وفتح نقاشًا مباشرًا حول ملفات التعاون الأمني والسياسي، ومستقبل التنسيق بين البلدين.
وجاءت الزيارة التي تزامنت مع تسلّم الدبيبة رسالة خطية من رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، حسن محمود رشاد، لتؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة وطرابلس لم تعد استثنائية أو ظرفية، بل باتت جزءًا من مقاربة مصرية جديدة تجاه ليبيا، وحكومتها المعترف بها دوليا.
ويبرز هنا سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: ما الذي دفع مصر إلى فتح قنوات تعاون مباشرة مع حكومة الدبيبة في طرابلس، بعد سنوات من الخلاف، ودعمها الصريح لمعسكر اللواء خليفة حفتر في شرق البلاد؟
الإجابة، وفق متابعين، لا تكمن في عامل واحد، بل في تراكب مجموعة من المتغيرات المحلية والإقليمية التي أعادت تشكيل الحسابات المصرية تجاه الملف الليبي.
وبحسب تقرير لموقع “عين ليبيا” المحلي، نُشر في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، فإن القاهرة، التي راهنت طويلًا على خيار الحسم عبر حفتر بوصفه مدخلًا لتحقيق الاستقرار في ليبيا وتأمين حدودها الغربية، باتت تدرك أن هذا الخيار استنفد معظم إمكاناته.
كما أن الاستمرار في التعاطي مع المشهد الليبي من زاوية طرف واحد لم يعد يحقق المصالح الإستراتيجية المصرية، بل قد يعرّضها لمخاطر إضافية في لحظة إقليمية تتسم بقدر عالٍ من السيولة والتقلب.
ضامن موثوق
وتابع أن القاهرة، ولأعوام طويلة، نظرت إلى خليفة حفتر بصفته الضامن الأكثر موثوقية لأمن شرق ليبيا، والشريك القادر على مواجهة الجماعات المسلحة ومنع تمدد الفوضى نحو الحدود المصرية.
غير أن ما أشار إليه موقع «ليبيا أوبزرفر» المحلي يعكس أن التطورات الميدانية والسياسية خلال السنوات الأخيرة كشفت حدود هذا الرهان. فمشروع السيطرة الشاملة على ليبيا عبر القوة العسكرية تعثر، وتراجعت قدرة حفتر على فرض وقائع جديدة، في ظل انقسامات داخلية، وضغوط دولية متزايدة، وتغير ملحوظ في موازين القوى.
الأكثر أهمية من ذلك، أن السلوك الإقليمي لحفتر بات مصدر قلق متصاعد لدى القاهرة؛ إذ إن دعمه الواضح لقوات الدعم السريع في السودان، وتجاهله للتحذيرات المصرية بشأن خطورة هذا الملف على الأمن القومي المصري، أدخلا العلاقة في منطقة رمادية وحساسة.
وبالنسبة لمصر، لم يعد ممكنا الفصل بين الساحة الليبية والامتدادات الإقليمية للصراع، خصوصا في السودان؛ حيث ترى القاهرة أن أي دعم لقوى تهدد استقرار الدولة السودانية ينعكس مباشرة على أمنها القومي وحدودها الجنوبية والغربية.
في هذا السياق، لم يعد حفتر خيارا حصريا في الحسابات المصرية، بل أصبح أحد الخيارات، وربما خيارا يحتاج إلى إعادة ضبط أو تقليم نفوذ، بدل منحه غطاء سياسيا مفتوحا كما في السابق.
وإلى جانب تعثر الخيار العسكري، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إدراك مصر المتزايد لثقل الشرعية الدولية؛ فحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لا تزال تحظى باعتراف الأمم المتحدة، وتشكل الطرف الرسمي في أي مسار تفاوضي معترف به دوليا. وتجاهل هذا المعطى، أو الرهان على تجاوزه، بات مكلفا سياسيا ودبلوماسيا.
كما أن القاهرة التي تسعى في السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها بوصفها فاعلا عقلانيا ومسؤولا في الإقليم، لا يمكنها الاستمرار في موقع التصادم مع الشرعية الدولية في الملف الليبي، خاصة مع تصاعد الضغوط الأوروبية والأممية لإعادة إحياء المسار السياسي.
ومن هذا المنظور، لا يعكس الانفتاح على طرابلس انقلابا جذريا على مواقف سابقة، بقدر ما يمثل إعادة تموضع براغماتية تراعي توازنات القوى القانونية والدولية، وتمنح مصر مقعدا مباشرا على طاولة أي تسوية مقبلة، بدلا من الاكتفاء بدور الداعم غير المباشر لأطراف قد يجري تجاوزها أو تحجيمها مستقبلا.

حسابات أمنية
ويبقى البعد الأمني العامل الأكثر حساسية في المقاربة المصرية تجاه ليبيا؛ إذ ظلت الحدود الغربية لمصر، الممتدة لمئات الكيلومترات، لسنوات طويلة مصدر قلق دائم، في ظل نشاط شبكات التهريب، وتسلل عناصر مسلحة، وتدفقات الهجرة غير النظامية.
ومع تغيّر خريطة السيطرة في غرب ليبيا، بات التواصل المباشر مع السلطات الفعلية في طرابلس ضرورة عملية، لا ترفًا سياسيًا؛ فالقاهرة تدرك أن ملفات الإرهاب والهجرة والطاقة لا يمكن إدارتها أو التأثير فيها من خارج العاصمة الليبية.
ويتيح التنسيق الأمني مع حكومة عبد الحميد الدبيبة لمصر الحصول على معلومات أدق، وقدرة أكبر على التأثير، سواء في ضبط الحدود، أو في مواجهة شبكات الجريمة المنظمة، أو في حماية مصالحها المرتبطة بملفات الطاقة في شرق المتوسط.
كما أن استقرار غرب ليبيا ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الاقتصادي المصري، في ظل تشابك المصالح المرتبطة بالعمالة المصرية، وإعادة الإعمار، والاستثمارات المحتملة، وهي ملفات لا يمكن تفعيلها أو إدارتها بفعالية دون قنوات رسمية ومباشرة مع الحكومة المعترف بها دوليًا.
وفي تصريح لـ"الاستقلال"، قال الصحفي الليبي عمر الحاسي: إن التحول المصري تجاه طرابلس لا يمكن قراءته بمعزل عن المتغير الإقليمي الأوسع. موضحًا أن العلاقات الخليجية التي شهدت خلال الفترة الماضية توترات غير معلنة بين السعودية والإمارات، أسهمت في إعادة رسم خطوط التماس في أكثر من ساحة إقليمية، من اليمن إلى السودان وصولا إلى ليبيا.
وأضاف الحاسي أن القاهرة لم تعد متحمسة لمجاراة سياسات إقليمية ترى أنها باتت تمس مصالحها بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما انعكس بوضوح على مقاربتها للملف الليبي.
وأشار إلى أن الحرب في السودان شكّلت نقطة تحول حاسمة في التفكير المصري، بتقدير أن استقرار السودان يمثل مسألة أمن قومي بالنسبة للقاهرة، لافتًا إلى أن دعم بعض الأطراف الإماراتية لقوات الدعم السريع عُدّ في مصر تجاوزًا لخطوط حمراء واضحة.
وبيّن أن هذا التطور دفع القاهرة إلى إعادة تقييم شبكة تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك موقفها من خليفة حفتر الذي ارتبط اسمه، سياسيًا وميدانيًا، بالإمارات وحميدتي، ما تسبب في إثارة قلق متزايد لدى صانع القرار المصري.
وختم الحاسي تصريحه بالتأكيد على أن مصر، في شرق المتوسط، تسعى إلى ترسيخ موقعها كلاعب توازن، لا كطرف منخرط في محاور مغلقة، وهو ما يفرض عليها انتهاج سياسة أكثر انفتاحًا وتوازنًا في علاقاتها مع مختلف الفاعلين في ليبيا، سواء في الشرق أو الغرب، بما يخدم مصالحها الإستراتيجية ويجنبها كلفة الاصطفافات الحادة.

دور جديد
وفي تصريح للباحث السياسي المصري عامر حسن، قال: إن السؤال المطروح اليوم بقوة هو ما إذا كانت مصر تتجه فعليًا للتحول من موقع الداعم لمحور بعينه إلى دور لاعب توازن في الساحة الليبية. مقدرا أن المؤشرات المتاحة تشير إلى ميل واضح لدى القاهرة لاعتماد هذا الخيار في المرحلة الراهنة.
وأوضح حسن لـ“الاستقلال” أن التواصل مع حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس لا يعني بالضرورة القطيعة مع خليفة حفتر أو التخلي عنه، بقدر ما يعكس توجهًا مصريًا لإعادة تعريف العلاقة ووضعها ضمن إطار أوسع وأكثر مرونة، يسمح للقاهرة بلعب دور الوسيط القادر على التواصل مع مختلف الأطراف الليبية.
وأضاف أن هذا الدور يمنح مصر هامشًا أوسع للمناورة السياسية، ويجنبها الانخراط في صراعات استنزافية، في وقت تحتاج فيه إلى تركيز مواردها وجهودها على أولويات داخلية وإقليمية أكثر إلحاحًا.
وأشار الباحث السياسي المصري إلى أن هذا التحول يعزز، في الوقت ذاته، صورة مصر كدولة تسعى إلى تحييد الصراعات لا إلى تأجيجها، وتفضل دعم حلول سياسية مستدامة على حساب الرهان على انتصارات عسكرية مؤجلة، أثبتت التجربة الليبية محدودية جدواها.
وشدد حسن على أن الانفتاح المصري على طرابلس لا يبدو خطوة تكتيكية عابرة أو مناورة ظرفية، بل يأتي في إطار مراجعة إستراتيجية أوسع فرضتها تحولات الداخل الليبي، وتعقيدات المشهد الإقليمي، وتغير موازين القوى الدولية.
ولفت إلى أن القاهرة التي أدركت أن العزلة لم تعد خيارًا مجديًا، وأن الرهان على طرف واحد لم يعد كافيًا، تسعى اليوم إلى إعادة التموضع بما يحفظ مصالحها الإستراتيجية، ويمنحها دورًا مؤثرًا في صياغة مستقبل ليبيا.
ويرى أن زيارة وفد المخابرات المصرية الأخيرة إلى طرابلس لم تكن مجرد حدث خبري عابر، بل مؤشرًا واضحًا على فتح صفحة جديدة في العلاقة بين العاصمتين، عنوانها البراغماتية، وميزانها المصالح، وسقفها البحث عن استقرار إقليمي بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.
















