ثقل سياسي.. لماذا تهتم السعودية وقطر بالتوسط في الأزمات الدولية؟

منذ ١٨ يومًا

12

طباعة

مشاركة

برزت كل من السعودية وقطر كوسطاء رئيسين خلال السنوات الأخيرة، خاصة في جهود إنهاء الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا منذ فبراير/شباط 2022.

ورغم اختلاف نهجي الوساطة بين البلدين، يقول موقع الهيئة الإذاعية البريطانية "بي بي سي"، في نسخته البرتغالية: إن كليهما يسعي لتعزيز نفوذه الإقليمي والدولي، مما يمنحه ثقلا سياسيا في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.

من جانبها، استضافت الرياض محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا لمناقشة وقف إطلاق النار، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى. 

فيما عززت الدوحة مكانتها دوليا، مستندة إلى سجلها في التوسط بين الجماعات غير التقليدية، مثل دورها في اتفاق طالبان والولايات المتحدة.

كما لعبت دورا مهما في الوساطة لوقف إطلاق النار الحالي في غزة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس، وأسهمت في التوصل إلى العديد من الهدن الأخرى قبل ذلك.

وفي هذا الصدد، يتساءل الموقع: “لماذا اختار هذان الجاران أن يكونا وسطاء دوليين للسلام؟”

جهود السعودية 

واجتمعت الولايات المتحدة وأوكرانيا في 11 مارس/ آذار 2025، في السعودية لإجراء محادثات قد تفضي إلى اتفاق سلام مع روسيا.

وبحسب الموقع، جاء اختيار السعودية لاستضافة هذه المحادثات بسبب العلاقة القوية التي تربط ولي العهد محمد بن سلمان، بكل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب.

وبدورها، أكدت الحكومة السعودية أنها ستلعب دورا نشطا كوسيط بين الأطراف المتحاربة، بعد عدة سنوات كانت فيها سياساتها أكثر عدوانية. 

ففي عام 2015، تدخلت المملكة في الحرب الأهلية في اليمن لدعم الحكومة الشرعية، وشنت غارات جوية وهجمات مدفعية ضد المتمردين الحوثيين.

وفي عام 2017، اتهمت الحكومة اللبنانية، السعودية باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، سعد الحريري، في محاولة لإجباره على الاستقالة.

ثم في 2018، اغتيل الصحفي جمال خاشقجي -الذي كان ناقدا للحكومة السعودية- على يد موظفين حكوميين في سفارة المملكة في إسطنبول.

وبهذا الشأن، قال بول سالم من معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "لقد جلبت القيادة الأولية لمحمد بن سلمان المواجهات. ومع ذلك، قرر أن بإمكانه أن يؤدي دورا أفضل في التوسط من خلال إبرام اتفاقات سلام بدلا من تصعيد النزاعات".

وقالت إليزابيث دينت من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "لقد توسطت السعودية في اتفاقات السلام بشكل أساسي لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط".

وأضافت: "هذا جزء مهم من إستراتيجيتها؛ إنهاء اعتمادها على صادرات النفط وجذب الأعمال الأجنبية للمساعدة في تطوير قطاعات اقتصادية جديدة".

وفيما يخص هذه الأجندة، يقول الموقع: إن "تاريخ السعودية كوسيط سلام في الشرق الأوسط يعود إلى عدة عقود".

وكبداية، في 1989، توسطت المملكة في اتفاق الطائف بين الأطراف المتحاربة بلبنان، مما أدى إلى وقف إطلاق النار عام 1990، منهيا 15 عاما من الحرب الأهلية.

وفي 2007 رعت السعودية اتفاق مكة، الذي أنهى المواجهات بين حركتي التحرير الوطني الفلسطيني فتح وحماس.

وفي الآونة الأخيرة، وتحديدا مع صعود محمد بن سلمان، استعادت السعودية دورها كوسيط للسلام، على حد قول الموقع.

فمنذ 2022، تجري المملكة مفاوضات مع الحوثيين في اليمن بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار.

علاوة على ذلك، تستضيف السعودية محادثات طويلة الأمد بين طرفي النزاع في السودان، وهما القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

كما أنها أشرفت في عام 2022 على اتفاق تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا، شمل أكثر من 250 أسير حرب من الجانبين.

دور قطر

وبالانتقال إلى الحديث عن الدور الذي تلعبه قطر، يوضح الموقع أن الدولة الخليجية لعبت دورا رئيسا في فريق وساطة دولي، إلى جانب مصر والولايات المتحدة.

وهذا الفريق نجح في التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في يناير/ كانون الثاني 2025.

وبالعودة قليلا إلى الماضي، توسطت قطر عام 2020، في اتفاق سلام بين طالبان والولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي استمرت 18 عاما في أفغانستان، مما أدى إلى انسحاب القوات الأميركية وحلفائها وسيطرة طالبان على البلاد.

وفي عام 2010، أسهمت قطر كذلك في وقف إطلاق النار بين الحكومة اليمنية والحوثيين، لكن الاتفاق انهار لاحقا.

وبالإشارة إلى لعبها دور الوسيط في إفريقيا، يقول الموقع البريطاني: إنه "في 2022 توسطت قطر في اتفاق وقف إطلاق النار بين حكومة تشاد والعشرات من جماعات المعارضة".

وسابقا، في عام 2010، رعت الدولة الخليجية اتفاق سلام بين الحكومة السودانية والفصائل المسلحة في دارفور.

وفي 2008 توسطت قطر في اتفاق بين الفصائل المتناحرة في لبنان، عندما كانت المواجهات تهدد بانفجار حرب أهلية جديدة.

وبدأت قطر في لعب دور بارز كوسيط للسلام خلال حكم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أصبح أميرا للبلاد عام 1995 وبقي في السلطة حتى 2013.

وأحد الأسباب الرئيسة لهذا التوجه هو سعي قطر لتطوير حقل الغاز "نورث دوم/ ساوث بارس" في الخليج، الذي اُكتشف عام 1990، وفق الموقع.

وبما أن هذا الحقل يمتد عبر المياه الإقليمية لقطر وإيران، كان على الدوحة التعاون مع طهران لاستغلاله، رغم أن الأخيرة كانت خصما للرياض آنذاك، وفقا لما ذكره هيلير من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن.

وقال هيلير لـ "بي بي سي": "عندما اكتشفت قطر حقل الغاز، أدركت أنها بحاجة إلى إيجاد طريق خاص بها".

وفي رأي الخبير، اختارت قطر لعب دور الوسيط، لأن "وجود علاقات إيجابية واسعة النطاق مع العديد من الدول يخلق شبكة من الحلفاء يمكنهم تقديم المساعدة والدعم عند الحاجة".

وتأكيدا على أن دور قطر كوسيط للسلام أصبح جزءا من دستورها الذي اعتمد عام 2004، يقول بول سالم: إن "قطر اختارت الوساطة الدولية كإحدى علاماتها الوطنية المميزة".

نهجان مختلفان

وتوضيحا لاختلاف دور الوسيط الذي تلعبه الدولتان، يبرز الموقع أن "قطر غالبا ما تُختار للتوسط في اتفاقات السلام؛ لأنها تحافظ على علاقات مع جماعات لا تتعامل معها السعودية ودول أخرى".

وبهذا الشأن، يقول بول سالم: "لا تحمل قطر العداء العميق نفسه تجاه الجماعات الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين وحماس وطالبان، كما تفعل السعودية".

وأضاف أن "علاقات قطر مع طالبان ساعدتها في أن تكون جسرا بين الحركة والولايات المتحدة، كما أن علاقاتها مع حماس وإسرائيل ساعدتها في التوسط لوقف إطلاق النار الأخير بينهما".

في حين تتواصل قطر مع اللاعبين غير التقليديين، تتعامل السعودية مع الجهات التقليدية والدول، وفقا لإليزابيث دينت، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

وهنا، تنوه دينت إلى أن "دعم قطر لجماعات مثل الإخوان المسلمين، التي تراها السعودية تهديدا لحكمها، أدى إلى توترات بين البلدين".

فقد قدمت قطر دعما غير محدود لمجموعات المعارضة خلال الربيع العربي (2010-2011)، خاصة في سوريا وليبيا، وأعلنت موقفها بوضوح.

وهذا -وفقا للخبيرة- أدى إلى أزمة الخليج عام 2017، عندما قطعت السعودية ودول أخرى من بينها الإمارات والبحرين إضافة إلى مصر، علاقاتها مع قطر ودشنت حملة دولية لحصارها وشيطنتها.

ونتيجة لذلك، كما توضح دينت، أصبحت قطر بعد هذه الأزمة أكثر حذرا في التفاوض مع الجماعات المسلحة دون استشارة جيرانها أولا، كما باتت أكثر حيادية.

ومع ذلك، يؤكد موقع "بي بي سي" أن قطر والسعودية لا تتنافسان على الوساطة في نفس النزاعات.

وشدد على أن "قطر لا تسعى اليوم إلى منافسة السعودية، والرياض بدورها لا ترغب في تولي القضايا التي تتولاها الدوحة".