إعادة جدولة الديون.. كيف استعادت غانا ثقة الأسواق العالمية؟

منذ ٥ أشهر

12

طباعة

مشاركة

بعد تعرضها لأزمة ديون كبيرة أدت إلى إفلاسها المالي عام 2022، نجحت غانا في إعادة هيكلة ديونها مع مجموعة متنوعة من الدائنين، بما في ذلك الدول الغربية والصين، والمستثمرين من القطاع الخاص. 

وقال موقع "لو فيغارو" الفرنسي إن "الحكومة نجحت في تخفيف عبء الديون المحلية، مما أدى إلى توفير سيولة مالية جديدة للموازنة العامة".

وأوضح أنه "بفضل العديد من الإجراءات، بدأت غانا في استعادة الثقة المالية، كما تحسن التصنيف الائتماني لها من قبل وكالة موديز".

مع ذلك، أشار الموقع إلى "استمرار تحديات مثل ارتفاع التضخم وتراجع العملة المحلية، رغم توقعات بنمو اقتصادي قوي في الفترة المقبلة".

نمو ديناميكي

ولفت "لو فيغارو" إلى أن “غانا، قبل بضع سنوات، كان يُنظر إليها على أنها بطل غرب إفريقيا، وكنموذج للديمقراطية، نالت الثناء على استقرارها السياسي وحسن إدارتها ونموها الديناميكي”. 

وأردف: "إذ تمكنت أكرا من الاعتماد على نفسها، متحررة من وصاية صندوق النقد الدولي، كما تمكنت من تمويل نفسها في الأسواق الدولية".

وعلى مدى أربع سنوات، من 2018 إلى 2021، قال الموقع إن "غانا تمكنت من جمع حوالي 3 مليارات من سندات اليوروباوند سنويا". 

واستدرك: "ولكن هذه الفترة السعيدة توقفت فجأة بسبب سلسلة من الصدمات، جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار المواد الخام، وهو ما أثر بشدة على البلاد".

ونقل الموقع عن أحد الاقتصاديين قوله إنه "في عام 2022، مع تصاعد عبء الديون إلى مستوى غير محتمل، تخلفت أكرا عن سداد ديونها لدرجة أدهشت الجميع نظرا إلى سمعتها الجادة".

وبسبب هذه المحنة، اضطرت البلاد للعودة مرة أخرى إلى صندوق النقد الدولي. 

وفي نهاية عام 2022، بحسب ما ذكره الموقع الفرنسي، بدأت الحكومة في تنفيذ إجراءات لإعادة هيكلة الديون.

وفي هذا الصدد، أوضحت "لو فيغارو" أن هذه العملية شملت ديونها المحلية تجاه الدائنين من البنوك والمؤسسات، وكذلك الديون الدولية الثنائية مع دائني نادي باريس ودول ناشئة أخرى -مثل الصين والهند وتركيا وجنوب إفريقيا، إضافة إلى الديون الخاصة. 

جدير بالإشارة إلى أن "غانا تُعد واحدة من أربعة بلدان -إلى جانب زامبيا وإثيوبيا وتشاد- طلبت إعادة هيكلة ديونها بموجب الإطار المشترك الجديد لمجموعة العشرين، والذي يفرض معاملة متساوية لجميع الدائنين". 

ولفت الموقع إلى أن "هذه الإجراءات تستغرق وقتا طويلا بسبب تنوع الديون التي تحملتها البلدان الفقيرة على مدى السنوات العشرين الماضية من مجموعة متنوعة من المقرضين".

فترة سماح  

وفي هذا السياق، أشار فينسنت جوغيه، الاقتصادي المختص بمخاطر الدول في الوكالة الفرنسية للتنمية، إلى أن "عملية إعادة هيكلة الديون المحلية الغانية صيغت بشكل جيد من ديسمبر/ كانون الأول 2022 إلى أغسطس/ آب 2023، حيث استهدفت أكثر من 90 بالمئة من الدائنين، مما أعطى دفعة حقيقية للمالية العامة".

فيما أوضح الموقع الفرنسي أنه "خلال عام 2023، خُفضت خدمة الديون بحوالي 5 مليارات دولار، أي ما يعادل 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي". 

وبالإشارة خصيصا إلى فترة ما بعد إصلاح القطاع المصرفي بين عامي 2017 و2019، يرى جوغيه أن "البنوك المحلية، رغم الصدمة التي تعرضت لها رؤوس أموالها، صمدت بشكل جيد نسبيا أمام هذه العملية".

لافتا إلى أن "الدولة واصلت تمويل احتياجاتها النقدية من هذه البنوك المحلية على المدى القصير جدا، وبأسعار فائدة مرتفعة جدا، مما ضمن لها ربحية كبيرة".

أما فيما يخص المفاوضات حول الديون الثنائية، التي تشكل 17 بالمئة من الديون الخارجية العامة، فكانت أكثر تعقيدا، وفقا لما يراه الموقع. 

ولذلك، يبرز الموقع أنه "كان من الضروري التوصل إلى اتفاق مع جميع الدائنين، وخاصة البلدان الناشئة التي ليست معتادة على عمليات إعادة الهيكلة". 

وفي هذه النقطة، قالت "لو فيغارو" إن "أكرا استفادت من تجربة زامبيا السابقة".

وبنفس السياق، كان الاتفاق الذي أُبرم في يونيو/ حزيران 2024 لا ينص على إلغاء الديون، بل على إعادة جدولتها مع فترة سماح.

وبشكل ملموس، كما أوضح الموقع، عُلقت الدفعات المستحقة بين عامي 2023 و2026 خلال فترة خطة صندوق النقد الدولي.

وبقوله إنه "إنجاز آخر حققته غانا بشأن ديونها الخاصة"، أشار الموقع إلى أنه بعد مفاوضات طويلة، توصلت الحكومة أخيرا إلى اتفاق مع حاملي السندات الدولية، الذين قبلوا تخفيضا يصل إلى 37 بالمئة على دين قدره 13 مليار دولار. 

وهذا الاتفاق -وفق الموقع- ساعد في تحسين سمعة البلاد، حيث رفعت وكالة "موديز" تصنيفها الائتماني درجة واحدة في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، مع توقعات إيجابية.

ارتفاع الأسعار

وبعد انتهاء المهمة الثالثة لتقييم صندوق النقد الدولي في نهاية سبتمبر/ أيلول 2024 بنتائج إيجابية، فُتح الباب أمام صرف 360 مليون دولار جديدة من إجمالي حزمة تبلغ 3 مليارات دولار، بحسب ما ذكره “لو فيغارو”.

وأشار رئيس بعثة صندوق النقد الدولي، ستيفان روديت، إلى أن "جميع الأهداف الكمية وأهم الإصلاحات الهيكلية واصلت التقدم حتى نهاية يونيو/ حزيران 2024، رغم بعض التأخيرات في بعض المجالات".

وفي هذا السياق، لفت الموقع النظر إلى أن "التقدم في الإصلاحات الأساسية فيما يتعلق بقطاعي الطاقة والكاكاو، وهما من أهم صادرات البلاد إلى جانب الذهب، يسير ببطء". 

وفي هذا الصدد، قال فينسينت جوغيه: "كان إنتاج موسم 2023-2024 سيئا بسبب الجفاف ونظام التسعير المدار، والذي لا يفيد المزارعين بشكل كاف، مما يدفعهم إلى بيع محاصيلهم بشكل غير قانوني بأسعار أفضل في كوت ديفوار أو بيع أراضيهم لعمال المناجم". 

وفي النهاية، ذهب “لوفيغارو” إلى أن "البلاد مدعومة بمسار نمو جيد، إذ بلغ 6 بالمئة في النصف الأول من عام 2024، متجاوزا توقعات صندوق النقد الدولي". 

ومع ذلك، سلط الضوء على أن "مشكلة التضخم هي النقطة السلبية المتبقية". 

وأوضح الموقع أن "مشكلة التضخم تتفاقم بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتدهور قيمة العملة المحلية (السيدي) التي فقدت 25 بالمئة من قيمتها عام 2024، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم الثقة".